الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مرجعية القرآن والسنة.. حمت “السلفيين” من التطرف والضلال

مرجعية القرآن والسنة.. حمت “السلفيين” من التطرف والضلال

أكَّد معالي الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى أن منهج السلف هو منهج أصحاب القرون المفضلة الأولى وهو المنهج الصحيح للسلفية، فالسلفية هي اتباع لسنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه لما ذكر من مقومات فهم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولما ذكر من تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وقال معاليه إن كل ادعاء للسلفية يخالف ما عليه الصحابة هو ادعاء باطل، وشدد على أن الانتساب للسلفية لا ينبغي أن يكون باباً لنزاعات وصدامات مع أحد، ولا ينبغي أن ترفع باسمه الشعارات، أو توقد الخلافات، حيث إن السلفية تبقى منهجاً واضحاً لمن أراد اتباع السلف وليست حزبية ولا طائفية تفرق الأمة وتنخر في وحدتها، جاء ذلك في الدراسة العلمية القيمة التي شارك بها معالي رئيس مجلس القضاء الأعلى في ندوة السلفية بمهرجان الجنادرية الخامس والعشرين.
وتبدو أهمية الدراسة مع ازدياد الاهتمام بموضوع (السلفية) من قبل المعاصرين، وكثرة المدّعين للانتساب إلى السلفية في هذا العصر مع اختلاف في الطرق والمناهج مما يحتاج معه الأمر إلى مزيد من التعمق في بيان المفهوم..
فما هي السلفية؟ وما تاريخها؟ وما المقومات المنهجية للسلفية؟ وهل يجوز أن يقول المسلم أنا سلفي؟ وكيف يفسّر الفكر الغربي السلفية؟ هذه الأسئلة هي مدار ما جاء في دراسة الدكتور ابن حميد.

هؤلاء هم سلف الأمة
يبيِّن الدكتور ابن حميد أن بعض أهل العلم جرى على تخصيص مصطلح (السلف) بالقرون الثلاثة الخيرية المتقدمة وهم الطبقات الثلاث: الصحابة والتابعون وأتباعهم، فهؤلاء هم سلف الأمة الإسلامية. وسبب تخصيص مصطلح السلف بالقرون الثلاثة؛ شهود رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية في قوله: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) رواه البخاري ومسلم، ففي هذا الحديث إشارة إلى هذه التسمية في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم يتخلف من بعدهم خلف)، ومن المعلوم أن الخلف يتبع السلف، فإذا سمى من بعد القرون الثلاثة خلفاً، ففيه إشارة لتسمية السابقين لهم بالسلف.
قال السفاريني: (المراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم من أئمة الإسلام العدول، ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف، دون رمي ببدعة، أو اشتهر بلقب غير مرضٍ).
مما تقدم يتبين أن المقصود بالسلف: هم السلف الصالح المدلول عليه بقوله سبحانه: {اوَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } [التوبة: 100]، ويقول صلى الله عليه وسلم: ” من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي” رواه الترمذي.
فالسلف الصالح: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة المهديون المرضيون من التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ممن عرف بالإمامة في الدين والعقل والعلم والصلاح والهدى سالماً ممن البدع والسلوك غير المرضي، والسلفية وصف لمنهج وليس لفئة خاصة ولا لمرحلة زمنية فكل من تحققت فيه الأوصاف السابقة فهو سلفي.

السلفية منهج
وليست جماعة أو حزب
ويشدد الدكتور ابن حميد على أن السلفية ليست منسوبة إلى شخص أو أشخاص، كما هي نسبة الجماعات الأخرى الموجودة في العالم، بل هذه النسبة هي نسبةٌ إلى العصمة ونسبة إلى المنهج، ذلك لأن السلف الصالح يستحيل أن يجمعوا على ضلالة، بخلاف ذلك الخلف، فالخلف لم يأتِ في الشرع ثناء عليهم، بل جاء الذم الصريح لفئات منهم، وذلك في تمام الحديث السابق حيث قال عليه السلام: (ثم يأتي من بعدهم أقوامٌ يَشهدون ولا يُستشهدون)، إلى آخر الحديث، كما أشار عليه السلام إلى ذلك في حديث آخر فيه مدحٌ لطائفةٍ من المسلمين حيث قال عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحــق، لا يضرهــم من خالفهم حتى يأتي أمـر الله) أو (حتى تقوم الساعة)، فهذا الحديث خص المدح في آخر الزمن بطائفة، والطائفة: هي الجماعة القليلة، فإنها في اللغة: تطلق على الفرد فما فوق.
فإذن إذا عرفنا هذا المعنى في السلفية وأنها تنتمي إلى جماعة السلف الصالح وأنهم العصمة فيما إذا تمسك المسلم بما كان عليه هؤلاء السلف الصالح.
والانتساب إلى السلفية بهذا المفهوم ممدوح غير مذموم، بل هو المتعيّن على كل مسلم، لأنها منسوبة للسلف الصالح.
وقد حكى الإجماع على صحة الانتساب إلى السلف: شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ في الفتاوى: في رده على قول العز بن عبدالسلام: (.. والآخر يتستر بمذهب السلف): (ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً، فإن كان موافقاً له باطناً وظاهراً، فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطناً وظاهراً، وإن كان موافقاً له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق، فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم).

من هو السلفي المعاصر؟
ويؤكِّد الدكتور ابن حميد أن السلفية ليست جماعة وليست حزباً ولا تنظيماً، بل هي منهج لفهم الإسلام، منهج لاتباع الطريق الحق، وإذا كانت كذلك فإن عبادة الله بهذا المنهج واجبة، ومن عبد الله بغير هذا المنهج ضل ضلالاً مبيناً.
أما ما يوجد في الساحة من جماعات تنتهج منهج السلف كجماعة أنصار السنّة وجمعية إحياء التراث وغيرها من الجماعات السلفية التي تلتزم بمنهج السلف الصالح ودخول بعضها في الانتخابات في بلدها فهذه لا شك أنها على منهج السلف ولكنها تعد جماعة أو حزباً حسب ما صنفت به نفسها أو ما صنف بلدها من تنظيمات وأحزاب وجماعات والمنتسب إليها فيه وصفان: أحدهما أنه سلفي من حيث التزامه بمنهج السلف، والثاني حزبي من حيث انتسابه لهذا الحزب أو هذه الجماعة.
ويشير هنا إلى أمرين مهمين:
الأول: أن من لم ينتسب إلى هذه الجماعة السلفية أو الحزب السلفي في بلده وهو ملتزم بمنهج السلف فهو سلفي وإن لم ينتظم في هذا الحزب أو الجماعة.
والثاني: أنه لا يجوز أن ينعقد ولاء أو براء باسم هذه الجماعة أو الحزب بل ليس من المتعين إليها.
وبهذا يتبين الفرق بين التجمعات السلفية وبين منهج السلف، فمنهج السلف واجب الاتباع وأما التجمعات السلفية فلا يجب الانتساب لها ولا يعني عدم انتساب الشخص لها أنه غير سلفي، ولا يكون التقرير بأن هذا سلفي وهذا غير سلفي بناءً على تلك التجمعات، بل كل من التزم نهج السلف الصالح على نحو ما تقدم فهو السلفي.

لا تقل أنا سلفي!!
ويناقش الدكتور ابن حميد مسألة إنكار السلفية في عصرنا أو في عصور سابقة واعتبار هؤلاء المنكرون السلفية ظرفاً زمانياً في التاريخ الإسلامي قضى وانتهى، وبالتالي فليس منهجاً أو مذهباً يُعتصم به، أو ينتسب إليه، يقول معاليه: هناك من ينكر وجود أي سلفية لا في عصرنا ولا في عصور سالفة، ومن هؤلاء، الدكتور محمد سعيد البوطي الذي وضع في هذا الإطار كتابه (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي)، حيث يرى أن لفظة السلفية مبتدعة في العصر الحديث، رفعتها حركة الإصلاح الديني في مصر، وجعلها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده شعاراً لحركتهما النهضوية، ثم جعلها أتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب مرادفة للوهابية، للإيحاء بأن لهم جذوراً في السابق الإسلامي.. أما مضمون السلفية ـ كما يستخلصه البوطي من فكر المنتمين إليها وسلوكهم ـ فهو: مجموعة أفكار اعتقادية، وأحكام سلوكية تم تجميعها من التراث الإسلامي الذي وضعه العلماء السابقون، ولم يجر هذا التجمع أو الانتقاء بناءً على فحص علمي، وإنما اعتماداً على أمزجة هؤلاء المنتمين.
ويرى البوطي أن السابقين في التاريخ الإسلامي من جميع الطوائف والفرق المهتدية والضالة سلف، ومن ثم فكل من أخذ بشيءٍ مما جاءت به فهو سلفي، ولأن الفكر البشري يعيش في تواصل وتراكم، فلا جرم أن كل اتجاه، بل كل فكر يظهر اليوم له حق الانتساب للسلفية أياً كان.
وهكذا ينتهي البوطي في أمر السلفية بأنه اللفظ الذي يعني الانتساب للسابق أياً كان، وفي أي مجال.
ويرد محدث العصر الإمام الألباني – رحمه الله – على من أنكر الانتساب إلى السلفية بقوله:
هناك من مدعي العلم من ينكر هذه النسبة زاعماً أن لا أصل لها! فيقول: (لا يجوز للمسلم أن يقول: أنا سلفي) وكأنه يقول: (لا يجوز أن يقول مسلم: أنا متبع للسلف الصالح فيما كانوا عليه من عقيدة وعبادة وسلوك).
لا شك أن مثل هذا الإنكار – لو كان يعنيه – يلزم منه التبرؤ من الإسلام الصحيح الذي كان عليه سلفنا الصالح، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم كما يشير الحديث المتواتر الذي في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
فلا يجوز لمسلم أن يتبرأ من الانتساب إلى السلف الصالح، بينما لو تبرأ من أية نسبة أخرى لم يمكن لأحد من أهل العلم أن ينسبه إلى كفر أو فسوق.
والذي ينكر هذه التسمية نفسه، ترى ألا ينتسب إلى مذهب من المذاهب؟! سواء أكان هذا المذهب متعلقاً بالعقيدة أو بالفقه؟ فهو إما أن يكون أشعرياً أو ماتريدياً، وإما أن يكون من أهل الحديث أو حنفياً أو شافعياً أو مالكياً أو حنبلياً؛ مما يدخل في مسمى أهل السنّة والجماعة، مع أن الذي ينتسب إلى المذهب الأشعري أو المذاهب الأربعة، فهو ينتسب إلى أشخاص غير معصومين بلا شك، وإن كان منهم العلماء الذين يصيبون، فليت شعري هلا أنكر مثل هذه الانتسابات إلى الأفراد غير المعصومين؟
وأما الذي ينتسب إلى السلف الصالح، فإنه ينتسب إلى العصمة ـ على وجه العموم ـ وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الفرقة الناجية أنها تتمسك بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه. فمن تمسك به كان يقيناً على هدى من ربه… ولا شك أن التسمية الواضحة الجلية المميزة البينة هي أن نقول: أنا مسلم على الكتاب والسنّة وعلى منهج سلفنا الصالح، وهي أن تقول باختصار: (أنا سلفي).

معالم المنهج السلفي
واختتم الدكتور صالح بن حميد دراسته العلمية ببيان أبرز المعالم التي يتبلور بها منهج السلفية بصفته قاعدة متميزة لإقامة الحياة الإسلامية فردية واجتماعية على النحو التالي ومما ذكره في هذا الإطار:
1- مرجعية القرآن والسنّة: هذا هو المعلم المنهجي الكبير الذي فارق به المنهج السلفي المناهج الأخرى عقدية وفكرية وسياسية، فالسلف يجعلون الوحي: قرآناً وسنّة صحيحة المرجع الأول الذي يستمدون منه عقديتهم، ويستنبطون منه أحكام حياتهم، معتقدين أن ما جاء به هذا المصدر من أمور قطعية حق لا ريب فيه، وأنها منزهة عن الخطأ والنقص غير متأثرين بتغيّر الزمان أو المكان، خلافاً للمصادر الأخرى عقلية أو حدسية أو كشفية.
والعصمة في هذا المنهج منفية عن كل من سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر مهما كان مقامه في العلم أو الدين.
ولكن توحيدهم لهذه المرجعية لا يعني تنكرهم للتراث الإنساني السليم النافع فضلاً عن تراث أهل الإسلام، فهم يعظمون هذا التراث، ويعولون عليه، ويعتبرون أنفسهم امتداداً تاريخياً لأصحابه، ولكن تبقى مرجعيتهم العليا هي الكتاب والسنّة.
وبالتزام هذا المعلم تختفي ظاهرة التعصب المقيت للآراء الخاصة والوجهات الذاتية والتي تسبب التفرق والتناحر بين الناس، لأن الاتفاق من الجميع على رد التنازع إلى مرجعية واحدة واضحة يُطِّهر الساحة الثقافية من تلك الأدواء، كما أن توحيدهم لهذه المرجعية لا يعني تنكرهم للعقل، كلا إن العقل مصدر من مصادر العلم في المنهج السلفي، فهو الذي تُعرف الأحكام الشرعية من خلال مسالكه المشروعة قياساً وإعمالاً للقواعد الشرعية ونحوها غير أن المنهج السلفي يجعل العقل مصدراً تالياً للوحي.
2- تعظيم التوحيد: وهو المعلم الموضوعي الكبير للمنهج السلفي ولهذا كان مدار جهودهم المتواصلة تاريخياً، وكان منطلق حركاتهم التجديدية..
بهذا التوحيد يحرر السلف أنفسهم ويسعون لتحرير الناس من العبوديات الزائفة التي خنقت حرية الإنسان، وعبدته لبشر مثله أو أقل منه: سواءً كان ذلك عن طريق كهنوتية يجعل أصحابها أنفسهم وسائل بينهم وبين الله فيتوسل بهم الناس ويعبدونهم.
أو عن طريق التحكم الطاغوتي بمصائر الناس بتسييرها وفق أهوائهم وتحقيقاً لمصالحهم الشخصية، إما بفصلها عن الله كلياً، أو بالتأله عليها في الجوانب الاجتماعية من خلال العلمنة التي تشطر الذات الإنسانية شطرين:
شطره الفردي وهذا يتركونه لمزاجه الديني أو الغني ونحوهما.
وشطره الاجتماعي الذي يفرضون عليه أن يعبدهم من خلاله بالتزام الأنظمة والقوانين التي شرعوها خارج إذن الله.
3- الدين والإيمان في المنهج السلفي: اعتقاد بالقلب وإعلام باللسان وعمل وتطبيق بالأعضاء مجتمعة مع بعضها، وهذا الإيمان يزيد وينقص. وهذا الإيمان لدى السلف أصلٌ وفرع، فإذا انحصر الأمر بإنكار وجود الله أو اعتقاد أن معه إلهاً آخر، أو التكذيب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونحوها فقد بطل الإيمان تماماً.
أما الفروع المشتملة على الأعمال، فإن نقص شيء منها لايزيل الإيمان تماماً وإن أخل به، ولهذا لا يكفِّر السلف أحداً من المسلمين بمطلق فعل المعصية، ولا يقولون بخلوده في النار حتى ولو مات دون توبة منها.
4-  الولاء في المنهج السلفي ديني، فهو ابتداء للحق وحده ومن ثم لكل من التزم الحق وعمل به، وعلى هذا المنطلق تذوب حزبيات العرق والعصبية والأقليم، ويكون الإيمان والعمل الصالح والتقوى هي معيار الولاء حباً ومظاهرة، وكلما زاد الإنسان من هذه الجوانب زاد توليه، وكلما نقص ضعف الولاء له، فإذا انسلخ منها وتحول عدواً لله ودينه انقلب ذلك الولاء براءً وبغضاً، لكن منطق هذا الولاء لا يعني إلغاء الحقوق الولائية لدى الإنسان لأقاربه ولوطنه ونحو ذلك، ولكنها تأتي تالية لولائه لدينه وخاضعة له.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: متلازم مع أصل شرعي وهو الحفاظ على الجماعة وتوقي حدوث مفاسد أعظم من المصالح المرتجاة، ولهذا اقترن هذا المعلم بالعلاقة بالأحكام، فإذا كانت بعض الفرق قد اتخذته وسيلة لنشر الفوضى في المجتمع المسلم، وسهلت من خلاله الإخلال بالأمن بالثورات المتواصلة على الحكام إذا ارتكبوا منكراً بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المنهج السلفي يقرر هنا أن وجوبه قائم، ولكنه في إطار مسالك منتجة محققة للمصالح الشرعية، وأنه لا يعني الخروج على الإمام المسلم إذا حدث منه فسوق أو اعتزاله والتنفير منه، بل المنهج السليم هو التعاون معه على الحق من تطبيق للشريعة، وجهاد في سبيل الله، والصلاة خلفه.
أما ما يمارسه من منكر فلا يجوز مشاركته فيه، بل يجب نصحه بحسب القدرة وبالوسائل القائمة على المصلحة الشرعية.
6-  ضبط العلاقة بين التوكل والأسباب: عبودية المسلم لله تعالى تتضمن مهمة أناطها الله بالإنسان وهي الخلافة في هذه الأرض، فالإنسان مستخلف فيها مسخرة له مخلوقاتها جماداً ونباتاً وحيواناً، فهو في جمعه بين العبودية لخالقه والسيادة الاستخلافية على الكون من حوله يستطيع تحقيق وجوده الإنساني الأسمى فردياً وحضارياً.
العبودية لله تعالى التي تقتضي التعويل عليه تعالى دعاءً واستعانةً وتوكلاً لا تعني إبطال السببية في حركة الكون والحياة الإنسانية.
فلهذا الوجود أسباب يجري الله حركته على أساسها، فلا هي مستقلة بنفسها كما يزعم الماديون، ولا هي منكرة كما يتصور من يجعل القول بها شركاً بالله.
فالمؤمن يتعامل مع الأسباب، فيعالج المرض، ويطلب الرزق مع يقينه أن الله هو الشافي والرازق، وأنه لا تناقض بين الأمرين.
7- الوسطية والاعتدال: لما كان الإسلام دين الوسط والاعتدال، كان الملتزمون هديه هم الوسط المعتدل بين المنحرفين عنه، الدين لا محيد لهم عن أن يكون انحرافهم إلى جانب التفريط أو إلى جانب الإفراط. ولالتزام أهل السنّة في هدي الإسلام ظل هذا المنهج قائماً على معيار الوسطية والاعتدال بين صور التطرف على مر العصور، ولهذا لا تجد قضية من القضايا العقدية التي اختلفت فيها فرق الأمة إلا والسلف الصالح فيها وسط بين طائفتين أخذ كل منهم بطرف مقابل للآخر
8- المنهج السلفي نتيجة لالتزامه الكتاب والسنّة يرتبط فيه العلم بالعمل دون انفكاك، وهو في هذا المعلم وسط بين منهج النظريين من الفلاسفة وأهل الكلام المستغرق في جدلهم ونظرياتهم التجريدية عن الممارسة العلمية، ومنهج بعض الزهاد والصوفية الذين اهتموا بالجانب التعبدي مع إهمال الجانب العلمي، فكر فيهم الضلال والبدع.
9-  المنهج السلفي يربي أتباعه على أن يكونوا خير الناس لخلق الله، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ويرحمون عباد الله، ويحرصون على اجتماع كلمة المسلمين وتآلفهم على تعاليم كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أبعد الناس عن تكفير الآخرين من مخالفيهم في اجتهاد أو في فهم خاطئ، يرحمون خلق الله ويدعونهم إلى الكلمة السواء والمنطق الحق الذي تقرره النصوص الشرعية، وهذا خلاف ماعليه عامة الفرق التي تكفر غيرها، وتتهجم على مخالفيها، وتتعصب لآرائها بغير هدى ولا بيان.
01-  الأخذ الشمولي لدين الإسلام في عقيدته وعباداته ومنهجه الخلقي ونظمه الاجتماعية في السياسة والاقتصاد والتعليم وسائر جوانب الحياة اتباعاً لقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (12) لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 – 163]، وهذا خلاف ما سلكته الفرق الأخرى التي جزأت الإسلام، وأخذ كل منها جزءاً ضخماً حتى جعله الإسلام كله وأهمل الأجزاء الأخرى الباقية، فقد جعله المتكلمون فلسفة فكرية في الوجود والمعرفة معزولة عن الجانب العملي، وجعله بعض الصوفية حالات وجد وفناء في الحب الإلهي حتى أضاعوا شعائره الكبرى، وقصّره أناس على العبادات الشعائرية صلاةً وصياماً وحجاً، وأخرجوا نظمه الاجتماعية.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*