الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إنجاز جديد للشرطة الهندية ضد فلول الإرهاب

إنجاز جديد للشرطة الهندية ضد فلول الإرهاب

حققت الشرطة الهندية أخيرا إنجازا جديدا في عملياتها المستمرة ضد فلول الإرهاب والإرهابيين بإلقائها القبض في الثامن عشر من آب (أغسطس) الماضي على رمز من رموز الإرهاب هو سيد عبد الكريم توندا الملقب بـ ”حكيم آغا”. 

فهذا السبعيني ذو اللحية الطويلة المحناة والنظارات الطبية السميكة الحريص على ارتداء الثوب العربي لم يمنعه بلوغه من العمر عتيا، وما شاهده من شلالات الدماء وسقوط الضحايا الأبرياء، وما تعرض له شخصيا من فقدان يده اليسرى أثناء صناعة قنبلة يدوية في عام 1993 من الإصرار على تدمير بلده الأم وسفك دماء مواطنيه والتعاون مع أعداء أمته الهندية من أجل أهداف طوباوية، شأنه في ذلك شأن كل الإرهابيين المتطرفين.

صحيح أن القبض على الرجل قد لا يعني اجتثاث الإرهاب في الهند كليا لأن الكثيرين من أتباعه والمؤمنين بأفكاره الخرقاء لا يزالون خارج قبضة العدالة وعلى رأسهم المدعو داوود إبراهيم المختفي عن الأنظار منذ عملية مومباي الدموية في عام 1993 التي راح ضحيتها 250 بريئا خلال يوم واحد، ناهيك عن تخطيطه لأكثر من 40 عملية إرهابية أخرى وقعت في الأراضي الهندية منذ ذلك التاريخ واستهدفت المصارف ومقار الشرطة وهياكل الدولة. 

لكن الصحيح أيضا أن القبض على توندا يشكل ضربة قوية لأتباعه على اعتبار أنه الشخصية الإرهابية المحورية التي ظلت قوات الأمن الهندية تبحث عنها على مدى السنوات الـ 20 الماضية دون جدوى إلى أن اعتقلته أخيرا في منطقة حدودية نائية ما بين الهند ونيبال.

هكذا كان توندا يرتكب جرائمه في التحريض والتآمر والتخطيط للعمليات الإرهابية وتدريب أتباعه على التفجير والقتل وضرب المنشآت ثم يتركهم لمصيرهم الأسود مبتعدا، تارة بالانتقال إلى باكستان، وتارة أخرى بالانتقال إلى بنجلادش، وتارة ثالثة بعبور الحدود إلى نيبال.

ومن يقرأ سيرة وأنشطة هذا الرجل، الذي يعد الزعيم المفترض الأعلى لجماعة ”لاشكر طيبة” الإرهابية المتمركزة في باكستان، يكتشف ذلك بجلاء. فالرجل المولود في عام 1943 في دلهي لعائلة هندية متوسطة الحال، والذي امتهن النجارة في بداية حياته، وتزوج من ثلاث سيدات كانت إحداهن في سن الـ 18، فيما كان هو قد تجاوز الـ 65، انتقل في سنوات مراهقته إلى ”بيلخوا” بالقرب من بلدة ”غازي أباد” في ولاية ”أوتار براديش” الشمالية، ثم انتقل إلى مومباي حيث أسس نشاطا تجاريا صغيرا. 

وقتها لم يكن توندا مكترثا كثيرا للأمور السياسية، لكنه مع مرور الوقت تأثر بأفكار ”جماعة أهل الحديث” الأصولية، وصار مقربا من شخصيات متطرفة دينيا من أمثال محمد عزام غوري الذي قدم من حيدر أباد وتولى نشر الأفكار الجهادية العنيفة قبل أن يلقى حتفه في صدام مع قوات الشرطة الهندية، وجليس أنصاري الابن المتطرف لأحد عمال صناعة النسيج الهندية الذي كان ملازما ومقربا لمحمد عزام غوري.

في أعقاب حادثة هدم المسجد البابري في عام 1992 على يد بعض المتطرفين الهندوس، قرر الثلاثة تشكيل خلية متطرفة بهدف الانتقام لمسلمي الهند، وقامت الخلية بأكثر من 43 عملية تفجير صغيرة في مومباي وحيدر أباد، إضافة إلى سبع عمليات متفرقة استهدفت قطارات الركاب، وعملية تفجير فاشلة في عام 2001 استهدفت مبنى البرلمان الاتحادي في نيودلهي، وعملية تفجيرية فاشلة أخرى لبث الرعب في نيودلهي أثناء دورة ألعاب الكومونولث التي استضافتها العاصمة الهندية في عام 2010.

وهروبا من الاعتقال والمساءلة ”خصوصا بعد اعتقال جليس أنصاري في عام 1994” انتقل توندا إلى كلكتا ومنها عبر الحدود إلى بنجلادش، حيث سهل له المتعاطفون مع ”جماعة أهل الحديث” و”لاشكر طيبة” من أمثال البنجلادشي ذكير الرحمن لقفي البقاء والتواري عن الأنظار، بل زودوه بما يساعده على نشر الإرهاب في الهند عبر تجنيد الشباب وتزويدهم بالأموال والوثائق المزورة مثلما حدث مع شاب يدعى عبد الستار ألقت الشرطة الهندية القبض عليه في عام 1998.

بعد ذلك وتحديدا في عام 1999 انتقل توندا إلى لاهور متخفيا في صورة تاجر عطور وأعشاب، حيث واصل أعماله التخريبية المماثلة لما بدأه في بنجلادش بمساعدة رجال المخابرات الباكستانية، بدليل اعتقال الشرطة الهندية لشخص يدعى محمد اشتياق، الذي تبين ارتباطه بـ ”توندا” والمخابرات الباكستانية، بل تبين أنه باكستاني الأصل، لكن توندا زوده بجواز سفر هندي مزور واختار له اسما حركيا هو ”سليم جنيد اشتياق”، وأمره بنقل وتوزيع المتفجرات على أتباعه.

من بعد لاهور عاد توندا إلى الهند في عام 2002 واختار الإقامة أولا في ولاية غوجرات لتأسيس وإرشاد جيل جديد من المتشددين الإسلاميين من أمثال عبد الله عيديد ذي الأصول اليمنية، وزاهد يوسف باتنه، ومولانا هارون، وغيرهم ممن سافروا إلى دبي للعمل، وجمع الأموال وإنشاء خلايا خارجية لمصلحة تنظيم ”لاشكر طيبة”. 

وقد اعترف أحد هؤلاء وهو ”عبدالرزاق مسعود” للشرطة الهندية في عام 2005 أنه تم تجنيده من قبل توندا وأن الأخير هو زعيمه ومرشدة، بل أضاف أن الأخير يجند الكثيرين من أقلية الروهينجا البورمية لاستهداف معابد البوذيين داخل الهند. 

في هذه الأثناء وسع توندا من روابطه الإرهابية عبر الارتباط بالإرهابي المطلوب للعدالة في الهند داود إبراهيم الذي اتهمته الولايات المتحدة في عام 2003 بالتواصل مع تنظيم القاعدة وبأنشطة تهريب وغسيل أموال عبر شبكة عابرة لدول جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا.

وأخيرا فإن اعتقال توندا، الذي منحته إسلام أباد جواز سفر باكستانيا، ورفضت تسليمه للهند مرارا وتكرارا ضمن الأشخاص العشرين الذين طالبت بهم نيودلهي بعد حادثة مومباي الدموية، تأتي أهميته من تضافر جهود ثلاث دول إقليمية مكافحة للتطرف والإرهاب. فالإنجاز الهندي الأخير لم يكن ليحدث لولا مساعدة استخباراتية قدمتها السعودية والإمارات لأجهزة الرصد والمتابعة والملاحقة في الاستخبارات الهندية وفقا لأحد التقارير. 

وإن صح هذا التقرير فإنه يدل على وجود تنسيق أمني عالي المستوى بين البلدان الثلاثة هدفه إفشال المخططات الإرهابية وتجفيف منابع الإرهاب وتقديم المجرمين إلى العدالة لينالوا ما يستحقونه من قصاص جزاء لما اقترفته أياديهم وعقولهم المريضة.

—————

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد الله المدني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*