الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مَن زرع الطائفية .. ومَن حصد ثمارها؟

مَن زرع الطائفية .. ومَن حصد ثمارها؟

يعرِّف الدكتور طه جابر الطائفية بقوله: ”هي مفهوم مشتق من جذر متحرك فهو مأخوذ من طاف، يطوف، طواف، فهو طائف، فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه، بل يتحرك في إطاره وربما لصالحه لقوله تعالى: ”فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون”.

وإن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفيا، كما لا يجعله طائفيا عمله لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحق الآخرين.

لكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغمطها حقوقها أو يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها تعاليا عليها أو تجاهلا لها أو تعصبا ضدها” (انتهى).

حين كتبت قبل فترة في تويتر في هاشتاق (لا للطائفية) لم أكن أتوقع حقا أن يمتلئ ”المنشن”عندي بالكم الهائل من آراء المغردين المتحمس منهم والمتهجم والعقلاني والعاطفي والرزين والمؤيد والمعارض … إلخ، وتحدثت عن الطائفية بما كان يفرضه علي عقلي من أحداث وكوارث يعيشها عالمنا الإسلامي بسبب الطائفية، وليس بسبب أني أردت ”التلميح” أمام المغردين كما قال أحدهم.

فانتماء شخص ما لطائفة يؤمن بأفكارها وتوجهاتها وتقاليدها لا يمنحه الحق أبدا لنسف الطوائف الأخرى والتعدي عليها لفظا وفعلا من أجل طائفته، مهما بلغت محبته لطائفته وبغضه للطوائف الأخرى،لكن ما يحدث في عالمنا الإسلامي عكس هذا تماما.

الطائفية البغيضة تنخر جسد أمتنا الإسلامية نخرا وتقسمها إلى أشلاء ممزقة، والطائفية البغيضة أقصد بها هنا وبمفهومي الشخصي المتواضع ”كل نظرة متعصبة متطرفة للطائفة والقبيلة والمنطقة واللون والطبقة والجنس، بحيث يؤدي هذا التعصب الأعمى البعيد عن كل عقل ومنطق إلى التقليل من شأن الآخرين والتعدي على حقوقهم المكفولة شرعا وقانونا”.

ومن أكبر عوامل تأجيج نار الفتنة بين الطوائف المتناحرة في عصرنا الحالي هو الإعلام غير النزيه، الذي يظل ينفخ في الرماد حتى يضمن وجود مادة إعلامية يقتات عليها بعض المتسلقين فوق أشلاء متناثرة هنا وهناك، في زمن أصبحت مصداقية الخبر الإعلامي الموثوق على المحك.

ومن العوامل أيضا ”تسيد” بعض أصحاب الفكر المتطرف من هذه الطوائف وسائل التواصل الاجتماعي وبث سموم الطائفية في عقول الأتباع الذين بدورهم يستقبلون هذا الخطاب وذاك دون حتى أن يعرضوه على عقولهم المعطلة تماما.

والمؤلم في الأمر أن الأوطان هي التي تدفع الثمن في النهاية تخلفا وتراجعا وتعطيلا لعجلة التقدم والتنمية واستشراء للفساد والمحسوبية وصراعا دمويا يقتل حتى الرغبة في الانتماء. 

والمتتبع للطائفية سيعلم كيف أن دولة مثل الهند تجاوز عدد سكانها مليار نسمة يعيش فوق أرضها الشاسعة أكثر من 500 طائفة مختلفة دينيا وعرقيا وفكريا وبيئيا وطبقيا.

ورغم ذلك يتعايشون بسلام واحترام تام ويسهمون في تنمية بلادهم وإعمارها رغم عددهم المهول الذي لا يتناسب وموارد وطنهم. ولو عاد التاريخ لأخبرنا بأن طوائف الشعب الهندي المتشعبة والمتعددة اختارت سبل التعايش مع الآخر باحترام وسلام لأنها ببساطة اكتوت بنار الطائفية ودفعت ثمنها أنهارا جارفة من دماء أبنائها دون أن تسجل إحدى طوائفها انتصارا منفردا على حساب طائفة أخرى .. 

ولأن الطوائف الهندية استوعبت الدرس جيدا فقد اختارت الحل الأفضل وهو التعايش مع الآخر والاحترام التام لكيانه وحقوقه .. وضرورة توظيف الطاقة المهدرة في نزاعات طائفية لا فائدة منها سوى الدمار والإرهاب والتخلف والفقر، بإيجابية تسهم في التنمية والإنتاج والتقدم والعطاء والانتماء الحقيقي.

لذلك فالهند حاليا تسير بخطى واثقة نحو التقدم الذي سيدفع بها نحو مستقبل مشرق سيندهش منه الكثيرون و”السعيد من وعظ بغيره”.

لم تستفد المجتمعات الإسلامية من انتشار الطائفية غير الفرقة والحروب الأهلية والشتات والتعصب الأعمى وأنهار الدم وانتشار الفساد والمحسوبية والفقر وتوقف عجلة التقدم وتعطيل خطط التنمية، وتفريخ الإرهاب .. وغيرها!

لذلك سادتي الكرام اسمحوا لي أن أقتسم معكم حرقة السؤال: مَن زرع الطائفية ومَن حصد ثمارها؟

—————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- سلوى العضيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*