الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإرهابيون والمموّلون .. في خندق واحد!!

الإرهابيون والمموّلون .. في خندق واحد!!

جاءت الفتوى الصادرة من هيئة كبار العلماء والخاصة بتمويل الإرهاب، باعتبار أن الإرهاب”جريمة تستهدف الإفساد بزعزعة الأمن، والجناية على الأنفس والأموال والممتلكات الخاصة والعامة، كنسف المساكن والمدارس والمستشفيات والمصانع والجسور ونسف الطائرات أو خطفها والموارد العامة للدولة كأنابيب النفط والغاز، ونحو ذلك من أعمال الإفساد والتخريب المحرمة شرعاً” لتمثل خطوة إستراتيجية في محاربة الإرهاب، بما تمثله الهيئة من ثقل شرعي على مستوى العالم الإسلامي كله، ولما يمثله تمويل الإرهاب من خطورة في تغذية واستمرارية هذه الأعمال الإجرامية. وأكدت الفتوى أن تمويل الإرهاب إعانة عليه وسبب في بقائه وانتشاره. كما نظرت الهيئة في أدلة تجريم تمويل الإرهاب من الكتاب والسنة، وقواعد الشريعة، وأن تمويل الإرهاب أو الشروع فيه محرم وجريمة معاقب عليها شرعاً، سواء بتوفير الأموال أم جمعها أم المشاركة في ذلك بأي وسيلة كانت، سواء كانت الأصول مالية أم غير مالية، أو كانت مصادر الأموال مشروعة أم غير مشروعة. فمن قام بهذه الجريمة، فقد ارتكب أمراً محرماً، ووقع في الجرم المستحق للعقوبة الشرعية بحسب النظر القضائي
ولكن لماذا صدرت الفتوى في هذا الوقت بالذات؟ وما علاقتها بقضايا التمويل التي تم ضبطها مؤخراً؟ وهل ستكون الفتوى من المواثيق الشرعية التي تعتمد عليها المحاكم الشرعية في نظر هذه القضايا؟ وكيف تُفعًّل هذه الفتوى في الخطاب الدعوي خاصة أنها وضعت المموِّل للإرهاب وفاعله في خندق اتهام واحد؟ “الرسالة” تقرأ فتوى هيئة كبار العلماء من منظور مستقبلي وعلاقة ذلك بتجفيف منابع الإرهاب، وسد شرايين التمويل.
التصدي لفتاوى التكفير
بداية يؤكد الدكتور ماجد بن محمد المرسال مستشار وزير الشؤون الإسلامية وعضو لجنة المناصحة أن بيان هيئة كبار العلماء حول تجريم تمويل الإرهاب جاء في إطار مواقف علماء المملكة الثابتة والمعروفة بتحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة، وحرمة التفجير واستحلال الدماء وخطف الطائرات وغيرها، فهناك فتاوى كثيرة جداً صادرة من كبار علماء المملكة ومن الهيئة ومن اللجنة الدائمة ومن المجامع الفقهية في التكفير واستحلال الدماء، وأعمال القتل والإرهاب.
وأضاف: علماء المملكة أول من نبهوا إلى هذه الظواهر الأخيرة قبل أن تتفشى، ونصت فتاواهم على حرمة هذه الأشياء من استهداف للمباني وخطف للطائرات والتفجير والتخريب، وكل ما هو ناتج عن التكفير وما يتعلق به. تمويل الإرهاب جريمة كبيرة، وجاءت فتوى هيئة كبار العلماء لتحدد بجلاء ووضوح أن ممول الإرهاب يعد شريكاً لمرتكب الفعل الإرهابي، وكلاهما شركاء في الجريمة الإرهابية.
وعن تعريف الإرهاب وتحديد مفهومه الذي التبس على البعض قال المرسال: كثير من فتاوى العلماء السعوديين تناولت تعريف الإرهاب، وكذلك الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية التي حددت معناه الشرعي، وهذا ليس جديداً، أما الاجتماع الاستثنائي الأخير لهيئة كبار العلماء فقد خصص لمناقشة قضية مهمة وهي “تمويل الإرهاب” وهو موضوع مهم جداً في هذا الوقت بالذات، لأنه كان هناك عمل من خلال هذه التيارات المتطرفة في استغلال بعض الأعمال لجمع الأموال، ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى رأي شرعي يسهم في التضييق على الإرهابيين ومن ثم جاءت الفتوى تلبية لمتطلبات مرحلة تستلزم تجفيف منابع وروافد الإرهاب.
واسترسل المرسال قائلاً: أتمنى أن تهتم المؤسسات والهيئات العلمية والشرعية وعلى رأسها هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بأن يكون هناك قرار مماثل في تجريم فتاوى التكفير، وأن تكون هناك محاسبة لمن يصدر هذه الفتاوى، وأن تناط فتاوى التكفير بالمحاكم الشرعية، لأن هذه الجهات المخولة لإصدار الأحكام في هذه القضايا. فقد كان القائمون بأعمال الإرهاب يحتجون بآراء شرعية، وينشرون آراء بعض طلبة العلم التي تسوق لهم ما يقدمون عليه من أعمال إرهابية، ولو كان هناك تنظيم للفتاوى لما حدث ذلك، وما كانت هناك أعمال إرهابية.
تفنيد الشبهات
من جانبه يقول الداعية بدر بن طامي العتيبي: الجميع قرءوا ما أجمعت عليه هيئة كبار العلماء بشأن تجريم تمويل الإرهاب، والتمييز بين ذلك وبين دعم المشاريع الخيرية، وقد تضمن بيان الهيئة مواطن تفصل الكلام في تحرير معنى الإرهاب، من قوانين التعاريف الصحيحة (الجمع) و(المنع) وتعريف هيئة كبار العلماء للإرهاب جمع أبرز (صفات) الإرهاب بأنه جريمة، وأنه يستهدف الأمن، وأن أعظم آثاره الجناية على الأنفس والأموال والممتلكات الخاصة والعامة. فهذا التعريف يجلي الإرهاب الذي تطبق العقول السليمة على رفضه، ويفند شبهات أعداء الإسلام والمغترين بهم في تعريف الإرهاب حتى أدرجوا تحت معناه ما أجمعت العقول السليمة على قبوله وتأييده، حتى صار تعريف الإرهاب خاضع للاتجاهات والرغبات، فكلّ ما خولف المرء في دقيق الأمور وجلّيها قال بأن هذا من الإرهاب حتى نسبوا ما يدل عليه صريح القرآن، وصحيح السنة إلى الإرهاب، فجاء بيان هيئة كبار العلماء مميزاً للحق من الباطل، موضحاً لحقيقة معنى الإرهاب.
ومضى العتيبي قائلاً: لذلك فإن تحرير هيئة كبار العلماء لمعنى الإرهاب خطوة مهمة في معترك المفاهيم في تحرير معنى الإرهاب، وهو من جهة عليا بمثابة هيئة كبار العلماء، وتأييدٍ وإشادة مقام خادم الحرمين به يعد ميثاقاً فيه البراءة الدينية الوطنية من الإرهاب بالمفهوم المذكور، وبه يقول كلّ مسلم في الداخل والخارج.
كما أن في بيان هيئة كبار العلماء قطع للطريق على كلّ من حاول تصيد متشابه الكلام، وغرائب النقولات من فتاوى هيئة كبار العلماء على وجه شخصي أو جماعي، ويستخدمه في تأييد أي عملٍ إرهابي، وأن هذا غير مراد في كلامهم، وأنهم لا يرضون ولا يؤيدون أيَّ منحرف انتهج فتوى من فتاواهم بناءً على فهمٍ خاطئ فأباح به لنفسه كلّ ما يندرج تحت مسمى الإرهاب بالمعنى المذكور.
خطورة التمويل
واسترسل بالقول: المأمول من هيئة كبار العلماء، المسارعة بإصدار البيانات والفتاوى الفاصلة في كافة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالمنظار الشرعي ليقطع الطريق عن المرجفين والصياديين في الماء العكر وجهال الخلق، فكم سارع البعض لإصدار الأحكام الشرعية، وإحداث البلبلة بين أفراد المجتمع، فيعظم الأمر فيعسر على الحكماء إخماد نار فتنتهم. كذلك المأمول من كافة الجهات الدينية المختصة في العالم الإسلامي من المجامع الفقهية ورابطة العالم الإسلامي والجامعات الإسلامية المسارعة بإصدار مثل هذه البيانات، قياماً بالعهد مع الله تعالى وتكون تثبيتاً لقلوب المؤمنين، ودفعاً للتهمة عنهم، وقطعاً لطريق المشككين.
وختم العتيبي بالقول: من أبرز ما في بيان هيئة كبار العلماء بل هو أساس إصداره: تجريم الممولين للعمليات الإرهابية سراً أو علانية، وأنهم شركاء في الجريمة مع الفاعل، وهذا هو عين الحق، فالداعم للجريمة مشارك فيها، جرماً وعقوبة، وهذا أصل من أصول الفقه الإسلامي في الفروع والأصول، بل الممول أخطر عند التحقيق من الفاعل لأن الفاعل أداة ينتهي دوره بانتهاء مهمته، ولكن الممول يمكنه أن يصنع لنا كلّ يوم إرهابياً جديداً، وهذا التمويل على شقين: فكري، وهو الأخطر، ومنه الخوارج الذين يقررون الإرهاب وإن لم يحملوا سلاحاً، أو يشاركوا في عملية إرهابية. وتمويل مالي، وهو عصب الإرهاب، وحمله على الارتفاع إلى القيام بعمليات كبرى لا تكون إلا في الحروب العالمية.
فالتمويل الفكري والمالي هما بمثابة ماء فاسد يغذي شجرة الإرهاب مهما تساقطت أوراقها، فالتحذير منهم، وتجريم فعلهم، وإغلاق الأبواب عليهم، نصر عظيم عليهم. فالتمويل الفكري: يقطع بالفتاوى الواضحة الصريحة في تحرير معنى الإرهاب وما يلبس به الإرهابيون من مسائل يغررون الناس بها ويوضَّح معنى الكفر وأسبابه، ويحرر معنى الجهاد الإسلامي فلا يُعطّل ولا يترك الأمر مفتوحاً يتصرف به كلّ أحد على ما يشتهي.
مرجعية العلماء
ومن جانب آخر يرى الدكتور عبد الله بن صالح البراك رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك سعود أن الفتوى جاءت استمراراً لنهج العلماء في مواجهة الفئة الضالة، وتمتاز الفتوى بأنها جاءت محددة ومقننة وموضحة للرأي الشرعي بجلاء تجاه قضية تمويل الإرهاب، وقال: الفتوى صدرت لتجريم الدعم المالي لأي عنصر أو جماعة أو فعل إرهابي، أو عمل ينطوي عليه سلوك غير شرعي. لذلك فقد أضافت مستنداً قضائياً لعمل المحاكم الشرعية، لأن نص الفتوى انصب حول تمويل الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، ثم أحالت الحكم إلى الجهات القضائية، وأنها المنوطة بتحديد العقوبة على من يقع في هذا الجرم بعد استيفاء الإجراءات القضائية، والاستماع إلى آراء التحقيق ودفاع المتهم، وهذا تأكيد للنظام الأساسي للحكم الذي نص على أن هيئة كبار العلماء هي المرجعية الشرعية.
وأضاف البراك قائلاً: المواجهة الفكرية للفئة الضالة والفكر الإرهابي لا شك أنها جاءت بعد المواجهات الأمنية الناجحة، والآن الحرب تحولت إلى حرب أفكار على الشبكة العنكبوتية، ولا يغفل تواجد أصحاب هذا الفكر عليها وترويجهم لأفكارهم الضالة، ومن ثم فإن هذه الفتوى تعد انطلاقة شرعية قوية للمواجهة وكشف زيف من يشرعون لأعمال هذه الجماعات على ضلالة وفساد في الاستدلال ولي عنق النصوص واتباع الهوى. شخصياً أتصور أن المشايخ وطلبة العلم في لجان المناصحة تجاوزوا موضوع إزالة الشبهات، والآن يحتاج هؤلاء الذين يتم تأهيلهم إلى إحساس بالطمأنينة وتقبل المجتمع لهم بعد إعلان توبتهم وتصحيح مفاهيمهم المغلوطة، وهذا ما تقوم به الجهات المختصة في إدماج المفرج عنهم في المجتمع وتأهيلهم وتوظيفهم. الرافد المالي كان بلا شك عنصر قلق للجميع لأن وجود هذا الرافد يعني استمرار الفئة الضالة، ولذلك سيكون لهذه الفتوى مردودها في تجفيف منابع الإرهاب.
وأشار البراك إلى الدور الذي يقوم به أساتذة قسم الثقافة الإسلامية في الجامعات، وقال: هم خطباء ومحاضرون وطلبة علم ولهم دورهم في مواجهة الإرهاب وفكر التكفير من خلال منابرهم الدعوية ومشاركاتهم الإعلامية، بالتأصيل الشرعي في دحض هذا الفكر، مما يُعد الضمان الأكيد لمنع الإرهاب، فنحن في اشد الحاجة إلى التأصيل الشرعي للكثير من القضايا التي استغلها دعاة التكفير والإرهاب في تضليل الشباب.
خطوة غير مسبوقة
من جانبه يقول الدكتور محمد السعيدي: تمويل الإرهاب إعانة عليه وسبب في بقائه وانتشاره، وقال :بالنسبة لتعريف معنى الإرهاب لم يكن ذلك أمرا مجهولا بالنسبة لأعضاء هيئة كبار العلماء ولا للقيادة: المواطن السعودي ليس هو المقصود من تعريف هيئة كبار العلماء للإرهاب، بل المقصود في تقديري هو المجتمع الدولي الذي لم يقدم حتى اليوم معنى محدداً للإرهاب، وقد استعانت القيادة السياسية في المملكة بالقيادة التشريعية وهم علماء الدين لتحديد هذا المفهوم، في خطوة مألوفة بالنسبة لنا كمواطنين سعوديين، وأعني بذلك التكامل الكبير بين القيادة السياسية وهيئة كبار العلماء، فإن هذه الدولة شرعية سياسية منذ نشأتها قبل أكثر من مائتين وستين عاماً، لكن الجديد في هذه الخطوة أن وسائل الإعلام المحلية والعالمية تناقلتها بشكل أكبر بكثير من تناقل غيرها من أشكال التلاحم والوحدة بين القرار السياسي والشرعي، والسر في تقديري وراء هذه الحفاوة من وسائل الإعلام لاسيما الأجنبية بهذا التحرك هو كون هذه المسألة يراد لها أن تحسم الادعاءات التي دأبت عليها وسائل الإعلام المعادية من نسبة التنظير للإرهاب إلى الفكر السلفي.
وعن أثر هذا البيان من هيئة كبار العلماء قال السعيدي: أعتقد أنه سيكون محدوداً بالنسبة للفئة الضالة وذلك أنها لا تستقي فكرها من هيئة كبار العلماء، وإنما تستقيه من مصادر مغمورة وغير ذات كفاءة في مجال العلم الشرعي، وسوف يكون أثر هذا البيان في تقديري قوياً فيما يتعلق بتحصين منم ينتسب إلى هذه الفئة من الشباب وبعض من يقعون في حبائل التنظيمات الضالة من أصحاب المال. الإرهاب له مصادر عدة أحدها الجماعات المسلحة غير الشرعية التي توصف في الإعلام الغربي بكونها إسلامية، ومنها أيضا الدول المارقة عن النظام الدولي والتي لا يخفى دورها في دعم الجماعات المسلحة، ومن مصادره الجماعات المسلحة، وأعمال هذه الفئات جميعا تدخل في تعريف الإرهاب الذي اختارته هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. لهذا أعتقد أن أثر هذا التعريف لن يقتصر على الجماعات المسلحة غير الشرعية بل سيتعداه إلى المحافل الدولية حيث إن المملكة العربية السعودية الآن هي من الدول القليلة إن لم نقل الوحيدة التي تمتلك تعريفاً شاملاً ومحدداً للإرهاب يمكنها من خلاله أن تطرح وجهة نظرها بقوة في المحافل التي تقام دوليا لمحاربة الإرهاب، والمملكة ليست متضررة فقط من إرهاب الجماعات المسلحة بل متضررة من الدول التي لا يخفى وقوفها وراء هذه الجماعات، وهي دول تمارس الإرهاب الموصوف في قرار هيئة كبار العلماء بشكل خفي ومعلن.
وعن توقيت صدور الفتوى يقول السعيدي: كون هذا المصطلح لم يحرر عالميا أمر يجعل تحريره من هيئة كبار العلماء أدعى، وذلك أن فيه رد على من يزعم الارتباط الفكري بين الإرهاب ومنهج المملكة العربية السعودية، وللعلم فإن مثل هذا القرار في جميع دول العالم تتصدى له وزارات الداخلية والخارجية، واختصاص المملكة من بين جميع دول العالم بكونها توكل هذا الأمر لعلماء الدين يبرز الارتباط العظيم في المملكة بين السياسي والشرعي.

-- تحقيق - لطفي عبد اللطيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*