الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » غسل الأموال وتمويل الإرهاب

غسل الأموال وتمويل الإرهاب

إن قرار هيئة كبار العلماء جاء منسجماً ومكملاً لنظام مكافحة غسل الأموال ولائحته التنفيذية في المملكة، والذي تم اعتماده كأساس قانوني لتجريم أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
أصدرت هيئة كبار العلماء مؤخراً قراراً برقم (239) وتاريخ 27 /4 /1431 المتضمن تجريم تمويل الإرهاب، لما فيه من الإفساد، وزعزعة الأمن، والجناية على الأنفس والأموال، والممتلكات الخاصة والعامة، وقد جاء في سياق القرار ما نصه: “إن تمويل الإرهاب أو الشروع فيه محرم وجريمة معاقب عليها شرعاً، سواء بتوفير الأموال أم جمعها أم المشاركة في ذلك، بأي وسيلة كانت، وسواء كانت الأصول مالية أو غير مالية، وسواء كانت مصادر الأموال مشروعة أم غير مشروعة.
فمن قام بهذه الجريمة عالماً، فقد ارتكب أمراً محرماً، ووقع في الجرم المستحق للعقوبة الشرعية بحسب النظر القضائي. وتؤكد الهيئة أن تجريم تمويل الإرهاب لا يتناول دعم سبل الخير التي تعنى بالفقراء في معيشتهم، وعلاجهم، وتعليمهم لأن ذلك مما شرعه الله في أموال الأغنياء حقاً للفقراء”.
ويلاحظ من نص القرار السابق أن عمليات تمويل الإرهاب تقع من ضمن جرائم غسل الأموال، بالإضافة إلى أنه فرّق بين تمويل الإرهاب وتمويل الأنشطة الخيرية، كما جعل إيقاع العقوبة على مرتكبي جريمة تمويل الأعمال الإرهابية من ضمن اختصـاصات القضاء.
واعتقد بعض الكتاب والمحللين لقرار هيئة كبار العلماء أنه لا يوجد بالمملكة نظام “يحدد بالتفصيل أساليب وطرق تمويل الإرهاب المباشرة وغير المباشرة وبالتالي أن يقرر الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة المقررة لكل أسلوب من أساليب ارتكاب جريمة تمويل الإرهاب أو الشروع في هذه الجريمة على غرار القوانين التي أصدرتها بعض الدول بشأن مكافحة الإرهاب”، كما أن البعض تساءل إزاء المؤسسات والجمعيات الخيرية وعلاقتها بتمويل الإرهاب.
وفي الحقيقة، أن قرار هيئة كبار العلماء جاء منسجماً ومكملاً لنظام مكافحة غسل الأموال ولائحته التنفيذية في المملكة والصادر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 167 وتاريخ 20 /6 /1424 ، والذي تم اعتماده كأساس قانوني لتجريم أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فقد تضمنت المادة الثانية من النظام صراحةً أن من الأعمال التي تعد من جرائم غسل الأموال هي تمويل الإرهاب والأعمال الإرهابية والمنظمات الإرهابية، وقد حدد النظام الجرائم والمسؤوليّات والعقوبات المترتبة على المخالفات بهدف الحد من اقتراف هذه الجرائم.
ويطبق نظام مكافحة غسل الأموال من خلال مواده الـ29 ولائحته التنفيذية على جميع المؤسسات الماليّة وغير المالية، ويطلب منها جميعاً أن تضع إجراءات احترازية ورقابة داخلية لكشف أي من الجرائم المبينة في النظام وإحباطها، والالتزام بالتعليمات الصادرة من الجهات الرقابية المختصة في هذا المجال.
والجدير بالذكر أن المؤسسات والجمعيات الخيرية، تخضع للنظام كغيرها من المؤسسات غير المالية والتي يجب أن تحرص على ممارسة أعمالها ضمن إطار أحكام وقواعد جميع الأنظمة واللوائح والتعليمات النافذة بهذا الشأن.
ولا يفوتني هنا أيضا أن أذكر أن مؤسسة النقد قد أصدرت قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب منذ شهر مايو من عام 2003، تتضمن أحكاماً تتعلّق بمكافحة تمويل الأنشطة الإرهابية، وتقدم معايير وإجراءات أساسيّة يجب اتخاذها لمنع واكتشاف ومراقبة العمليات والتبليغ عن مثل هذه الأنشطة، وأوجبت على البنوك ومحلات الصرافة أن يجعلوا هذه الأنظمة والأحكام الواردة بها جزءاً لا يتجزّأ من أنظمتهم وإجراءاتهم التي تهدف إلى مراقبة واكتشاف ومنع العمليات والتبليغ عن الأنشطة المشتبه بها.
وأشير بهذا الصدد إلى بعض طرق وأساليب تنفيذ عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب في القطاع المصرفي والمالي، والتي تتعدد وتتنوع حسب منطقتها الجغرافية وأدوار الوسطاء والمنفذين للعملية، وتتطور هذه الأساليب إدارياً ومالياً وتقنياً وفق مهارات ومعطيات جديدة ومنها:
1 – استغلال الثغرات الموجودة في التحويلات المالية البرقية fed wire وchips
2 – استغلال السوق السوداء للصرافة أو السوق السرية الموازية للصرافة ، حيث يقوم الممول أو الغاسل بإيداع مبلغ من المال لدى إحدى محلات الصرافة طالباً استلامه أو تسليمه لشخص آخر.
3 – غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب إلكترونياً بواسطة الإنترنت والتي تعد خطراً كبيراً على جهود مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وذلك لصعوبة المراقبة والتعقب لعدم توفر وثائق أو مستندات ورقية وسرعة تحويل الأموال بدون عوائق أو قيود قانونية.
4 – استغلال العمالة الوافدة من خلال تحويل مبالغ مالية بأسمائهم إلى حسابات محددة في بلدانهم مقابل تقاضيهم عمولة على ذلك.
وأكتفي بهذا القدر من الطرق والأساليب والتي كان الهدف من استعراضها هو التمثيل على أهمية الدور الرقابي للمؤسسة النقد، وكذلك المسؤولية الاجتماعية والدينية للعاملين والمتعاملين مع القطاع المصرفي والمالي في بلادنا.
وبالرغم من أهمية الدور الرقابي للمؤسسة النقد على القطاع المصرفي والمالي، إلا أن عملية غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمتد إلى قطاعات غير مصرفية ومالية كالقطاع الاقتصادي وغيرها من القطاعات، لذلك فإن الأجهزة الرقابية مثل ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق يجب أن تسعى إلى وضع آليات مناسبة للرقابة على غسيل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال ما يتوافر لديها من اختصاصات وصلاحيات، وذلك من خلال التحقق من قيام الجهات الخاضعة للرقابة ذات الصلة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بالالتزام بكافة الأنظمة واللوائح والقرارات والقوانين الصادرة بهذا الشأن، وعلى الأجهزة الرقابية في حال وجود تقصير وعدم التزام الجهات بالأطر النظامية والقانونية أن تفصح عنها في تقاريرها.
وفي النهاية أقول إن الإسلام جاء رحمة ً للناس، قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107، ولم يجئ لترويع الناس وقتلهم وإرهابهم، لذلك يجب علينا جميعاً أن نجعل هذا المبدأ وقرار هيئة كبار العلماء نصب أعيننا في مكافحة الإرهاب ومموليه، ولنعلم أن الأنظمة والقوانين هي إحدى الوسائل المساعدة في تحقيق هذه الغاية، وأسأل الله عز وجل أن يحفظ بلادنا من كل شر ومكروه.

-- سطام عبدالعزيز المقرن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*