الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تركيا بحاجة لإعادة النظر في سياساتها الإقليمية

تركيا بحاجة لإعادة النظر في سياساتها الإقليمية

تلعب تركيا، القوة الإقليمية صاحبة التاريخ العظيم والحضارة الخالدة، دورا محوريا في استقرار وأمن الشرق الأوسط ووسط آسيا. في العقد الماضي، دفع حزب العدالة والتنمية الحاكم تحت قيادة رئيس الوزراء التركي أردوغان الدولة نحو الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي والسياسي. وإبان هذه الفترة، وصل معدل النمو الاقتصادي إلى نسبة 7.5 في المائة تقريبا سنويا، وهبط التضخم إلى مستويات قياسية، وزاد نصيب الفرد من الدخل من 2800 دولار في عام 2001 إلى المستويات الحالية المقدرة بنحو 10 آلاف دولار. وتشهد صناعة السياحة انتعاشا ليزيد عدد الزائرين من 12 مليونا إلى ما يزيد على 31 مليون زائر يوميا.

علاوة على ذلك، فقد تغيرت السياسات الإقليمية لتركيا بشكل هائل، لتنهي سياسة عزلة عن الشرق الأوسط تعود إلى قرن مضى. غير أن حكومة أردوغان طرحت «سياسة تصفير المشكلات» مع دول جوارها لتحقيق السلام على المستويين المحلي والإقليمي. وعلى الرغم من ذلك، فإن «الصحوة العربية» وضعت هذه السياسة في موضع اختبار، ومع آخر تطورات هناك دلالات على أن أنقرة قد فشلت كشريك يعتمد عليه من قبل حلفائها ودول جوارها.

لقد منحت أنقرة دعمها الكامل للثوار المعارضين للنظام في النزاع السوري، ثم جرى السماح لهم باستغلال الأراضي التركية. بل إن تركيا عرّضت علاقتها الوثيقة بواشنطن للخطر من خلال إبداء معارضتها لتصنيف الولايات المتحدة «جبهة النصرة» بوصفها جماعة إرهابية ومتعاطفة مع تنظيم القاعدة. علاوة على ذلك، فإن دعم تركيا لتنظيم القاعدة قد أثر سلبا على علاقتها بالعراق. وعلى وجه التحديد، نظرا لأن تنظيم القاعدة يقف وراء أحداث العنف والإرهاب الرئيسة بمختلف أنحاء المنطقة، خاصة في العراق وسوريا وأفغانستان، فإنها تعد أكبر تهديد أمني قوي لاستقرار كل من العراق وسوريا وأمنهما.

لقد ظهرت قضية الأكراد، المعضلة الأمنية التقليدية بالنسبة لكل من العراق وتركيا، على السطح مجددا. ومع تدهور العلاقات العراقية – التركية وطدت أنقرة علاقات أقوى بالأكراد العراقيين في بغداد. 

كان الأتراك والعراقيون يتعاونون من قبل في قضية الأكراد، لكن التغير في موقف أنقرة سوف يزيد من حدة التوترات بين البلدين مع زيادة عدم الاستقرار على مستويات عديدة. وتنظر كل من بغداد ودمشق إلى دور تركيا في الصراع السوري وتوطيد صلات أقوى بالأكراد العراقيين بكون ذلك إشارات دالة على التدخل في شؤونهما الداخلية، لن تؤدي إلا للمزيد من عدم الثقة والعداء.

من ناحية أخرى، تدهورت علاقات تركيا بمصر بشكل غير مسبوق منذ أن أطاح الجيش المصري حكومة مرسي، الذي كان يحظى بدعم قوي من أنقرة وجماعة الإخوان المسلمين. 

جاءت إشارة ملموسة على هذا ممثلة في إلغاء تدريبات بحرية كان من المزمع إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، واستدعاء كلتا الدولتين سفيرها. وأدان رئيس الوزراء أردوغان ما سماه «مذبحة» للمتظاهرين «السلميين» في مصر، ووصف استيلاء الجيش على السلطة بأنه «انقلاب»، وهو وصف يثير حفيظة الحكومة الانتقالية في القاهرة. 

وقد أدت تلك التعليقات إلى قيام مصر باستدعاء سفيرها احتجاجا على «التدخل الواضح» من جانب تركيا في شؤون مصر الداخلية.

علاوة على ذلك، فإن موقف تركيا بشأن سوريا قد تسبب في توتر علاقاتها المحورية بإيران. لقد زاد حجم التجارة الثنائية بين تركيا وإيران بشكل هائل من مليار دولار في عام 2001 إلى 16 مليار دولار في عام 2011. ويذكر أن العلاقات الوثيقة بإيران كانت قد مكنت تركيا مسبقا من لعب دور بارز في إيجاد حل للملف النووي الإيراني محل النزاع مع الغرب. 

وكان أردوغان ولولا دا سيلفا قادرين على ضمان توقيع إيران على الاتفاق النووي الثلاثي لإنهاء الأزمة النووية. 

ومع ذلك، فإن النزاع السوري قد أبرز تناقض موقفي الحكومتين، والذي فيه دعمت تركيا الثوار بشكل كامل لإحداث تغيير في النظام في سوريا، وكثفت إيران جهودها لدعم حكومة الأسد. لقد جدد النزاع السوري المنافسة الإقليمية بين إيران وتركيا، التي لها تاريخ يعود إلى عقود منذ أيام الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية.

شهدت العلاقات التركية توترا مع بعض الدول الخليجية عقب رفض الأخيرة دعم الرئيس المصري محمد مرسي. ربما تكون تركيا والسعودية متفقتين في ما يتعلق بشأن الوضع في سوريا من ضرورة تغيير النظام، لكنهما تختلفان بشكل واضح بشأن الوضع في مصر.

كان اتهام أردوغان لإسرائيل بتنظيم الانقلاب في القاهرة، منوها بفيديو لوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني والفيلسوف الفرنسي بيرنار هنري ليفي ناقشا فيه الربيع العربي، قد دفع البيت الأبيض إلى المسارعة بانتقاد تصريحات أردوغان. 

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست في بيان مقتضب إلى الصحافيين «نحن ندين بشدة التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء التركي اليوم، وإن الإشارة إلى مسؤولية إسرائيل عن الأحداث التي وقعت في مصر غير مقبولة ولا أساس لها وخاطئة».

كما رد وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان على ذلك بأن كل من يسمع تصريحات أردوغان المثيرة للكراهية والتحريضية يدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يسير على نهج غوبلز وزير إعلام هتلر. في الوقت ذاته، وصف المتحدث باسم الحكومة المصرية أردوغان بالعميل الغربي.

لقد فشلت سياسة «الصراع الصفري» التركية مع جيرانها، ووضعت أنقرة على شفير الصراع الكامل مع المنطقة، فتدهورت العلاقات التركية مع إيران وروسيا والسودان وسوريا وإسرائيل ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والسلطة الفلسطينية وأرمينيا وقبرص وحزب الله ولبنان. علاوة على ذلك، قوضت سياسات تركيا تجاه اليونان وقبرص وأرمينيا وإسرائيل من علاقاتها مع الغرب. من ناحية أخرى، قوبلت مبادرة تفادي حرب جديدة في الشرق الأوسط، التي رحب فيها الرئيس باراك أوباما بالاتفاق الذي تم التوصل إليه مع روسيا بشأن الأسلحة الكيماوية السورية، بشكوك تركية. 

وأبرزت تلك الخطوة إلى أي مدى انحرفت تركيا عن لعب دور بناء في إدارة الأزمات الإقليمية من خلال الوسائل السلمية.

إن الشرق الأوسط يجلس على صفيح ساخن، ولعب دور تركي في البناء أمر بالغ الأهمية، ومن ثم ينبغي على أنقرة أن تعيد إحياء «سياسة تصفير المشكلات» مع جيرانها، ولتحقيق هذا الهدف الملح ينبغي على أنقرة أن تضع في حسبانها الآتي:

1) ألا تلقي بثقلها خلف جماعة الإخوان المسلمين بناء على افتراض خاطئ بأن مستقبل المنطقة يقع على عاتق هذا الطرف.

2) ينبغي ألا تدفع الصحوة العربية تركيا إلى التخلي عن سياستها بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

3) الحفاظ على الموقف الحيادي، كي تتمكن أنقرة من لعب دور موثوق في إدارة الأزمة الإقليمية.

4) تحديد مسار سياستها الخارجية، فالسياسة الخارجية الإيرانية في أعقاب ثورة 1979 كانت تقوم على المصالح القومية والآيديولوجية، لكن تركيا كدولة علمانية تتصرف من الناحية العملية بناء على آيديولوجية أكثر منها على سياسة خارجية.

5) ألا يكون لديها طموح لإحياء الماضي العثماني، لأن هذا من شأنه أن تكون له عواقب وخيمة على تركيا والمنطقة. فقد جعلت سياسات تركيا في الآونة الأخيرة بعض البلدان تعتقد أن أنقرة تسعى إلى إحياء الهيمنة العثمانية السابقة على المنطقة، معتبرة أن «سياسة تصفير المشكلات» ليست سوى غطاء للطموحات «العثمانية الجديدة» في أنقرة.

6) ألا تنسى التحديات الداخلية. 

فقد تعرضت مصداقية تركيا في المنطقة والعالم هذا الصيف إلى عدة انتكاسات نتيجة لقرار أردوغان بفض المظاهرات باستخدام شرطة مكافحة الشغب والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، مما أدى إلى اعتقال وإصابة المئات من المتظاهرين في نحو 50 مدينة.

7) محاولة للتعاون مع القوى الإقليمية، لا سيما إيران والسعودية والعراق ومصر لإدارة الأزمة الناشئة عن الصحوة العربية. 

لكن هذه السياسة ينبغي أن تقوم على عدم التدخل والاحترام المتبادل والتسوية السلمية.

*************

* الرئيس الأسبق للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمن القومي الإيراني ومؤلف كتاب «الأزمة النووية الإيرانية» الذي نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي عام 2012

—————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- سيد حسين موسويان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*