الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يتصاعد الإرهاب في مصر ؟

هل يتصاعد الإرهاب في مصر ؟

أثارت محاولة اغتيال السيد‏/‏ وزير الداخلية الكثير من القلق حول احتمال تصاعد الإرهاب في مصر‏,‏ خاصة وأنها تزامنت مع ارتفاع حدة المواجهات في سيناء وحدوث تفجيرات محدودة في عدد من المناطق‏,‏ فما هي أبعاد هذه العمليات؟‏

وهل هناك صلة بين ما يجري في سيناء وما يجري في القاهرة؟ وهل استوطن تنظيم القاعدة مصر؟.

إن الإجابة علي هذه الأسئلة وغيرها يتطلب التأكيد علي عدد من الاعتبارات التي من أهمها أن تنظيم القاعدة العالمي لم يعد تنظيما متماسكا له هيكلية قيادية وإدارية وتنظيمية, بل أن الضربات التي تعرض لها علي مدي السنوات الأخيرة أدت إلي تقويض هيكلته, كما أن تصفية معظم القيادات التاريخية له قد أضعفت من القدرة المركزية للسيطرة علي الروافد والفصائل المرتبطة بها.

إن أهم الفصائل المرتبطة بهذا التنظيم حاليا يتمثل في تنظيم القاعدة في اليمن والجزيرة العربية, وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي, وتنظيم القاعدة في العراق والشام( بالإضافة إلي جبهة النصرة), ولا تخضع أي من هذه التنظيمات لقيادة موحدة, ولكنها تعتبر أيمن الظواهري مرشدا أعلي لها علما بأنه لا يمتلك أية أدوات للسيطرة أو التمويل أو وسائل اتصال بقيادات هذه الفصائل, ولكن مجرد إعلان تلك التنظيمات مبايعتها له قد كفل لها انضمام الأنصار والمتطوعين والممولين. 

إن أيا من هذه التنظيمات الثلاثة لم يسع لتكوين تنظيم مستقل في مصر, رغم أن مجموعات وعناصر مصرية من الجيل الوسط تزاملت مع قياداتها في أفغانستان وعادت للعمل معها في اليمن والعراق, حين كانت ملاحقة بشدة من أجهزة الأمن المصرية.

إن العام الأخير شهد تطورات خطيرة من بينها السماح بعودة قيادات متطرفة مصرية انتمت لتنظيم القاعدة, وكانت ملاحقة دون أية محاسبة, كما تم الإفراج الصحي عن قيادات من وزن محمد الظواهري, وتم وقف الملاحقة الأمنية للكوادر التي عاد بعضها من اليمن وباكستان, والتي تردد بعضها علي سوريا.

ورغم أن بعض هذه القيادات كان مطلوبا من أجهزة الأمن الأمريكية والأوروبية, وكان التعاون الأمني بين تلك الأجهزة وأجهزة الأمن المصرية, يتعلق بأنشطتها في الخارج, وعندما عادت إلي مصر لم تطلب تلك الدول إجراء أية تحقيقات معها, وهو ما يكشف عن استراتيجيتها الخاصة بتوطينها في مصر حتي تبتعد عن مصالح تلك الدول في الخارج.

والأغرب من ذلك أن مسئولا في النظام السابق برر عودة بعض القيادات الإرهابية بأنها كانت في إطار مبادرة مصرية لتوفيق أوضاع المصريين المقيمين بصورة غير شرعية في باكستان, يضاف إلي كل ما سبق أن هناك دورا للسلفية الجهادية داخل سيناء, وتزايدت مجموعاتها وعناصرها المسلحة, وحدث تزاوج شديد بينها وبين قيادات إخوانية كبيرة وضغطت تلك القيادات, وكذلك قيادات سلفية مختلفة علي عدم ملاحقتها أو مواجهة أنشطتها بدعوي توليها إجراء حوارات معها, وهو ما حال دون تنفيذ الجيش المصري للخطط التي أعدها بهذا الخصوص طوال العام الماضي.

إن الأنفاق مع غزة كانت مجالا لهروب العناصر الملاحقة, خاصة أن هناك مجموعات للسلفية الجهادية المتطرفة في رفح الفلسطينية ومناطق أخري في غزة, تعرفها حركة حماس جيدا, وتستثمرها عند الضرورة, وتهاجم التغيير السياسي في مصر, وأعلنت في تظاهرة عسكرية خلال الأسبوع الماضي تطوع عناصرها للاستشهاد في مصر.

هذا هو المناخ الأمني الذي ساد مصر خلال العام الأخير, فقد تصالح النظام مع ما يمكن تسميته شظايا تنظيم القاعدة ومجموعات التطرف والتكفير, ولم تكتف واشنطن التي أعلنت ما يسمي الحرب العالمية علي الإرهاب بغض الطرف عن ذلك, بل وجدت مصلحة كبيرة لها.

وفي تقديري أن هناك تضخيما كبيرا لوجود تنظيم القاعدة في مصر, وأن ما يحدث في مصر هو نوع من الإرهاب العشوائي تمارسه مجموعات ترتبط بعناصر أعلنت انتماءها الفكري للقاعدة, ولكن لا يوجد حتي الآن إطار حركي أو تنظيمي يجمعها مع الروافد الرئيسية للتنظيم.

وقد استفادت من المناخ الأمني وجماعات التكفير والإرهاب التي تنتشر علي جانبي الحدود مع غزة, والتي تعمل في تجارة السلاح, واستفادت من انهيار الجيش الليبي وتسرب أسلحة متطورة سعت حركتا حماس والجهاد الفلسطينيتان للحصول عليها وتخزينها في مناطق في سيناء خوفا من تدمير إسرائيل لها لو دخلت إلي القطاع. 

وكانت هذه الجماعات هي الوسيط والناقل لها, وجاء سقوط النظام السياسي منذ شهرين وتبلور ما يسمي تحالف العنف الذي ضم الروافد المتطرفة تحت عباءة واحدة, وبدأت هذه الكتلة ممارسات غلفتها بالعنف وتجاوز عداؤها للنظام السياسي الجديد إلي العداء مع الدولة المصرية ذاتها, وأصبح خيارها أن يكون الغلبة لهذا التحالف وعودة النظام السابق أو تنهار الدولة كلها, وهو ما وفر غطاء لجماعات العنف, وفي تقديري أن الإرهاب العشوائي ومحاولة اغتيال أكبر قامة أمنية مصرية, الذي وجد ارتياحا من جانب تحالف قيادات العنف يرتبط بصورة كبيرة بما يجري في سيناء, فلا شك أن نجاح الجيش المصري في غلق نسبة كبيرة من أنفاق التهريب ومسارات وطرق الإرهاب والإرهابيين من وإلي غزة, وتصفية أعداد كبيرة من بؤر الإرهاب والقبض علي عدد من قياداتها, دفعت هذه العناصر لنقل عملياتها إلي الداخل لتشتيت الجهد وتخفيف الضغط علي سيناء, التي يوحي مسار العمليات العسكرية والأمنية فيها بتحقيق انتصارات كبيرة.

لا خوف إذن من استيطان تنظيم القاعدة في مصر أو سيناء, وهناك تضخيم دولي متواصل بهذا الخصوص تشارك فيه إسرائيل يستهدف بالدرجة الأولي الإيحاء بعدم قدرة مصر علي تحقيق الأمن أو مواجهة الإرهابيين في سيناء وصولا إلي محاولة تدويل قضية الأمن في سيناء وإخراجها عن السيطرة المصرية المطلقة, وهو الأمر الذي يجب التحسب له بصورة كبيرة ودون تهاون.

إن مصر تواجه ممارسات لتحالف العنف التي توفر أرضية للإرهاب العشوائي, وهو إرهاب لا تملك أكبر أجهزة الأمن في العالم التحكم فيه رغم ما يتوافر لها من قدرات تقنية وبشرية هائلة, وسيكون العبء كبيرا علي أجهزة الأمن ووزارة الداخلية, وكذلك القوات المسلحة والمخابرات العامة, وهو ما يتطلب مساندة شعبية وحزبية كبيرة, وأن تتفهم القوي السياسية والاجتماعية علي اختلافها أهمية وضرورة تطبيق بعض إجراءات الطوارئ دون الالتفات للدعاوي الخارجية بهذا الخصوص, فالأمن القومي لمصر له الأولوية علي ما عداه, كما أن مواجهة العنف العشوائي يتطلب مواصلة تدمير أنفاق غزة ووضع استراتيجية لإبعاد الكتل السكانية عن خط الحدود بمسافة كافية, والضغط علي حماس لإغلاق الأنفاق من ناحيتها مقابل التسهيلات الضرورية التي تحتاجها, كما يتطلب الأمر أيضا اتخاذ الإجراءات الأمنية والسياسية التي تكفل ضبط الحدود الغربية والجنوبية, التي تمثل طريقا لتهريب السلاح وتسلل العناصر الإرهابية.

وإذا كان من الضروري أن تتواصل الإجراءات الأمنية لمواجهة العنف, والإرهاب بمستوياته المختلفة, فإنه من الضروري أيضا أن يترافق مع ذلك في التوقيت المناسب, وفي ضوء مستقبل هذا العنف أفق سياسي يسمح بالاستيعاب ويمكن أن يخفف من حدة الصدام والمواجهة.

***************

المصدر: الأهرام

-- د‏.‏ محمد مجاهد الزيات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*