الإثنين , 5 ديسمبر 2016

معلمة الأولاد

تعد الخبرة البشرية أحد المصادر الرئيسة للكثير من الممارسات الحياتية التي ألفها الناس، مما جعلها في حكم المسلمات التي لا تحتاج في الغالب إلى من يتثبت من مدى صحتها، وصدق نتائجها، حيث إن المتواتر من تلك الممارسات قد أثبت صواب الممارسة، وأيد صحتها، وذلك على اختلاف الأزمنة والأمكنة، فمظنة القول: إن المرأة بصفة عامة بما حباها الله من سمات فطرية هي الأقدر على تربية الأطفال والتعامل معهم، وخاصة في المراحل العمرية الأولى للطفل، تعد مقولة صائبة صحيحة، حيث تتطلب التربية في هذه المرحلة العمرية الكثير من الصبر والأناة وسعة الصدر والمثابرة، وحسن التعامل والعطف، ولهذا لم يخطئ المشرعون عندما قرروا إسناد تدريس الأولاد في الصفوف الدراسية الأولية إلى المرأة، وهو قرار فيه الكثير من المسوغات التي تجعل كل من يسمع به يتفق معه ويؤيده، بل يعده الخيار الأصواب من بين القرارات التربوية لهذه المرحلة العمرية التي تعد الأهم في حياة الإنسان. 

بدأ في التطبيق منذ الإقرار، وكأي جهد بشري حتما لن يكون الطريق سهلاً سالكاً، لأن متطلبات التطبيق سوف تواجه بأوجه نقص، فالكمال لله سبحانه وتعالى، لكن ومن أجل تجاوز المعوقات والعقبات التي يعد حصولها من نافلة القول لا بد من جهد للمتابعة والتقويم، وهو إجراء ضروري بل واجب، لمن يرغب أن يصل بقراراته وتوجهاته إلى ما هو أفضل وأحسن، هذا من بدهيات التنظيم والتخطيط، بل ومن أولوياته التي تعد في حكم الثابت الذي لايمكن أن ينجز أي عمل ويؤتي ثماره المتوقعة ما لم يسر وفق عمليات التخطيط وخطواته ومراحله. 

المعضلة التي ما زالت ملازمة لكثير من الأفكار والتوجهات التطويرية أنه بمجرد ما يتم طرحها على الطاولة والاقتناع بها، يسار إلى الدفع بها في تعميم إلى الميدان التربوي ثم يترك مصيرها ويعلق بحماسة من يوكل إليهم أمر التنفيذ وقناعاتهم بذلك، الحماسة والقناعة وحدهما لا تكفيان، صحيح أنهما من لوازم الإنجاز، لكن ما لم يؤخذ في الحسبان كل متطلبات التنفيذ المعرفية والإدارية والتنظيمية والمالية فإن النتائج المترتبة على أي جهد يبذل لن تصل أبدا إلى الغايات المنشودة، وهذا ما يبدو واضحا للعيان في جل القطاعات حيث يعلن عن اعتماد مشروعات لكن جلها لا يرى النور بسبب غيبة عمليات المتابعة والتقويم أثناء إجراءات التنفيذ. 

من الشواهد الحية المؤيدة لهذا والدالة على صحته، الفكرة التربوية الرائدة التي طرحها المفكر التربوي المبدع، والشيخ الجليل سعد الحصين، حيث طرح فكرة التعليم غير المدرج nongraded school أو تفريد التعليم، هذه الفكرة التربوية الرائدة تقوم على أساس المرونة الزمنية في انتقال الطالب في سلمه التعليمي، والتعامل معه في الفصل باعتباره حالة خاصة لا علاقة له في تحصيله الدراسي بزملائه، طرحت الفكرة في أوائل العشر الأواخر من القرن الهجري الماضي، طبقت الفكرة في إحدى المدارس بالرياض رعاها مدير المدرسة بحماسة ذاتية، نسيت الوزارة وإدارة التعليم الفكرة، وبقيت تراوح مكانها، حتى نفض عنها الغبار معالي الوزير محمد الرشيد، شكل لها لجنة من خيرة الخبراء التربويين برئاسة مدير التعليم، عقدت اللجنة أكثر من ثلاثين اجتماعاً رسمت خلالها معالم النهوض بهذه الفكرة ورعايتها، وبعد أن تغيرت القيادة في الوزارة وإدارة التعليم عادة الفكرة إلى غياهب النسيان إلى الآن. 

أعود إلى معلمة الأولاد، الفكرة نظرياً صائبة، لكنها عملياً تعاني من الكثير من المعوقات، جلها نابعة من المعلمة نفسها، يذكر أحد أولياء أمور الطلاب الذين ألحق ابنه في الفصل الذي تدرسه معلمة أن ابنه جاءه منزعجاً خائفاً من المعلمة بسبب كثرة تضجرها من الطلاب، وأنها تردد كثيراً (متى أتخلص من هذا الكابوس؟)، سأل الطفل والده ما معنى (الكابوس)؟ وهل هو شيء مخيف؟ يقول ولي أمر الطالب أن هذه الروح انعكست على أداء المعلمة في الفصل حيث تبين له ضعف ابنه الشديد في كثير من المهارات التي يفترض أن يتقنها. 

فهل تتلطف الوزارة بوقفة تقويمية لتأنيث تدريس الأولاد في الصفوف الأولية؟ 

 

abalmoaili@gmail.com 

——————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الله المعيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*