السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الدور الإنساني الفعّال لتأصيل الجليل من الطبائع والخصال

الدور الإنساني الفعّال لتأصيل الجليل من الطبائع والخصال

للعنصر البشري وجوده الدائم في المجتمع الإنساني، يعمل دوماً ويتعاون من أجل خير العالمين وكان في التعامل الحسن والمخالطة التي تتسم بالمحبة والرفق مع الآخر أبلغ مثال على الأخذ بيده إلى عالم المُثل الرحيب في رقي أخلاقي وإبداع مادي. 

إن التوجه الإيجابي للعقل البشري تأثراً بالأشياء وتأثيراً في الأحياء هو نقطة الانطلاق إلى الأفق الرحب الوسيع منتشياً بحمل لواء التغيير وبث روح التعمير في ذلك الكون المترامي البعيد، ومن هذا المنطلق كان للإيجابية دورها الفعال في سلوك الفرد والمجتمع سواء بسواء والمرتكزة على منهج يتقدم من خلاله المحجم ويتوثب المتراجع ويتشجع المتخاذل ويبذل ويعطي من كان في السابق يعيش لنفسه فقط ملتفاً حول ذاته ومختالاً بصفاته السلبية، ومن ثم ينهض المتكاسل ليثمر للعالم بكل ما يثري الفكر البشري، من هنا تكون نقطة الارتكاز لعملية فكرية ذات طابع تنموي تتكشف وتتجلى من خلالها الحقائق الإنسانية بشتى جوانبها.

ولتكتمل تلك المنظومة الإيجابية بكامل أركانها ولتكوين التصور السليم يجب أن تكون هناك عزلة شعورية للفكر البشري لتضح من خلالها الحقائق وليتحدد المسار والوجه الإيجابي من خلال التصور البشري المعتدل القائم على الوسطية دون إفراط أو تفريط، إن هذه العزلة الشعورية لها مسْبحها الخاص الذي يتعلم من خلاله الإنسان كيف يجاهد ضد الأمواج العاتية فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. 

إن التصور الإنساني البصير مثله كمثل الومضة في حالك الظلام من خلالها يستطيع أن يتبلور لديه المفهوم الإيجابي؛ كي يضع الأمور في موضعها الصحيح ويزنها بميزان التدبر والتفكر. 

إن التصور الإيجابي في حياة الإنسان هو نقطة الانطلاق ومركز البداية الخلاقة والفاعلة بل الفاصلة في حياة الإنسان ليتوجه توجهه الفطري الذي يحدثُ به انسجام بين التصور والإيمان والاعتقاد والواقع العملي المنظور والمشاهد الإنسانية أجمعها ودون هذه السمات وتلك التطلعات يعيش الإنسان في تيه وتخبط في هذه الدنيا ومن ثم يأتي الواقع العملي لإيجابية الإنسان ولدوره الفعال في البناء.

ومن هنا كانت الخيرية للأمة الإيجابية، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، إن اختيار الله لأمتنا أن تكون خير أمة لم يأت هكذا فحسب إنما جاء بإيجابية الأمة وعلمها وعملها المتوقد دائما في شتى النواحي وفي كل الدروب والمناحي وبهذا السلوك الإيجابي في حياة الفرد تشرق من ثناياه شمس التغيير والحرية والإبداع.

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فابدأ بنفسك أولاً كي تأثر في سلوك الآخرين فهكذا تكون إيجابية الإيجابية بأن يؤثر الإنسان بسلوكه قبل قوله فيمن حوله من الأحياء والأشياء كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فيجب أن يقترن القول بالعمل ومن الإيجابية أن يجدك الناس في كل موضع تخدم فيه كل حي على هذه الأرض ولا يفتقدونك في زمان ومكان من المفترض أن تكون وقتها في طليعة القوم. 

فالمسلم الإيجابي كمثل الغيث أينما وقع نفع فهو كالنخلة في ثباتها وشموخها وعطائها وجمالها الربيعي الخلاب تزدان بها الطبيعة وتفوح من جنباتها النسايم ويظلنا سعفها ونأكل من رطبها وثمارها وبعد كل هذا العطاء وذلك التفاني في خدمة البشرية والطبيعة تُرمى بالحجر فتعطي وتغدق على راميها بالثمر، والإيجابية الإنسانية لا تنتهي ولا تتوقف بأي حال من الأحوال حيث العطاء المتجدد الممزوج بالتضحية والاستعلاء على الجزاء الدنيوي المحدود والتطلع إلى الجزاء الإلهي الممدود ومن الإيجابية كذلك أن لا ينتهي عمل المسلم ودوره في الحياة عند انتهاء عمره الوظيفي وخروجه إلى التقاعد، إن الدور الإنساني في هذه الحياة غير مقيد بعمل أو وظيفة وفقط ولكنه دور إيجابي له منظوره الواقعي وواقعه العملي يعطي الإنسان ويبتكر ويبدع بعمل إيجابي طموح مستمر إلى آخر العمر. 

وليس للعمل الإنساني نهاية إلا بالموت، نحن في حاجة إلى تربية أنفسنا تربية جديدة تقوم على بعث روح التجديد داخل النفس البشرية وزرع روح الأمل الذي يضيء لنا جانبي الطريق الدنيوي المحفوف بالشهوات والمخاطر. 

فالإنسان الإيجابي كالوقود المشتعل دائماً وأبداً يبحث وينقب ويتعلم ويعطي ولا ينتظر جزاءً في هذه الحياة لأن ذلك العطاء له تصوره الشامل الذي هو أكبر من النظرية الداعية إلى الأنانية في الموروث الشعبي بقول هات وخد فإن لم تأخذ أنت فلا تعطي وهذا مع الأسف الشديد منظور خاطئ بكل المقاييس لأننا هنا في دار ممر وليست دار مستقر حيث إننا يجب أن نقرر ونقر أننا في دار عمل ونصب وليست داراً للجزاء والمكافآت والترف فهنا العمل وهناك الحساب. 

ومن هنا كان للنظرية الإيجابية داخل النفس البشرية باعثها الأصيل ودافعها النبيل للعمل، إن المفهوم الواقعي لخلق الروح الإيجابية كان مغزاه بعث وحث النفس البشرية على العطاء دون الانتظار والالتفات إلى الجزاء البشري الذي يحيط به المن والتعالي ومن هنا يجب أن نقرر حقيقة أخرى وهي أننا نتعامل مع بشر فيهم أحياناً حماقات البشر وانحرافات البشر وأطماع البشر وتفاهات البشر وفي هذا المضمار وذلك المسار يجب أن يتحلى الإنسان الإيجابي بضبط النفس وهو يتعامل مع عقول وأفكار مختلفة وقلوب غير مؤتلفة حتى لا ينزلق في بئر سحيقة من الإسفاف ولا يرتع في مراتع الهمل فكن إيجابياً بحكمة الكلمة وقوة الهمة لتأصيل الفضائل وغرس القيم الإنسانية النبيلة.

—————

نقلاً من الشرق 

-- رمضان زيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*