الخميس , 8 ديسمبر 2016

المواطنة الصالحة

قال تعالى: ”ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم” الآية، وقال تعالى في هجرة الرسول – عليه الصلاة والسلام: ”إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين” الآية، وقال المصطفى – عليه الصلاة والسلام – عندما بدا خروجه مرغم من مكة للمدينة: ”أما والله، لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت”، آيات وأحاديث تظهر أهمية الانتماء للأرض والوطن فعندما يربط الله – سبحانه وتعالى – قتل النفس بالإخراج من الديار ونصر الله سبحانه وتعالى لرسوله – عليه الصلاة والسلام – بعدما أخرجه قومه من مكة المكرمة التي قال عنها – عليه الصلاة والسلام: ”ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت”.

هذا الانتماء الوطني مع ما فيه من ألم الإخراج يبرز المحبة للمكان والأهل، فكيف عندما يعيش الواحد منا اليوم في وطنه وأهله ينعم بكل راحة وأمن وأمان ويعمل من أجل مستقبل أفضل له ولنفسه وأسرته الصغيرة والكبيرة، هذه النعمة التي قد لا يستوعبها بعضنا بحسن نية أو سوء ظن أو حالة من حالات الكره لأسباب نفسية أو اجتماعية لم تعد خافية على أكثرنا، هذا الوطن الذي نعيش اليوم في خيره وتنميته بينما نرى كيف أن مجتمعنا من حولنا يعيش حالة من الفوضى والخوف والقتل والاغتصاب والانفلات الأمني، هذا وغيرها كثير يجعل العاقل منا يعيد النظر والحساب في كل ما يجب أن يقدمه لوطنه حتى يحقق استمرار التنمية والأمن والاستقرار له وللأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد، خصوصاً عندما نذكر الجهود العظيمة التي بذلها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، والعديد من رجاله المخلصين – رحمهم الله جميعا – في توحيد المملكة العربية السعودية في سابقة يذكرها المؤرخون بكل الفخر والاعتزاز لهذه الوحدة التي أحسن الملك عبد العزيز – رحمه الله – في اختيار منهج هذه الدولة الفتية القائم على كتاب الله وسنة رسول الله، وأن كل مواطن سعودي هو مسلم، وأن علم المملكة العربية السعودية يحمل ”لا إله إلا الله محمد رسول الله” المؤكد لتوحيد الله سبحانه وتعالى، هذا العلم الذي لا ينحني لأي حدث مهما كبر أو صغر، كما هو إنسان المملكة الذي لا يركع أو يسجد لغير الله.

إن رسائل توحيد المملكة العربية السعودية وحرص قيادته عبر الزمن على تطوير ودعم الارتقاء بإنسانه ومكانه، وجعله في مصاف الدول المتقدمة دون الانسلاخ من دينه الإسلامي أو عاداته العربية الأصيلة، مع حرصه على الاستفادة من كل معطيات العصر ومتطلبات المستقبل، مؤكدين في ذلك على قول المصطفى – عليه الصلاة والسلام: ”إن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان”، من كل ذلك وغيره كثير يأتي اليوم الوطني كوقفة صادقة لكل مواطن ومواطنة رجالاً ونساء، شباباً وشيباً، لمراجعة كل واحد منا ماذا قدم لوطنه، هذا العطاء الوطني الضامن لتحقيق حلم وأمل وطموح الآباء والأجداد في جعل هذا الوطن النموذج العربي الإسلامي العالمي الأمثل، إن عطاء كل واحد منا مهما قل، هو عطاء خير ونماء.

ولهذا يجب ألا يقلل أي منا من عطائه ومن موقع عطائه، لأننا ووطننا مثل الجسد الواحد لقول المصطفى – عليه الصلاة والسلام: ”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” هذا التلاحم يجعل مسؤوليتنا جميعاً عظيمة في حق وطننا بالعمل الجاد الصالح، والصلاح هنا يبرز في حسن السلوك والتعامل الحضاري في مثل هذا اليوم وغيره من أيام العام، لأن المظاهر الفوضوية التي يحاول البعض أن يمارسها باسم اليوم الوطني هي إساءة للوطن وكل مواطن ومواطنة، ويعطي النموذج الأسوأ عن مفهوم الاحتفال والاحتفاء باليوم الوطني، ولعل الجميع يعلم اليوم أن كل ما يحدث في شوارعنا ومياديننا تحت مراقبة العالم أجمع، وأي سلوك سيئ سيسيء للجميع المواطن والدين والوطن، وأنا كلي ثقة ليس هناك شاب أو شابة في مثل هذا اليوم يتمنى أن يكون نقطة ضعف في حق هذا الوطن الغالي.

دعوني أعود وأذكر أن الهدف من إظهار اليوم وجعله يوم إجازة، هو لتذكير الجميع بعظمة هذا الحدث، وما حققه من توحيد لهذا الوطن الغالي، وما نعيش فيه من نعمة الأمن والتنمية، وما يجب علينا من تطوير وتنمية في حقه حتى نسلمه للأجيال القادمة وهو أفضل مما استلمناه.

وفّق الله الجهود التي تعمل من أجل وطن سعودي الانتماء وعربي اللسان، إسلامي المعتقد وعالمي الطموح.

وقفة تأمل:

يا أيها الملك الميمون طائره***اسمع هديت مقال الناصح الحدب

اجعل مشيرك في أمر تحاوله***مهذب الرأي ذا علم وذا أدب

وقدم الشرع ثم السيف إنهما***قوام ذا الخلق في بدء وفي عقب

هما الدواء لأقوام إذا صعرت***خدودهم واستحقوا صولة الغضب

واستعمل العفو عمن لا نصير له***إلا الإله فذاك العز فاحتسب

وأكرم العلماء العاملين وكن***بهم رحيما تجده خير منقلب

واحذر أناساً أصاروا العلم مدرجة***لما يرجون من جاه ومن نشب

————————

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد العزيز بن عبد الله الخضيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*