الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من المسائل والشبهات التي تعتمد عليها الفئات الضالة .. (شبهة التكفير) نشأته، أسبابه، وآثار خطورته

من المسائل والشبهات التي تعتمد عليها الفئات الضالة .. (شبهة التكفير) نشأته، أسبابه، وآثار خطورته

من قضايا الغلو الديني السائدة في العصر الحاضر: تكفير المسلمين واتهامهم بالفسوق والعصيان، بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. لقد أدى الغلو في الدين لدى بعض الشباب إلى تكفير من خالفهم من المسلمين، واستباحوا دماءهم وأموالهم، ويتوافق هذا السلوك مع ما انتهى إليه الخوارج من قبل، فلم يكن ينقص الخوارج العمل أو التعبد، فقد كانوا عُباداً صواماً قراءً للقرآن ولكن لم ينتفعوا بالعمل وطول التعبد وحسن النية، لأنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم انحرافاً أدى بهم إلى التكفير وهو نفس المنهج الذي سار على نهجه من نادوا بالغلو في الدين في العصر الحاضر، والتكفير من كفّر، قال ابن فارس: الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية يقال لمن غطى درعه بثوبه قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه. وأشار الفراهيدي بأن: الكفر نقيض الإيمان ويقال لأهل دار الحرب قد كفروا أي عصوا وامتنعوا والكفر نقيض الشكر. ولم تختلف الدلالة اللغوية عن الدلالة الاصطلاحية للتكفير فقد أشار الجرجاني إلى أن الكفر ستر نعمة المنعم بالجحود، أو يعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم. وأشار الأصفهاني إلى أن أعظم الكفر: جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، ومن الألفاظ ذات الصلة بلفظة التكفير، لفظة الكفر، والكفر هو: أول ما ذكر من المعاصي في القرآن الكريم قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، فالكفر هو: الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر ضد المسلم والمرتد هو: الذي كفر بعد إسلامه، بقول، أو فعل أو اعتقاد أو شك: وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والتزامه العمل به جملة وتفصيلا. وترك كلمة (الكفر) في النصوص مرادا بها أحيانا الكفر المخرج عن الملة وأحيانا يراد بها الكفر غير المخرج عن الملة. ويشير (ابن حزم) إلى أن الكفر: صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به يعد الحجة عليه ببلوغ الحق إليه، وسواء كان ذلك بقلبه دون لسانه أو بلسانه دون قلبه، أو بهن جميعا أو عمل عملا جاء به النص مخرجا له بذلك عن اسم الإيمان. وأن المتتبع لتاريخ الغلو في الإسلام يجد أن من أبرز المظاهر والخصائص التي تجعل الغلاة يكفّرون المخالفين لهم ويستحلون دماءهم، فكما وقع الغلاة في تكفير المسلمين في القديم وقع غلاة اليوم في تكفير من يخالفهم من المسلمين يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (مثل ما وقع لطائفة الخوارج قديماً، وقع لأخلافهم حديثا وأعني بهم من سموهم جماعة (التكفير والهجرة) فهم يكفّرون كل من لم يقبل فكرهم، ولم يدخل في جماعتهم ويبايع إمامهم. ومن بايع إمامهم ودخل في جماعتهم ثم تراءى له سبب أو آخر أن يتركها فهو مرتد حلال وأن الجماعات الاسلامية الأخرى إذا بلغتها دعوتهم ولم تحل نفسها لتبايع إمامهم فهي كافرة مارقة، بناء على ذلك فإنه عند دراسة وتتبع هذا السلوك التكفيري، نجد أن أبرز مظاهر الغلو لديهم يرجع إلى السلوك ذي الصلة بالقضايا التالية:

1- الخروج على الحكام ومسوغهم في ذلك دعوى تكفيرهم، لعدم حكمهم بما أنزل الله.

2- الحكم على المجتمعات الإسلامية المعاصرة بأنها مجتمعات جاهلية والحكم على من لا يهجرها بالكفر أي تكفير المجتمعات القائمة.

3- الحكم على بلاد المسلمين التي لا تقيم حكامها الحدود الشرعية بأنها دار كفر، لا دار إسلام، وهذا السلوك التكفيري المتأصل في غلاة العصر الحاضر مرده عقيدتهم المستندة إلى:

أ- الحاكمية: وهي ترجمة عملية للنطق بالشهادتين وتعني عندهم: مقاطعة المجتمعات بجميع صوره وهيئاته، والخضوع لحاكمية الله وحده لأن المسلمين في عصرنا لا يُدركون معاني شهادة أن لا إله إلا الله، وبالتالي لم يدخلوا بعد الإسلام، فلم يخصوا الله بالولاء.

ب- الجماعة: وهي شرط في الإيمان عندهم، ولكنها ليست كل جماعة إسلامية، بل الجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء، فمن لم يبايع إمامهم وينخرط في جماعتهم فهو كافر وإن صلى وصام وكان في جماعة أخرى، وذلك اعتقاداً منهم بأن جماعتهم هي جماعة المسلمين، أما غيرها فهي تساعد على استمرار الجاهلية بسبب عدم مفاصلة المجتمع وإعلان كفره. هذا وإن تكفير المسلمين من المسائل الخطيرة التي وقعت فيها بعض الجماعات وبعض شباب اليوم، إذ لا يتورع أحدهم أن يتهم أخاه بالكفر، بمجرد ارتكابه ذنباً أو مخالفة سنة، وهذا هو مسلك الخوارج قديماً وحديثاً، يقول الإمام (أبو حنيفة): (ولا تكفر مسلماً بذنب من الذنوب وإنك أنت كبيرة، إذ لم يستحلها، ولا تزيل عنه اسم الإيمان ونسميه مؤمناً حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمناً فاسقاً غير كافر) ومع ذلك نجد أن من غلاة عصرنا الحاضر من يكفر مسلماً بسبب وقوعه في معصية ويرى أن كل عاصٍ يعتبر كافراً، ومن أسباب التكفير: فقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن من السمات البارزة لأهل البدع الأفراد في التكفير وإن أول الفرق إفراطاً في التكفير الخوارج، الذين ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم الإيمان فإذا ذهب بعض الإيمان ذهب الإيمان كله، فيكون كافراً من كان هذا حاله). ومن أهم الأسباب المتعددة التي أدت بالغلاة إلى التكفير في عصرنا الحاضر ما يلي:

1- السبب الأول: الجهل: فالجهل هو الأداة الأولى التي استغلها أعداء الإسلام، لاستغلال جَهَلَة وبسطاء وأحداث المسلمين والعاطلين منهم (الذين لا يجدون شيئاً يشغلون به وقتهم، فتجدهم فارغين تتخطفهم الأفكار، وتجرفهم التيارات يميناً وشمالاً ويستغلهم الأعداء ويجدونهم لقمة سائغة وطريقاً مهيئاً لطعن المسلمين في ظهورهم، بل في أغلى ما يملكون في عقيدتهم).

2- السبب الثاني: عدم التفقه في الدين: فعدم التفقه في الدين من قبل بعض الشباب، (وعدم تعمقهم في العلوم الإسلامية واللغوية الأمر الذي جعلهم يأخذون بعض النصوص دون بعض، أو يأخذون بالمتشابهات، وينسون المحكمات أو يأخذون بالجزئيات ويغفلون القواعد الكلية، أو يفهمون بعض النصوص فهماً سطحياً، إضافة لذلك فقد استند بعض الغلاة إلى الأحاديث الموضوعة تارة، وبعدم فهم المعنى تارة أخرى، فكثير منهم يحتج في مسائل الأصول بأحاديث موضوعة، أو إثارة مفتعلة، أو حكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وربما تأولوه على غير معناه ووضعوه على غير موضعه، ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفّرون ويضللون ويبدعون، وقد يكون ضعف منهج العقيدة الذي يُدرس في المدارس سبباً في القصور من بعض الجوانب (ففي بعض البلاد الإسلامية التدريس ضعيف جداً، فالجوانب التي تتبع للعقيدة كثيرة، وكثيرة منها يهمل، ولا تدرس للطلاب ولا يتناولها أحد).

3- السبب الثالث: اشتراك كثير من الشباب فيما يُسمى بالأعمال الجهادية: كما حصل في أفغانستان وغيرها، فقد ذهبوا بعقيدة ورجعوا بأخرى، ذهبوا بعقيدة السمع والطاعة واحترام العلماء والبُعد عن الخوض فيما لا يعلمه المسلم، والحذر من الفتن، ورجعوا بالدعوة إلى عدم السمع والطاعة وإلى انتقاد العلماء والبعد عن منهج السلف، وإلى التحزب والتكتل، وإلى الاعتداد بالرأي، وادعاء العلم والمعرفة ويدعون إلى هجر جماعات المسلمين وهجر الصلاة في مساجدهم وطلب العلم في مدارسهم والعمل في الوظائف الحكومية وهجر المجتمعات الإسلامية التي تخالفهم ويعتبر المارق أسامة بن لادن من أشهر من اعتنق هذا الفكر المنحرف (من جماعة التكفير والهجرة التي لقاه على يد رفيق دربه الهارب من العدالة أيمن الظواهري) وهما امتداد لفكر شكري مصطفى الذي أعدمته الحكومة المصرية.

4- السبب الرابع: انتشار الكُفر والردة الحقيقية جهرة في بعض المجتمعات الإسلامية واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم واستخدام أجهزة الإعلام وغيرها لنشر آرائهم المنحرفة على جماهير المسلمين، ومن مخاطر التكفير الذي يعتبر من الأحكام الشرعية التي لا يجوز الإقدام عليه إلا بدليل قاطع يقيني لا يحتمل التأويل، فالتكفير حق لله ولرسوله، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام (ابن تيمية) بقوله: (والكفر هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئاً علم ينظر العقل يكون كافراً ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفراً في الشرعية)، ذلك أن الإيمان والكفر محلهما القلب، ولا يطلع على ما في القلب غير الله سبحانه، والقرائن الظاهرة لا تدل يقيناً على ما في القلب، بل دلالتها ظنية، والإسلام نهى عن اتباع الظن، وطلب الحجة والبرهان على الدعاوى وخاصة ما يتعلق بأمور العقائد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} وفي الحديث الذي رواه أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرفات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: أقال لا إله إلا الله؟ قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يُكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، ففي ذلك دليل على أن من نطق بالشهادة فإنه لا يسوغ تكفيره، ولا الحكم عليه بخروجه من الإسلام، لأن ذلك من السرائر ولا يعلم السرائر إلا الله سبحانه، ولعظم وخطورة تكفير المسلمين ولو كان مذنباً وعاصياً عدّه العلماء من البغي، قال ابن أبي العز الحنفي: (إنه لمن أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يُخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت. وإذا كان التكفير بالغ الخطورة، فإن خطورته تكون أشد إذا نسب إلى ولاة الأمر ومن ولاة الأمور العلماء والأمراء لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. وتكمن خطورة تكفير ولاة الأمر لتضمنها مفسدتان: مفسدة شرعية ومفسدة اجتماعية: أما المفسدة الشرعية، فهي أن العلماء الذين أطلق عليهم الكفر لن ينتفع الناس بعلمهم وعلى الأقل يحصل التشكيك أو الشك في أمورهم، وحينئذ يكون ذلك الرجل الذي كفر العلماء هادماً لشريعة الإسلام لأنها تتلقى من العلماء. أما المفسدة الاجتماعية: فبوقوع التكفير تحصل الفوضى والحروب الأهلية التي تقوض الدولة وتنتهك الحرمات وتسفك الدماء التي صانها الله عزَّ وجلَّ، وهو ما قد يترتب عليه من اضطرابات، إضافة إلى ذلك فإن لعظم خطورة التكفير عموماً، آثاراً في غاية الخطورة منها:

1- أنه لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينهما، لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة للكافر بالإجماع.

2- أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه، لأنه لا يؤتمن عليهم، ويخشى أن يؤثر عليهم بكفره، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي بكامله.

3- أنه فقد حق الولاية والنصرة بعد أن مرق منه، وخرج عليه بالكفر الصريح والردة، ولهذا يجب أن يقاطع ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع، حتى يفيق لنفسه ويثوب إلى رشده.

4- أنه فقد حق الولاية والنصرة بعد أن مرق منه، وخرج عليه بالكفر الصريح والردة ولهذا يجب أن يقاطع ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع.

5- أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يُغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.

6- أنه إذا مات على حالة من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم.

وقبل ختام هذا المقال لابد ما أمكن التنبيه أن مواجهة الكفر التكفيري يحتاج إلى منظومة متكاملة أهمها القدرة على دحض الأفكار التي تشاع عن تكفير المجتمع، وكشف زيفها.

-- د. محمد بن حمود الهدلاء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*