الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

أطيَش من قاعديّ!

لا أحبَّ إلى النفوس من لغة العلم، ولا أوقر في الصدور من بيان الحكمة، لكن بماذا عساك أن تُقابل من لا علم له يعصمه عن الجهل، ولا معه حكمة تمنعه من الطيش؟
 
إن العلم يهدم قلاع الجهل ويستأصل شأفته من النفوس، والعقل يحيلُ السفه والنزق والحُمق إلى قاع صفصف، لكن هذين لا ينفعان مع الأقوال العدميّة والسلوكيات الهدميّة، وقديماً كانت السفسطة – وهي أحط دركات الحِجاج – علماً شريفاً له أتباعه الذائدون عنه ومريدوه المتفانون فيه، وفي مدة من الزمان غدا إفساد البلاد و واستحلال دماء العباد ديناً ينتحله طوائف من الخارجين على جماعة المسلمين وأئمتهم.
 
هذا هو حال فكري وأنا أقرأ وأتابع خبراً منكراً يرغبُ أصحابهُ في أن يحيلوا نهار أمتنا المشرق الساكن ومنجزاتها العظيمة إلى ظلام داج دامس تدلهمُّ فيه الخطوب وتتوالى عليه النكبات.
 
هلمّ لنقرأ الخبرَ ونعجب من نزق أصحابه: نقلت اليوم بعض المواقع والمنتديات عن الرجل الثاني في ما يعرف بـ”تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” سعيد الشهري دعوته مناصري القاعدة إلى خطف الأمراء والوزراء في السعودية، ردا على اعتقال “أم الرباب”.
 
انتهى الخبر وهو مبثوث في وكالات الأنباء المختلفة.
 
وفي إيراده وإعادة نشره ما قد يغني عن تتبّعه ببيان الخلل الشرعي العظيم الذي وقع فيه هؤلاء، وفي عرضه هكذا مجرّداً دليل واضح على عاقبة هذا التوجه وعظيم انحرافه، وحسبُك بهذا شرّاً سماعه والوقوف عليه.
 
لقد بدأ هؤلاء أوّل الأمر وهم يزعمون إخراج اليهود والنّصارى من جزيرة العرب، فقصدوا المستأمنين وتربّصوا بالمعاهدين، حتّى إذا امتد بهم الزمان وطال عليهم الأمد نُكسوا على رؤوسهم فأعادوا سيرة البغاة جذعة حيّة وقصدوا إلى المسؤولين ورجال الأمن بالحرب فعاثوا فساداً بالتفجير وجرائم الاغتيال.
 
لستُ أدري من تكون أمّ الرباب، لكن هبوا أنّها كانت آية في التنسّك، وغاية في الزهد، وقبلة للعابدات القانتات، فهل هذه الدعوة الباقعة سبيلٌ شرعيّة؟! وهل هذا التحريض السافر من دين الله في شيء؟!
 
إنّي أجزم بقناعة تامّة يُشاركني فيها عامّة علماء الإسلام وشداة العلم الشرعيِّ وسالكو سبيل الدعوة والإصلاح وبضمير مطمئنّ ونفس راضية أن التحريض على خطف الأمراء والوزراء ونعتَ علماء الشريعة بنعوت السوء ووصفهم بصفات الشر والدعوةَ إلى الخروج على جماعة المسلمين وأئمتهم كل هذا منكر عظيم وشر مستطيرٌ لا يمكن أن يصدر عن رجل له رأي سليم أو معه عقل راجح، فضلاً عن من يزعم أنه ينتسب إلى العلم وينتحل شريعة عظيمة هي الجهاد في سبيل الله.
 
لقد عرفنا ميادين الجهاد في سبيل الله، وأحصينا أحكامها النافذة الراسخة، وعلمنا أن تلك حرب وقودها الذين كفروا، وآخينا دهراً رجالاً صادقين من المجاهدين الصادقين البررة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظرُ، بذلوا أرواحهم ومهجهم في سبيل الله دفاعاً عن أراضي المسلمين المحتلة فتناوشت مشارق الأرض ومغاربها مراقدهم الطاهرة وآثارهم الشريفة، أولئك هم المجاهدون حقّاً، أمّا هؤلاء الشرذمة فلا والله ما هم بمجاهدين، فلا لأعداء الدين والشريعة كسروا، ولا للمسلمين المستضعفين نصروا، وأمّا هذه البلاد العامرة بالإيمان فهي ديارٌ تسودها أحكام الشريعة ويعلوها وقار الديانة ويُجلّلها نور الوحْي، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُحدث فيها فساداً فإن ذلك ممّا يسوء المسلمين ويحزنهم، وتطيبُ به نفوس أعداء الملّة والدّين من اليهود والنصارى، لأنّها قلب العالم الإسلامي النابض، وهي مأرز الإيمان وملاذ الشريعة، وإن من أعظم البغي وأشد العدوان أن يسعى فيها البعضُ بالسوء أو يمشي بالفتنة.
 
اللهم إنّا نعوذ بك أن نلقاك وفي ذمّتنا دم حرام، اللهم إنّا نبرأ إليك من الدعوة إلى الفتنة أو السعي في العظائم، ولئن يلقى اللهَ المرءُ بكل عظيمةٍ ما خلا الشرك لهو أهون من أن يلقاه وفي رقبته دم امرئ مسلم سفكه ظلماً وبغياً.
 
إنّي مهدٍ هؤلاء الداعين إلى الفتنة والساعين في المنكر هذه الدرّة السلفيّة العظيمة، وهي عبرة من حال الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، وقد وقع عليه بلاء عظيم وامتحان كبير، فدعاه المأمون إلى القول بخلق القرآن، وسَجن في سبيل ذلك وعذّب عدداً كبيراً من العلماء، وقتل بعضهم، وكان من أولئك الذين مسّهم بأس المأمون وبلاؤه الإمامُ أحمد، فسُجن وعذّب وأوذي أذى شديداً، واشتدت نقمة الخلفاء عليه من بعدُ وتتابعوا بأذيّته وحبسه، فصبر على ما أوذي به واحتسب أجره عند ربه، مع أنه كان على الحقِّ المُبين، ولم ينتصر لنفسه أو يسع في الفتنة.
 
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (فإن الإمام أحمد قد باشر الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات – الذين لم يوافقوهم على التجهم – بالضرب والحبس والقتل والعزل على الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم، يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، يحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكونه من عدو، ولا يعطونه شيئاً من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا ولا رواية‏، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة، والافتكاك من الأسر وغير ذلك‏،‏ فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ومن كان داعياً إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه‏.
 
ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب‏.
 
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون‏:‏ القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة‏) انتهى كلامه رحمه الله مع بعض الاختصار غير المخل وهو في مجموع الفتاوى.
 
فهذا إمام أهل السنّة والجماعة أحمد بن حنبل في صبره واحتسابه، وفي سموّه وعدم انتصاره لذاته ونفسه، سجنه المأمون ظلماً وعدواناً، في مسألة علميّة عظيمة هي من أصول مسائل الشريعة ومبانيها المهمّة وكان الحق فيها معه، وكان المأمون باغياً وخارجاً عن سبيل المؤمنين، ومع ذلك فلم يخرج عليه الإمام أحمد، ولم يدع إلى نزع يد الطاعة عنه، بل ولا كفّره أصلاً، وكان يصلّي مع جماعة المسلمين، ويدين للمأمون بالسمع والطاعة.
 
فكيف إذاً بحال من يمتطي الجهل، ويمشي في الفتنة ويدعو إلى تخريب ديار المسلمين انتصاراً لطريقة باطلة منكرة لا يقرّها عالم ولا يرتضيها عاقل، حتى إذا سجنه الحاكم دفعاً لشرّه ومنعاً لفساده وأخذاً على يده طفق يدعو بالويل والثبور ويُحيل بلاد المسلمين إلى ساحة للحرب وتصفية الحسابات والظلم والعدوان انتصاراً لنفسه ولحزبه وطائفته، مع أنّه هو الظالم الباغي!
 
أسأل الله أن يعصم هذه البلاد من الفتنة والسوء والشر، وأن يهدي ضال المسلمين، إنه سميع قريب مجيب.

-- ماجد بن عبدالرحمن البلوشي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*