الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحوار كضيافة ومنظور العدالة

الحوار كضيافة ومنظور العدالة

من التناقض أن يهين المضيف ضيفه، هذا يعني مباشرة انقطاع علاقة الضيافة، ومن التناقض أيضا تعالي المحاور على من يحاوره أو هيمنته عليه بإغلاق أي دور له في إنتاج المعرفة أو الاستئثار بحق الحديث دونه

انتهت المقالة السابقة على وعد باستكمال الحديث عن الحوار من منظور العدالة، أي النظر للحوار على أنه علاقة هي موضوع للسلطة، وبالتالي موضوع للعدالة. 

الضيافة من جانبها موضوع للعدالة أيضا. المضيف مطالب بحفظ حقوق ضيفه بشكل مباشر ما دام في ضيافته، بمعنى أن المضيف مسؤول مسؤولية أخلاقية مباشرة عن تحقيق العدالة لضيفه، بمعنى أن الضيافة في داخلها إعطاء للأمان والرعاية والحماية. العلاقة الآمنة في النهاية هي العلاقة التي تتحقق فيها العدالة لجميع الأطراف. 

سأتحدث في هذه المقالة عن الالتزام الأخلاقي بالعدالة في علاقة الضيافة، وعن امتداده المتوازي له في الحوار منظور له كضيافة.

يقول البدو: “الضيف يلزم”، بمعنى أن الضيافة تعني مباشرة التزاما مباشرا تجاه الضيف. الضيف هنا مثل الجار و”الخوي” تؤسس له هذه العلاقة وجودا قانونيا إضافيا يكفل له حماية قانونية تعتبر في التقاليد والأعراف من أقوى الحمايات وأكثرها حساسية. الحكايات متوافرة في التاريخ المحلي وكذلك في الحكايات العالمية عن الضيافة ومعناها. 

لقرون طويلة كان حاتم الطائي في التراث العربي أنموذجا لهذه العلاقة. 

الكرم هنا هو عنوان أوسع من العطاء المادي يمتد للعطاء المعنوي والأخلاقي الذي يجعل من الضيف يحتل مكانة مختلفة. 

الضيافة هنا تعطي حزمة من الاستحقاقات الجديدة. من أبشع المواقف التي يمكن أن يتخيلها الكريم أو المضيف أن يهين ضيفه. هذا الفعل هو نقيض الضيافة بالكامل. 

حزمة الحقوق أوسع من هذا فهي تصل إلى التزام المضيف برعاية حقوق ضيفه من الآخرين في حضرة الضيافة. المشهد كالتالي: 

في حال تعرّض أحد من الحضور بالإهانة أو التجريح للضيف فإن العرف يقول إن “الضيف في حكم المضيف”، بمعنى أن الضيف هنا لا يقوم بردة فعل لأن هذا هو دور المضيف. 

المضيف هنا مسؤول عن استرداد حق ضيفه والحصول له على اعتذار أو أي إجراء يحقق له الرضى. المضيف الذي يعجز عن القيام بهذا الدور الحقوقي يفشل في الضيافة بشكل حاد. 

في حالات أخرى يأخذ الناس مدى أوسع في رعاية حقوق الضيف. اشتهر مثلا عن قبيلة الدواسر أنهم يَسِمون عصا الضيف والجار ليتحرك في المنطقة التي يعيشون فيها بهذا الوسم الذي يعطيه جميع حقوق مضيفه، ومن يعتدي عليه فهو يعتدي على المضيف نفسه وبشكل أكثر إيذاء. 

آخرون أخذوا هذه الحقوق لمدى أوسع لتشمل حتى ضيوفهم من الحيوانات. يحكى في الأدب المحلي أن ابن ريفة قد تخاوى مع ذئب أثناء وجوده وحيدا في البر. 

هذه العلاقة مع هذا الكائن الحي عنت الكثير لابن ريفة فقد كان هذا الذئب رفيق الطريق وأنيس الوحدة. حين عاد ابن ريفة لأهله عاد ومعه رفيقه وطلب من الناس احترامه وعدم الاعتداء عليه.

حقوق الضيافة متعارف عليها في غالب الثقافات حتى داخل العلاقات ذات الطابع التجاري. الفنادق مثلا معنية بشكل قانوني بحماية ضيوفها. الدول كذلك بحسب جمعيات حقوق الإنسان مطالبة برعاية حق الزوار والسيّاح. 

تصدر منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريرا دوريا عن حقوق ضيوف الدول، وتعني بذلك طريقة التعامل التي تقوم بها الدول مع البشر الذين يزورونها لأغراضهم المختلفة. 

الحوار كضيافة هو نقل للعلاقة مع الآخرين من مستواها الإجرائي المباشر إلى مستوى أكثر عمقا وأكثر معنى. العمق والمعنى هنا أسميه الضيافة وأعني بها تحديدا جملة من الالتزامات الأخلاقية التي تتولّد مع تفاعل العلاقة ووصولها إلى مستويات أكثر دلالة وقيمة. 

في صالة الانتظار مثلا، الإنسان الجالس بجانبك قبل أي علاقة يحضر بشكل محدود، يحضر بشكل لا يميّزه عن الآخرين إلا من خلال منظره الذي قد يخفيه أكثر مما يظهره. حين نبدأ في الحديث مع هذا الإنسان فإن هذه العلاقة تخلق مساحة له كما لنا بالظهور، بالانكشاف. 

الحديث المتبادل هو كشف لما هو مستور في داخل كل فرد قبل العلاقة. قد تتوقف العلاقة عند مستوى محدود لأسباب كثيرة ولكنها أسست لما يمكن أن يتواصل ويمتد. 

الحديث المتبادل، الإنصات، التفاعل، الترقب لما يقوله الآخر، الاحتفاء به، التفكير معه، كلها أعمال ضيافة من المستوى العالي تجعل من هذا الإنسان حالة مختلفة بالنسبة لنا، فالحوار معه أو معها جعل مستوى العلاقة يأخذ درجة أعلى تلزمنا على أقل مستوى بعبارة وداع أو ابتسامة تخص هذا الإنسان من دون غيره حين نهمّ بالوداع والفراق. 

في بعض الأحيان يبقى حضور ذلك الإنسان مستمرا في الذاكرة والشعور حتى بعد الفراق لأوقات طويلة. هذا الاستبطان أمر في غاية الدلالة على مستوى حضور ذلك الإنسان في وعينا ومستوى الانكشاف والحضور الذي تحقق من خلال الحوار. 

هذا المستوى من الحضور، من الضيافة يحمل معه التزامات إنسانية عميقة جدا. 

فكما أنه من التناقض أن يهين المضيف ضيفه وأن هذا يعني مباشرة انقطاع علاقة الضيافة فإنه من التناقض أيضا تعالي المحاور على من يحاوره أو هيمنته عليه بإغلاق أي دور له في إنتاج المعرفة أو الحقيقة أو الاستئثار بحق الحديث دونه. هذه السلوكيات تناقض معنى الحوار وتقضي على احتماليته بشكل حاد ومباشر. 

الحوار هنا هو ضيافة متبادلة يقوم جميع أطرافها بدور المضيف والضيف في ذات الوقت. يوجد الجميع في بيت مشترك يردد فيه كل منهما للآخر عبارة الكرم الحقيقي: البيت بيتك والضيف يلزم، والباب مفتوح، ومرحبا ألف، وغيرها من عبارات الضيافة التي وإن ابتذلت في أحيان كثيرة، إلا أنها تبقى ذات معنى عميق جدا فقط عند أهل الكرم والضيافة والحوار.

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- عبدالله المطيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*