الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

فوائد حسن الخلق

للمجتمعات نماء كنماء النباتات، وسعادة كسعادة البشر، فيفيدها ويعلي من قدرها كل أمرٍ حسن، ويؤثر فيها كل جهد رديء: فالأول: ينفعها، والثاني يضرّ بها. ذلك أن حسن الخلق، له مكانة عالية،في نماء المجتمعات وسعادتها، لأنه يدعو إلى التآلف والمحبة،ويحث على الأعمال الفاضلة، التي هي جزء من تعاليم الإسلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما جاء ليتمم الأخلاق، التي هي جزء من تعاليم الإسلام، فهو يشد القلوب، ويأسر النفوس ثم يربطها بوشائج المودة والمحبة، ويباعدها عن المؤثرات، يما يدعو إليه من التسامح. 

وحسن الخلق يتباين مع الحسد، الذي يهدم بنيان المجتمع، ويقوض عمده، حيث بتأثيراته التي تقضي على أواصر المحبة، وتهدّ ما توطد من تآلف. 

وما ذلك إلا أن الحسد مبني على الكراهية والحقد على الآخرين، لأنه مبني على حب إزالة النعمة عن الآخرين، ودعائمه التي يرتكز عليها، إشاعة الكراهية والبغضاء في المجتمع، يقول الشاعر: 

اصبر على مضض الحسود** فإنّ صبرك قاتله

كالنار تأكل بعضها**إن لم تجد ما تأكله

ولأهمية حسن الخلق في قوام المجتمعات، وتمكين روابط المحبة بين الأفراد، الذين بهم يكمل بناء المجتمع على أسس سليمة، جاء حث الإسلام عليه، وتأكيده في تسيير الأمور كلها، لأن عليه المدار، في تنظيم الحياة، وتآلف المجتمعات، وقد مدح الله سبحانه، صفوة الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بكمال حسن الخلق {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم (4)، وقالت عنه زوجته عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن. 

وعندما سأله أبو بكر رضي الله عنه، بقوله: من أدبك يا رسول الله- أي علمك- قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي. 

وقد حرص عليه الصلاة والسلام على تأديب أمته وتعليمهم، ولنا في الرعيل الأول قدوة حسنة في تلاميذ مدرسة النبوة، ولذا فإن ما سوف أستعرضه هنا، إنما هو بعض من مكانة حسن الخلق، وأثره الاجتماعي، مع المحاولة والاهتمام بإيراد أمثلة محسوسة، في تأثير هذه الخصلة، بالدعوة لى دين الله، حيث يدفع إلى حسن التعامل، وتمكين العلاقة، والتسامح، ومخاطبة العقول بما هو محبب إليها، وغير هذا مما يحتمه حسن الخلق، الذي يرتبط بالرفق والملاينة، والتبسط مع المخاطبين، بالكلام اللين، لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه. 

وهذا يعطي إيجابية وقبولاً، ترتاح إليه النفوس، وتتجاذب معه الأحاسيس، لأن الأرواح جنود مجندة). 

(جزء من حديث رواه البخاري) تتعاطف بالرفق والإحسان، وتستأنس بمن يقدم لها معروفاً، ولو بكلمة طيبة، ومعاملة لبقة، وهذا من فوائد حسن الخلق. 

وعصرنا الذي نعيش فيه، لا يقتنع المخاطب، إلا بما هو محسوس النتيجة، فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم، ولكن يسعه منكم بسط الوجه وحسن الخلق) وهذه قاعدة في العلاقات الاجتماعية، قبل أن تتحدث عنها الأنظمة الإدارية، أو نظريات علم الاجتماع، لأن المرغوب في كل مجتمع الوضوح، وما يتركه حسن الخلق والتعامل، من تأثيرات محسوسة نتائجه وفوائد عديدة. 

ورغم أن حسن الخلق، وتأثيراته يحتاج لدراسة تحليلية مقرونة بالنتائج، كما أن الدعوة إليه، تختلف عن نظريات علم النفس، واهتمامات علم الاجتماع، لأن مطلبه غير مطلبهما، إلا أنه بمنظور الإسلام ونتائجه، والدعوة إليه، له منبع يستقى منه الأثر الحسن والقبول لدى الآخرين، لأن الذي يوجه إليه كتاب الله وسنة رسوله الكريم، أما علما النفس والاجتماع، فنتائجهما من علماء مادّيين لا يؤمنون بالإسلام، ولا بتعاليمه، وما كان من مصدر إسلامي، فهو المريح الذي يثمر النتائج الطيبة، إذ يبين فضله بالعائد على الراحة النفسية، والنتائج الاجتماعية؛ حسب الفوائد العديدة. 

والتحلي بحسن الخلق لا يستطيع تأدية المكانة المرجوة، إلا بخصلتين: حصيلة شرعية إسلامية جيدة، ليستظهر بها الدارس النصوص، ويدرك من ورائها التأثير النفسي والاجتماعي في المخاطب ومدى التأثير، وحصيلة علمية حديثة، تمكنه، من استنباط جوانب علمي النفس والاجتماع، في المخاطبة وإدراك النواحي الإيجابية والمؤثرة، في النظريات التي لا تنافي العلوم الشرعية، وهو عرف تقود إليه الثقافة الشرعية، لأن أساسيات هذه الثقافة، مما اهتم بها أسلافنا العرب، في الرعيل الأول الذين خالطوا الأمم، وأثروا فيهم، بأعمالهم وأخلاقهم، ومقارنة ذلك بفوائد حسن الخلق ونظرته للأمور حسب المقارنة. 

تلك المثالية التي جذبت كثيراً من أبناء الأمم في شرق وجنوب آسيا، وغيرها من ديار لم تطأها جيوش الإسلام الغازية، لكنها أثرت فيهم بمثالية الأخلاق، وحسن التعامل، والصدق والوفاء، من رجالات الإسلام الذين تعاملوا معهم، فكانوا خير رسل ودعاة لدين انجذبوا إليه، عن محبة ورغبة أكيدة، لدين هذه معاملة وصدق أبنائه. 

فالمسلمون الذين رّبتهم تعاليم الإسلام، وحرصوا عليها التزاماً وعملاً، اهتموا بها تأسياً برسول الله وتخرجوا من مدرسته الربانية، وعضوا عليها بالنواجذ، في مثل هذا النص الكريم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }(الحجر آية 7). 

والنصوص التأديبية التعليمية كثيرة، في القرآن والسنة، أخذوها تعلّماً، وتخلّقوا بها سلوكاً وأدباً، وأخذها عنهم الآخرون طباعاً مستحسنة. فهذا الأشعث بن قيس يوصي بنيه بأمورهي من خصال حسن الخلق، الذي ربّاهم الإسلام بتعاليمه عليها، إذ يقول لهم، حتى تعطي نصائحه لهم أثراً، يتوارثونه جيلاً بعد جيل: يا بني ذلّوا في أعراضكم، وانخدعوا في أموالكم، ولتخفّ بطونكم من أموال الناس، وظهوركم من دمائهم، فإن لكل امرئ تبعة منكم، وإياكم وما يُعتذرُ منه ويستحيى، فإنما يُعتذَرُ من ذنب، ويُستحيى من قبيح، وأصلحوا أموالكم عند جفوة السلطان، وتغيّر الزّمان، وكفوّا عن حاجة أو مسألة، فإنه كفى بالردّ منعاً، وأجملوا في الطلب، حتى يوافق قدراً، فوائد من حسن الخلق. فهذه الأمور التي يريدها الأشعث لبنيه، هي خصال من النماذج العملية، المستمدة أسسها من قاعدة الإسلام المكينة، في تكوين الشخصية، وكل نموذج يلمسه الناس واقعياً ومشاهداً، فما هو إلا ثمرة عاجلة لحسن الخلق، ونتيجة من نتائجه في الدعوة لحسن الخلق، والترغيب في دين الله الحق، الذي يطبع بتعاليمه السمحة، أتباعه بالخصال الحميدة، بعد أن بدّلهم من حال إلى حال، وزجر نفوسهم عن التمادي في مقابلة الإساءة بالإساءة. 

قيل لسفيان بن عيينة: قد استنبطت من القرآن كل شيء، فأين المروءة فيه؟ قال في قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} سورة الأعراف(199) ففيه المروءة وحسن الخلق وأحسن الآداب، ومكارم الأخلاق، فجمع في قوله{خُذِ الْعَفْوَ} صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. 

ودخل في قوله تعالى:{ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغضّ الأبصار، والاستعداد لدار القرار، ودخل في قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحض على التخلق بالحلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساوات الجهلة والأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة. 

والعلماء في التمثل برسول الله في الأخلاق والمداخل إلى هذا المنهج، يتأسون بالمعلم الأول، رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السماحة والتأدب بأحسن مكارم الأخلاق، فهذا الإمام أبوحنيفة رحمه الله، يأخذ من هذه الآية الكريمة التي تأدب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرته الدعوية يقول سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهم} سورة آل عمران(159) نوعاً من الأدب الرفيع في حسن الخلق: 

فقد جاوره يهودي، وكما هي عادة اليهود، ومن يشابههم من أصحاب المِلَلْ، يتعمّدون إيذاء المسلمين بأي أسلوب الإيذاء، وطوال خمس عشرة سنة، وهذا اليهودي يؤذي أبا حنيفة – وبعضهم ينسبها “للتسترى العابد”، وذلك بتسليط رائحة الكنيف على جاره. 

وقد مرض الإمام، فجاء ذلك اليهودي، ليزوره من ضمن الزوار، ولم يقل له الإمام، ولا أحد من تلاميذه، شيئاً عن هذه الرائحة، ولكي يمكّن الأمر، لئلا يكون الشيخ لم يدرأ ولم يحس بالأمر، وضع اليهودي يده على أنفه، متأفّفاً وقائلاً: منذ متى وهذه الرائحة عندكم؟. فقال الشيخ في جوابه التقريري منذ جاورتنا. 

فأسقط في يده، وقال متناسياً فعلته: ولم تخبرني؟ قال: لا لأن ديننا يأمرنا بحسن الجوار، وعدم إزعاجه والصبر.. فلم يسع ذلك إلا أن أسلم في الحال، وقال: دين هذه أخلاق علمائه، ثم نطق بالشهادة. 

وهذا من توظيف حسن الخلق بالصبر والمثالية في الدعوة لدين الله، وما انتشر الإسلام في ديار كثيرة، إلا بمثل هذه النماذج، ونسيان الذّات، والأمثلة كثيرة. 

mshuwaier@hotmail.com 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.محمد بن سعد الشويعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*