الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تنامي خطر الإرهاب في أعماق الصحراء الكبرى

تنامي خطر الإرهاب في أعماق الصحراء الكبرى

في أعماق الصحراء الإفريقية وتحديدا في المناطق الحدودية بين الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر، تنعدم أنماط الحياة المألوفة في المناطق الآهلة بالسكان سوى من بعض القبائل الرحل. وما يلفت نظر المتتبعين للأحوال في تلك المناطق هو انتشار مظاهر الأنشطة غير الشرعية مثل تجارة الأسلحة والمخدرات وأفواج المهاجرين غير الشرعيين الذين يقطعون آلاف الكيلومترات باتجاه أوروبا.
وبموازاة الجبهات التقليدية لتنظيم القاعدة في أفغانستان واليمن والعراق، بدأت الأضواء تسلط في الآونة الأخيرة على منطقة الساحل والصحراء كمصدر للمخاطر الأمنية والإرهابية، فقد تواترت عمليات اختطاف السياح الأجانب الذين يقصدون هدوء وجمال الصحراء، وكان أسوأها مصرع رهينة بريطاني في صيف العام الماضي.
ويرى خبراء متخصصون في شؤون الإرهاب أن تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” ليس وحده العنوان الذي يحيل إلى المخاطر الأمنية في تلك المنطقة التي تنتشر فيها أصناف متعددة من الجماعات المتشددة التي تتداخل مع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر التي بات مجال نشاطها يمتد إلى مناطق إفريقية غنية بمواردها الطبيعية مثل نيجيريا.
 
“الجماعة السلفية” نواة صلبة للجماعات الإرهابية
وتعتبر “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” الجزائرية المسلحة هي النواة الصلبة التي انبثق عنها ما يعرف بتنظيم” القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” الذي أعلن عن نفسه عام 2006، واتخذ لنفسه مجالا جغرافياً أوسع يشمل منطقة المغرب العربي والبلدان المجاورة لها جنوب الصحراء، لكن الخبراء يرصدون نشاطا أكثر فعالية لتنظيم ” القاعدة” في الصحراء الكبرى على امتداد المناطق الحدودية لمالي والجزائر والنيجر وموريتانيا وصولا إلى تشاد.
وحول طبيعة هذه الجماعات، يقول الخبير المغربي في شؤون الإرهاب الدكتور موساوي العجلاوي الباحث في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس في الرباط في حوار لدويتشه فيله إن “90 في المائة من أعضاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ينحدرون من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية والقسم الآخر هم عناصر يتم استقطابهم من بلدان جنوب الصحراء”. وأوضح الدكتور العجلاوي أن هذه الجماعة تعتمد على مساعدة شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والهجرة غير الشرعية، مما يجعلها شبكات “متداخلة في تشكيلها بين توجهات أصولية متشددة وخلفيات مصالح اقتصادية محلية لها امتدادات إقليمية”.
تداخل الخلفيات الأيديولوجية والمصالح الاقتصادية
 ويرصد الخبراء أن عمليات الاختطافات العديدة التي نفذها تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” خلال السنوات القليلة الأخيرة كان معظم ضحاياها رعايا أوروبيين، منهم السياح ومنهم عمال الإغاثة مثل الإسبان والإيطاليين الذين اختطفوا نهاية العام الماضي من شمال موريتانيا. ويقول الخبير الفرنسي في شؤون الإرهاب ماتيو غيدار، في مقابلة مع  ألكسندر غوبل مراسل دويتشه فيله في شمال وغرب إفريقيا، إن “الرهائن في نظر هذه الجماعة هم أسرى حرب تستخدمهم كورقة للتفاوض مع الحكومات الغربية سواء من أجل الحصول على فدية مالية أو من أجل تحرير سجناء تابعين للتنظيم في إحدى دول المنطقة”، مشيراً إلى أن قتل الرهينة هو السيناريو الذي يلجأ إليه تنظيم القاعدة في حالة عدم استجابة سلطات البلد الذي تنتمي إليه الرهينة.
وحول مدى تطابق أهداف تنظيم القاعدة في منطقة المغرب مع تنظيم القاعدة الإرهابي الذي يتزعمه أسامة بن لادن، يعتقد الباحث المغربي الدكتور العجلاوي أن تركيز تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” على أسلوب التفاوض من أجل الحصول على فدية يجسد “ارتباط هذا التنظيم بمصالح اقتصادية عبر شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات وليس فقط بالخلفيات الأيديولوجية السلفية المتشددة التي تربطه بتنظيم القاعدة”.
وأضاف الخبير المغربي أن قراءة بيانات تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” يحيل إلى بعض الأهداف الأيديولوجية ذات الطابع الإقليمي مثلاً من خلال مناداته بـ”تحرير الأندلس من إسبانيا” أو مهاجمة ” المسيحيين في نيجيريا”. وفي تحليله لأبعاد الخطاب الذي يوجهه تنظيم القاعدة في الآونة الأخيرة إلى المسلمين في نيجريا ومهاجمته للمسيحيين، يعتقد الباحث الفرنسي غيدار أن “نيجريا ليست بعد قاعدة للإرهاب ولكنها تتعرض لاختراقات من قبل الجماعات الإرهابية التي تستقطب عناصر لها من هناك مستغلة أوضاع البلد الهشة أمنياً والمتفجرة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية”. وشهدت نيجيريا في الآونة الأخيرة ظهور تنظيم قريب من توجهات حركة طالبان ويدعى “بوكو حرم” وهي عبارات محلية نيجيرية تعني باللغة العربية “دولة إسلامية خالصة”.
وحول خلفيات استهداف السياح الغربيين من قبل تنظيم “القاعدة” في هذه المنطقة يرى الباحث الفرنسي غيدار أن التنظيم يسعى إلى”ضرب قطاع السياحة وبالتالي إضعاف اقتصاديات بلدان المنطقة ودفع حكوماتها إلى التخلي عن الاعتماد على السياحة” موضحاً أن “السياح الغربيين في المنظور الأيديولوجي لتنظيم القاعدة هم وافد سلبي يتعين إبعاده من بلدانهم لأنه يجسد الإمبريالية والاستعمار”.
 
الجماعات الإرهابية “بقع عائمة” في الصحراء
ومن جهته، يشبه الخبير المغربي الدكتور العجلاوي تواجد الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء بـ”بقع زيت عائمة” لأنها متحركة كالرمال في هذه المنطقة الصحراوية، وهو ما يجعل “خطرها متنقلا بين بلدان المنطقة” كما يقول. وحول تحليله لحجم التعاون الدولي في مكافحة هذه الظاهرة يعتقد الخبير المغربي أن” التعاون القائم حاليا غير كاف ويتعين مضاعفته” مشيرا في هذا الصدد إلى أن بعض دول المنطقة تغلب الاعتبارات السياسية المحلية على حساب “الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في القضاء على الإرهاب”.
وقال الدكتور العجلاوي إن بلدان المنطقة بحاجة إلى تنسيق سياساتها مع إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية مشيرا إلى أن “منطقة المغرب العربي والساحل والصحراء تشكل امتداداً أمنياً واستراتيجياً لأوروبا”. ولاحظ الخبير المغربي أن الإمكانيات المحلية لدول المغرب العربي أو بلدان الساحل “لا تمكنها بمفردها من مراقبة حدودها الشاسعة على امتداد الصحراء الكبرى”، مشيرا في هذا الصدد إلى أن الجزائر -التي تعتبر أكبر دولة في المنطقة ولها إمكانيات اقتصادية وعسكرية كبيرة- لم تستطع نشر سوى 12 ألف عسكري على امتداد سبعة آلاف كيلومتر من حدودها مع النيجر ومالي وموريتانيا.
وكانت الجزائر وموريتانيا قد أعلنت في الآونة الأخيرة فرض نقاط عبور معينة على حدودها الصحراوية، في محاولة لإحكام سيطرتها الأمنية على الحدود. من جهتها وضعت الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية مبادرات للتنسيق والتعاون الأمني مع بلدان المنطقة ونفذت في هذا الصدد عدة عمليات تدريب ومناورات بمشاركة قوات غربية وقوات من الجيش والشرطة ببلدان المنطقة.

المصدر: http://www.dw-world.de/dw/article/0,,5216652,00.html

-- منصف السليمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*