الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإرهاب النسائي .. خصوصية تعيق المناصحة وتصعِّب الكشف عن المتطرفات

الإرهاب النسائي .. خصوصية تعيق المناصحة وتصعِّب الكشف عن المتطرفات

كشف لـ «عكاظ» مصدر مطلع، أن هيئة الخبراء في مجلس الوزراء شرعت في الإعداد لنظام متكامل على هيئة مواد يشكل أرضية لمحاكمات ممولي الإرهاب، لافتا إلى أن ذلك «لا يعني عدم النظر في القضايا الحالية المعروضة على المحاكم المتخصصة». وبين المصدر أن النظام يحوي 65 مادة ونتج عن دراسة مطولة لوزارة الداخلية، لافتا إلى أن النظام يتضمن الجرائم المتفرعة من الإرهاب ومنها: التنظيم، التأسيس، التمويل، التحريض، المشاركة، التخطيط، والمساعدة. كما أن لكل صنف منها سقفا أدنى ومتوسطا وأعلى.
وأوضح المصدر أن وزارة الداخلية استعانت بعدد من الخبراء واستفادت من أنظمة الإرهاب التابعة لعدد من الدول المتقدمة، وأن مندوبي أربع جهات حكومية وقفوا على المشروع قبل رفعه إلى هيئة الخبراء، لافتا إلى أن النظام يأخذ دائرته التنظيمية ابتداء من هيئة الخبراء مرورا بمجلس الشورى حتى يتم اعتماده من المقام السامي. وذكر المصدر أن مشروع النظام انطلق من الوزارة حرصا منها على تدقيق الوصف الجرمي لجرائم الإرهاب وما يتفرع عنها؛ نظرا لتسارع وتيرة الأعمال الإجرامية المتعلقة بالإرهاب.
وهنا أوضح رئيس لجنة المحامين في المدينة سلطان بن زاحم أن النظام في ـــ حال اعتماده ــــ يسهل للمحقق والقاضي تصنيف الجريمة للنظر في تكييفها وإنزالها على القاعدة الجرمية، كما يساعد الجهة الجنائية المسؤولة في حالة التحقيق والقضاء، ويضيق دائرة الاجتهاد في جهات التحقيق والمحاكمة.
وأوضح ابن زاحم أن النظام سيسعى إلى بث ثقافة الأنظمة المتعلقة بالإرهاب للمجتمع حتى يتعرفوا على الصور المندرجة تحت جرائم الإرهاب ولا يقعوا فيها، مشيرا إلى أن للمحامين الحظ الوافر في نشر هذه الثقافة.
وفيما تشير إحصائيات إلى أن 90 في المائة من النساء السعوديات اللاتي نصحوهن عبر حملة السكينة قد تعاطفن مع الأفكار المنحرفة نتيجة تأثر عاطفي بحت، دون قناعات علمية أو شرعية عبر الإنترنت، فإنها تؤكد أيضا انحسار هذا المد وتراجع المغرر بهن بنسبة تصل إلى 50 في المائة.
ثمة مشكلة أخرى تتمثل في الإرهاب النسائي، تكمن في أن المجتمع السعودي يعطي المرأة خصوصية معينة، لا يستطيع معها أحد أن يسأل المرأة عن هويتها أو يكشف عنها، ما يشكل خطرا على أبعاد أخرى قد لا تتضح الآن جليا.
«عكاظ» طرحت قضية التطرف النسائي من وجهتين: الأولى الإرهاب الجديد، وهو استخدام النساء لتنفيذ أعمال دعم لوجستي، كجمع الأموال والتجنيد وتوفير الأماكن الآمنة للعناصر المطلوبة، والجزئية الثانية في التحقيق تتحدث عن أسباب بروز التطرف النسائي في السعودية في أسر المتطرفين ومدى نجاح لجان المناصحة في الحد من انتقال هذا الفكر من رجال الأسر إلى نسائها وأبرز الحلول لمواجهتها في سياق التحقيقين التالييين:
جرائم التمويل
أكد القاضي الدكتور محمد المقرن أن القضاء السعودي نظر في كثير من قضايا جرائم تمويل الإرهاب، وأصدر بحق المتهمين أحكاما متفاوتة، مبينا أن التعميم الذي وجهه رئيس المجلس الأعلى للقضاء لا يعني اشتراك جميع المحاكم في النظر في قضايا من هذا النوع، وإنما هي محكمة متخصصة في جرائم الإرهاب.
وأفصح أن «المحاكم نظرت في عدد كبير من قضايا التمويل، كما أن المحاكم التي تتولى النظر في هذه القضايا محددة وليست كلها».
وبين المقرن أن تقدير العقوبة يعتمد على نظر القاضي ورؤيته في القضية، ولا يمكن أن تتحد الأحكام في هذه القضايا، مشيرا إلى أنه يختلف الحكم باختلاف الوقائع والظروف المحيطة ووجود سوابق للمتهم، كما أنه لا يمكن إصدار حكم واحد في قضايا متعددة، فالأحكام تختلف بتنوع الدوافع والظروف المشار إليها.
وأضاف: تتنوع الأحكام باختلاف الفساد والضرر المترتب من الجريمة، مشيرا إلى أنه لا يمكن تحديد حكم معين لقضايا تمويل الإرهاب، ولا يمكن توقع أحكام معينة بشأنها، موضحا «لا يمكن البت في قضايا تمويل الإرهاب إلا بالنظر في جميع جوانبها ولا يمكن الاعتماد على أمور أخرى، سوى الأدلة والقرائن والاعترافات».

 

ولفت المقرن إلى أن القضاء لا يفرق بين الممول إذا كان ذكرا أو أنثى، فكل من يحدث أفعالا إجرامية أو تخطيطا للإرهاب لا بد أن يخضع للمحاكمة، موضحا أن القضاء يعد ممول العمليات الإرهابية والدافع لها مجرما ومشتركا في الإثم.
وذكر المقرن أن القضاء يرى أن صور التمويل متعددة وكثيرة، منها، التمويل بالكلمة، مبلغ مالي، التخطيط، التدبير، الدعم المعنوي، أو أي عمل يدفع من وراءه لعمل إرهابي.
دليل عجز
اعتبر المشرف على كرسي الأمير نايف للأمن الفكري أن تجنيد النساء من قبل القاعدة دليل على عجزه ووهنه، وذلك بعد أن تم تمزيق شبكاته، ما ألجأهم إلى سلوك هذا الطريق، موضحا أن هذا دليل على أن القاعدة أجبرت بعد تكفيكها إلى فقد المبادرة والاكتفاء بردود الأفعال.
وأوضح الدريس أن استخدام تنظيم القاعدة للنساء لم يكن وليد اللحظة، إذ أنهم كانوا يهتمون بهذا الجانب منذ وقت طويل، مبينا أن عددا من الوثائق والدلائل تؤكد ذلك.
وأضاف: جاء اهتمام القاعدة بالمرأة، لكونها أقدر من الرجل بحكم العادات والتقاليد في المجتمع التي تمنح المرأة حق التخفي والتستر، ما يدحض أي ريبة تقع عليها، موضحا أن استخدامهن يتمثل في أمور منها التبرعات والوعظ والتمويل والتجنيد النسائي ولعب دور الوسيط المأمون أكثر من الرجل.
ووصف المشرف على كرسي الأمير نايف للأمن الفكري تنظيم القاعدة بأنه ميكافيلي، إذ أنه يبيح المحرمات لتنفيذ أعماله الإجرامية، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، موضحا «لا يستغرب من هذا التنظيم المفسد أن يستخدم أي أمر يصل به إلى أغراضه الخبيثة، فإخوانهم في بلد آخر أفتاهم جهلتهم بجواز استعمال الأطفال في عمر الزهور في عمليات انتحارية، بل استعملوا حتى النساء المعاقات عقلياً لتنفيذ مثل تلك الأعمال الدنيئة».
دور لوجستي
وفيما عد المتخصص في شؤون الإرهاب الدكتور يوسف الرميح دور المرأة الإرهابية خطيرا، واصفا إياه باللوجستي، فإن المدير العام للتوعية العلمية والفكرية في وزارة الشؤون الإسلامية الدكتور ماجد المرسال يؤكد أن التيارات المتطرفة تستغل المرأة في المساندة والدعم المادي، ويصل ذلك إلى تجنيدها في عمليات إرهابية.
الجهل والعاطفة
وعزا المرسال تورط نساء في أعمال إرهابية إلى الجهل والعاطفة دون وعي بخطورة التنظيمات الإرهابية التي تستخدم سلاح العاطفة في صور متعددة لجذب المرأة، مثل بث الصور والأناشيد الحماسية والخطب الرنانة والقصص المحرفة.
وبين المدير العام للتوعية العلمية والفكرية أن تطرف أحد أقارب المرأة يجعل المرأة أكثر عرضة للعدوى بالفكر المنحرف، داعيا إلى تكثيف جهود التوعية والتوجيه في المجتمعات النسائية، وتحصين النساء فكريا من التطرف بتفعيل دور المرأة في المناصحة.
التحليل النفسي
ويرى الكاتب والمحلل يوسف الكويليت أن خروج هيلة القصير كنموذج للمرأة الإرهابية من عائلة منفتحة وكونها امرأة جامعية، يدعو إلى إخضاعها للتحليل النفسي، لافتا إلى أن «مبدأ الانتقام بسبب زوجها الذي راح ضحية عمل إرهابي مماثل، لم ينسحب على أخريات عانين نفس المرارة وغسيل الأدمغة، وقد وجدت حالات مشابهة في العراق».
واعتبر الكويليت أن الصدمة التي أصيب بها المجتمع، جاءت نتيجة لعدم مواجهة حالات أخرى تدخل فيها المرأة إلى عالم المغامرة المجهولة والانخراط في الإرهاب، موضحا «لا بد أن نصل إلى التعليل الذي يوصلنا للحقيقة، ومعرفة ما إذا كانت هذه الحالة فريدة أم قابلة للتوالد».
استغلال الأعراف
وأبدت المتخصصة في شؤون الأمن الفكري بينة الملحم تخوفها من استغلال تنظيم القاعدة لقيم وأعراف المجتمع لصالح أهدافه، معتبرة أن تدني الوعي الثقافي للمرأة يسهل اختراقها فكريا من خلال أسهل البوابات ولوجا وهي بوابة التدين واستنهاض بعض القيم الدينية التي تخدم مصالح التنظيم كالشهادة في سبيل الله وطلبها وتمنيها وطاعة الأب أو الزوج من طاعة الله.
ورأت الملحم أن رصد التطرف النسائي أمر صعب في ظل عدم وجود مصطلح متفق عليه حياله، إضافة إلى عدم وجود مؤشرات تدل على تطرف المرأة بخصوصيتها المجتمعية وتداخل ذلك مع الخصوصية الشكلية مع كثير من القيم الشرعية التي اختطفها الفكر الإرهابي.
كما لاحظت الملحم أن صعوبة رصد التطرف النسائي يكمن أيضا في ندرة الدراسات العلمية حول موضوع تطرف المرأة من واقع الميدان المحلي الأمر الذي تنبه له كرسي الأمير نايف في أنشطته البحثية.
واعتبرت الملحم أن الثقافة المجتمعية ظلمت المرأة بتغييبها عن المشاركة الثقافية العامة، أو تضييق قنواتها الرسمية التي تخضع للمراقبة والمتابعة، الأمر الذي حصر النشاط الطلابي النسائي في الأنشطة اللاصفية الجامعية أو المدرسية التي تشرف عليها جهات رسمية وتكون في نفس الوقت عرضة للاختطاف من تيار فكري معين.
المواقع والمنتديات
وكشفت حملة السكينة التي تشرف عليها وزارة الشؤون الإسلامية أن النساء يدرن 40 في المائة من المواقع الإلكترونية والمنتديات التابعة لتنظيم القاعدة والمتعاطفة، معتبرة أن هذه النسبة كبيرة جدا.
وأفاد مدير الحملة عبدالمنعم المشوح أن الحملة تحركت للتصدي لمحاولات التنظيمات الإرهابية لاستخدام النساء في الدعم اللوجستي، مشيرا إلى إنشاء قسم نسائي داخل الحملة يستهدف المنتديات النسائية، ويسعى لتعزيز الوسطية والاعتدال ونبذ الغلو والعنف.
متابعة قديمة
وهنا يوضح أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود الدكتور علي الخشيبان أن الإرهاب النسائي ليس وليد اللحظة، خاصة فيما يتعلق بالنشاطات النسائية في القاعدة، مبينا أن متابعة الأمن السعودي له قديم جدا.
وذكر الخشيبان أن معلومات عديدة تكشفت حول الإرهاب النسائي، وخصوصا فيما يتعلق بالنساء التي استعدن من باكستان وأخريات مثل هيلة القصير وغيرها ممن شاركن في تجنيد ودعم القاعدة.
ولاحظ أستاذ الاجتماع في جامعة الملك سعود أن المرأة ليست مستدرجة أو مغلوب على أمرها، وإنما لها دور فعال يفوق بعض الرجال أحيانا، مشيرا إلى أن تنظيم القاعدة درج مبكرا في إبراز الجانب النسائي له.
ورأى الخشيبان أن النساء الإرهابيات لديهن نفس الأفكار التي يعتنقها الرجال؛ لأنهم جميعا تعرضوا لنفس المرحلة الصحوية التي أودت بكثير من الأفراد إلى الإنحراف والتعاطف غير المدروس والمحسوب مع تنظيمات مثل القاعدة.
وعد الخشيبان جانب النساء أخطر من الرجال؛ لأن المجتمع السعودي يمنح المرأة حقا في ستر هويتها وعدم كشفها، داعيا إلى إعادة التفكير في إعطاء المرأة كشفا أكثر لشخصيتها، فهي تتنقل دون أن تطالب بهويتها، الأمر الذي يجعلها تمارس جمع الأموال والتجنيد أكثر من الرجل نفسه.
عناصر أخرى
وأوضح أستاذ علم الاجتماع أنه «لا يمكن الجزم بأن هيلة القصير الأخطر، فربما توجد من هي أخطر منها، ولم يتم الكشف عنهن»، مشيرا إلى أن أنشطة هيلة أصبحت في الفترة الأخيرة أكثر من السابق، وخصوصا في اتصالها المباشر بأعضاء القاعدة من الرجال الذين ليسوا من محارمها الشرعيين، مرجعا السبب في ذلك إلى أنها «كانت تدير وتنفذ برنامج القاعدة الخاص بالتفجيرات».
وعن علاقة هيلة بالخنساء، أفصح الخشيبان أن ذلك أمر طبيعي، «فالخنساء كانت تدير موقعا إلكترونيا ومن الطبيعي أن يتقاطعا في دعم تنظيم القاعدة وخاصة في المجتمع النسائي، وكلاهما يبحث عن النساء».
إدراك مبكر
واعتبرت أستاذة تاريخ المرأة في جامعة الملك سعود الدكتورة هتون الفاسي أن الظروف الاجتماعية القاسية تعتبر معيارا مهما في تطرف المرأة، مثل «تهميش المرأة وضيمها المرتبط بعنف أسري أو حرمان من أطفال أو تعليق دون طلاق أو اعتداء وغيره من الظروف الاجتماعية المعروفة والتي تضعف البيئة القانونية في البلاد العربية عن حلها والتعامل معها وتحولها إلى قنبلة موقوتة ولقمة سائغة في يد من يعطيها أملا بحياة أفضل في عالم آخر، ومن يعطيها الفرصة للانتقام من المجتمع الذي ساعد على إيقاع الظلم بها أو وقف متفرجاً على ما يقع عليها».
أكثر تعقيدا
لكن الفاسي ترى أن الوضع في المشهد السعودي أكثر تعقيدا مما يجري في العراق، مرجعة السبب في ذلك إلى «أن هناك أكثر من بعد يساعد في عملية التجنيد في مجتمعنا من بينها، استغلال قيم وأعراف المجتمع القائمة، انعدام استقلالية فكر المرأة لا سيما في الأوساط التي تعتبر المرأة جزءاً من أملاك الرجل، تدني الوعي الثقافي للمرأة كذات مستقلة، واستغلال استراتيجية المصاهرة الجهادية من خلال قضية المحرم.
ورأت الفاسي أن ما يحصل يدعو إلى «مراجعة أخص التفاصيل الثقافية وأكثرها خصوصية وحساسية لتنقية ما يمكن تنقيته مما يستغل ويضاف بدعاوى مختلفة كسد الذرائع»، متسائلة عن دور هذا المبدأ الفقهي في التسبب في وظيفة عكسية، وخصوصا فيما يتعلق بقضية كشف المرأة عن وجهها لإظهار هويتها.

* وفاء الشهري تهرب إلى اليمن لتنضم إلى زوجها سعيد الشهري قائد تنظيم القاعدة في اليمن «الزمان: قبل عام ونصف العام».
* القبض على هيلة القصير بتهمة تمويل المتطرفين في المملكة «الزمان: قبل ثلاثة أشهر».
يبدو المشهد أكثر سينمائية وأنت تسمع بانضمام امرأة سعودية إلى تنظيم القاعدة وانخراطها بشكل عملي، وتحولها من مجرد التبعية الفكرية إلى الفعل والتمويل والقيادة.
شكل خروج وفاء الشهري كوجه نسائي في تنظيم القاعدة بعد هروبها من السعودية إلى اليمن للالتحاق بزوجها، صدمة ومفاجأة في كافة الأوساط؛ كونها المرأة الأولى التي تعلن على الملأ انضمامها لأصحاب الفكر الضال، ولم تكد تهدأ الصدمة بخروج وفاء، حتى جرى الكشف عن القبض على هيلة القصير التي لم تكتف بالتبعية فقط، بل تحولت للتمويل والقيادة في خطوة جريئة وغير مألوفة إلا عند بعض الباحثين والمتخصصين في شؤون الإرهاب.
ورغم غياب الدراسات البحثية والعلمية الدقيقة، التي تعطي تصورا دقيقا عن التطرف النسائي في المملكة، إلا أن ما هو مثير في قضية وفاء الشهري وهيلة القصير ما يجمع بينهما وهو انتمائهما لأسر تورط بعض أفرادها في الإرهاب وقتل وأوقف جزء آخر منهم، مما يعني أن هناك قصورا في البرامج التأهيلية لهذه الأسر بشكل دقيق، خصوصا لدى النساء؛ وهو ما أكده المشرف على كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري الدكتور خالد الدريس عندما كشف لـ «عكاظ» أن هيلة القصير لم تخضع لأي برنامج تأهيلي بعد مصرع زوجها.

فاشتد تأثرها عاطفيا وتلقفها تنظيم القاعدة يغذيها بأكاذيبه عن مقتل زوجها حتى تشبعت نفسها حقدا.
هذا التأثر عزاه الباحثون في شؤون الإرهاب إلى طبيعة المجتمع الذكوري المهيمن على فكرة المرأة الذي يحولها إلى مجرد تابع له، وفي المقابل، فإن البرامج التأهيلية والتوعوية الموجهة لها قليلة، قياسا بندرة وجود التطرف النسائي من جهة وصعوبة تنفيذها؛ سواء مع أسر المتطرفين أو غيرهم لطبيعة المجتمع النسائي المنكفئ على نفسه.
وتبقى مشكلة الإرهاب النسائي مرجحة للتوسع، خصوصا في ما يتعلق بأسر المتطرفين والموقوفين أمنيا ما لم تتكاتف الجهود للاهتمام أكثر بتوعية هذه الأسر وتخصيص برامج لتأهيل ومناصحة النساء بشكل عملي وموسع لضمان الحد من هذه المشكلة الحساسة والخطيرة في آن معا.
«عكاظ» فتحت ملف القضية وتساءلت عن أسباب ظهور التطرف النسائي في أسر المطلوبين والموقوفين أمنيا؟ وهل برامج التأهيل والمناصحة ركزت عليهن وتابعتهن بشكل دقيق؟ ومدى وجود برامج تأهيلية نسائية فعالة في المجتمع؟ وأبرز الحلول لمواجهة التطرف النسائي في سياق التحقيق التالي:
تحدث المشرف على كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري عن ظهور التطرف النسائي في أسر المطلوبين بقوله «حذرت منذ أشهر مضت من خطورة عدم التفاتنا كمؤسسات حكومية إلى تصميم برامج توعوية بكفاءة عالية مخصصة لأسر المطلوبين أمنيا والموقوفين، وأسر الذين سقطوا في المواجهات الأمنية»، مضيفا «إن تلك الأسر هي أكثر من غيرها مظنة أن يخرج منها رجال أو نساء يحملون الأفكار نفسها، وذلك لأسباب عديدة قد يضيق المقام عن ذكرها»، وطالب الدريس بإيجاد دراسات علمية رصينة شاملة عن أسر المنتحرين والمطلوبين أمنيا والموقوفين منهم من كل الجوانب اجتماعيا ونفسيا وثقافيا، وعلل طلبه لهذه الدراسات بقوله «إن مثل هذه الدراسات نابعة من حاجتنا إلى التركيز على تلك الأسر من حيث التوعية والتحصين الفكري»، ولاحظ الدريس «أن عضوا واحدا يستطيع أن يؤثر على الآخرين داخل أسرته مما سمح بتكرار ذلك في حالات ليست بالقليلة كانت لافتة للنظر».
أسر المطلوبين
ووافق الباحث في شؤون الإرهاب فارس بن حزام رأي الدريس، مشيرا إلى أن ظهور عناصر نسائية من أسر الموقوفين والمطلوبين أمنيا يدعونا إلى التوقف عند هذه الأسر، ومراجعة حالتها الفكرية، مؤكدا أنه لا مبرر لاستمرار إنتاج عناصر جديدة للتنظيم من أسرة واحدة، رغم الأوجاع التي ألمت بها من صنيع أبنائها، ولا أن تقبل أسرة بتزويج ابنتها إلى عنصر يلتقي فكريا وزوجها، الذي قضى نتيجة ما فعل، وبين ابن حزام أن سلوك بعض هذه الأسر يدل على خلل فكري تعانيه، مما يستوجب العناية بها جيدا، ومعالجتها فكريا لتجاوز تطرفها، لافتا إلى وجود أسر عاجزة تماما عن السيطرة الفكرية على أبنائها، داعيا إلى عدم ترك هذه الأسر وشأنها.
وهو ما شددت عليه عضو لجنة المناصحة الأكاديمية الدكتورة فاطمة السلمي عندما أشارت إلى أن تأثر المرأة بأفكار أسرتها يعود إلى غلبة العاطفة على العقل عندها، مبينة أن مقتل أو انتحار إرهابي على مرأى من زوجته أو أمه أو أية قريبة له سيثير العاطفة لديها دون التفكير في عمله الإجرامي، مؤكدة أن هذا الأمر سيشعل نار الحقد والرغبة الكيدية في اقتفاء الأثر والنيل من رجال الأمن أو الشعب الآمن، ولاحظت السلمي من خلال عملها في لجان المناصحة النسائية إلى أن هذا الأمر لا يمثل قاعدة؛ لأن هناك نساء ضد الأعمال الإرهابية حتى إن كان زوجها أو ابنها أو قريبها إرهابيا، مشيرة إلى وجود نساء أبلغن عن أعمال تخريبية متوقعة الحدوث.
الثقافة الذكورية
واعتبرت وكيلة كلية الدعوة وأصول الدين للتطوير الأكاديمي وخدمة المجتمع والباحثة في الأمن الفكري الدكتورة لؤلؤة بنت عبد الكريم القويفلي أن خروج نساء متطرفات من أسر الموقوفين والمطلوبين أمر طبيعي، معللة ذلك بأن سلوكيات الفرد تتأثر بالجو النفسي للمجموعة التي ينتمي إليها، ككسب رضا وموافقة ومشابهة الآخرين، والإعجاب بأفكارهم وإن كانت منحرفة.
وفي الوقت الذي رأت فيه الدكتورة فاطمة السلمي أن الثقافة الذكورية في المجتمع السعودي ليس شرطا في تبعية المرأة للتنظيمات الإرهابية بسبب انضمام أحد أفراد عائلتها لها، فإن الدكتورة لؤلؤة القويفلي خالفتها الرأي عندما أشارت إلى أن للثقافة الذكورية المتطرفة التي تسود تلك الأسر المتطرفة دورا كبيرا، ودللت القويفلي على ذلك بوجود عنصر نسائي منظم للجماعات المتطرفة داخل هذه الأسر بصرف النظر عن نوع نشاطها ومشاركاتها.
عالم المرأة
ووافق الكاتب والباحث محمد المحمود رأي القويفلي في أن طغيان الثقافة الذكورية هو حول بعض نساء أسر المتطرفين إلى إرهابيات، وأرجع المحمود ذلك إلى أن عالم المرأة في المملكة مغلق، واصفا أن المرأة لدينا ابنة محيطها أكثر من الرجل، لذلك فإن دائرة التأثر والتأثير ضيقة مقصورة على حدود الأقارب وزميلات المدرسة.

 

وهنا يؤكد عضو لجان المناصحة رئيس الدراسات المدنية في كلية الملك فهد الأمنية المتخصص في علم النفس الدكتور ناصر العريفي أن تأثر المرأة بالمحيط الذي حولها يدفعها لاعتناق هذا الفكر والدفاع عنه ومحاولة الانتقام من كل من يحارب هذه الأفكار وإن كانت خاطئة، واستدل بذلك على هيلة القصير التي اعتنقت أفكار زوجها وعندما قتل تولدت لديها رغبة في الانتقام وأقدمت على ما فعلته رغبة في الانتقام. وأفاد العريفي أن رغبة المرأة في الانتقام تولد عنفا شديدا لديها يوزاي الرجل بل يتفوق عليه بأضعاف مضاعفة، محذرا من عدم الاهتمام بنساء أسر المتطرفين فكريا.
تيار الصحوة
لكن الكاتب والباحث في شؤون الإرهاب الدكتور علي الخشيبان رفض اقتصار تأثر المرأة بأسرتها المتطرفة، مبينا أن النساء وغيرهم في المجتمع تأثروا بتيارات الصحوة التي غزت المجتمع خلال العقود الماضية. واعتبر الخشيبان أنه «من الطبيعي في كل مجتمعات العالم أن يتأثر أفراد الأسرة بالمحيطين بهم فما بالك في مجتمعنا، حيث يمارس الذكور سلطة مقرونة بتعاليم دينيه غير مؤصلة حول وجوب سيطرتهم على النساء من حولهم»، ولفت الخشيبان إلى أن غياب الحقوق المدنية للنساء جعلهن تحت سيطرة الرجال بكل مقتضيات وحاجاتهن الحياتية.
ولفت الخشيبان إلى أن هذه التبعية جعلت النساء يؤدين أدوارا خطيرة تفوق الرجال خلال السنوات الماضية، ورأى الباحث في شؤون الإرهاب أن النساء متورطات بالإرهاب منذ اللحظة الأولى لعمليات القاعدة في المجتمع، وتوقع الخشيبان أن رقم النساء المتطرفات سيزداد وسوف تحتل النساء المراتب الأولى في تمويل العلميات الإرهابية.
دور المناصحة
وأمام خطر التطرف النسائي تبرز البرامج التوعوية والتحصينية والتأهيلية وعلى رأسها برنامج المناصحة الذي بدأ يخطو في اتجاه تفعيل جانب المناصحة النسائية، وهو ما أكده المنسق العلمي للجان المناصحة الدكتور سعيد الوادعي، مبينا أن برامج المناصحة كانت في السابق مقتصرة داخل السجون ثم توسعت وبدأت تأخذ مسارا أكبر، حيث دخلت بعض البيوت التي فيها مؤشرات على تطرف بعض ذويها، وأوضح الوادعي أن لدى المناصحة فرقا نسوية تزور المدارس والتجمعات النسائية وغيرها، مؤكدا أن هناك توسعا كبيرا في استقطاب نساء مؤهلات من تخصصات شرعية ونفسية واجتماعية للعمل في لجان المناصحة والاهتمام بجوانب مناصحة النساء في بعض الأسر المتطرفة، ولفت الوادعي إلى دور مركز الأمير محمد بن نايف للرعاية والمناصحة أيضا في مجال التوعية والتأهيل.
لكن الكاتب والباحث محمد المحمود رأى أن النساء لم تتأثر بالمناصحة؛ لأن التأثر ـــ وفق رؤيته ـــ تحتاج إلى مراجعة الثقافة الأولى، وأضاف «هذه المراجعة تحتاج أن يكون صاحبها قد مارس المراجعة الذاتية من قبل، أي مارس النقد الذاتي، وهذا ما لا يوجد لدى ضحايا الفكر المتطرف خاصة النساء» مشيرا إلى أن معظمهن قد تم ترويضهن منذ البداية كمفكر عنهن وليس كمفكرات، موضحا بقوله «عندما يكون المناصح أو المناصحة هو المفكر البديل، فلن يجدي؛ لأنه سيرتطم بعائق الغرابة أي بكونه غريبا».
وشدد المحمود على وجود خلل كبير في المناصحة، خصوصا لدى النساء؛ لأنها تعالج النتائج ولا تبحث في البنية الأساس الموجودة في الثقافة السلفية التقليدية.
وأمام هذا الهجوم من المحمود، اعترفت عضو لجان المناصحة الدكتورة فاطمة السلمي بمحدودية دور الجهات المعنية بمناصحة النساء، مرجعة ذلك لقة العدد وليس الطريقة كما رأى المحمود.
وبينت السلمي إلى أنه عند مقارنة المناصحة الرجالية بالنسائية فإن أعداد الرجال تفوق النساء، موضحة أن الرجال يخصص لهم برامج كاملة للمناصحة، بينما المستثنى من النساء لهن مناصحة فردية متى ما لزم الأمر.
تخصيص برامج
ورأت الســــــــــــــلمي إلى عدم الحاجة لتخصيص برامج متخصصة لمناصحة النساء المتطرفات قائلة: «لم يصل عدد النساء لدينا إلى أن يستوجب أن يخصص لهن برامج مناصحة كالتي تقام للموقوفين»، واستدركت عضو لجان المناصحة «لكن لا بأس من برامج توعوية لأسر المتطرفين ولكن كل أسرة على حدة ولا أفضل أن تكون تلك البرامج لمجموعات أسرية».
ورفضت السلمي حكم المحمود بعدم فاعلية المناصحة النسائية بقولها: «لا نستطيع أن نحكم على المناصحة النسائية من الآن ــ فما تم لا يتعدى برامج توعوية ــ أما المناصحة النسائية فلا نستطيع الحكم حتى نجني الثمار، فكل خطة تنفذ لا يمكن الجزم بنجاحها مالم نرى نتائجها الإيجابية، خاصة أن هذه القضية تعد جديدة على مجتمعنا».
واعتبر الباحث الدكتور علي الخشيبان أن القضية أبعد من لجان المناصحة، حيث تمارس هذه اللجان عمليات تقويم فكري في زمن محدد وفي ظروف أمنية محددة مما يجعل فكرة المناصحة خاضعة للظرف الذي وجدت فيه، مستبعدا قدرتنا على الحكم على نتائجها، ورأى الخشيبان أن هذه اللجان تجتهد بأداء عملها لكن المشكلة تكمن في ترسخ الفكر الضال في عقول أعضاء التنظيم سواء الرجال أو النساء، ووضع الخشيبان الكرة في ملعب مؤسسات التوعية في المجال الفكري لتقوم بدور أكبر ووقائي تبدأ من مؤسسات التعليم وتنهي عند بوابة كل أسرة في المجتمع.
العادات والتقاليد
وأرجع عضو لجان المناصحة الدكتور ناصر العريفي ضعف تطبيق المناصحة النسائية لظروف العادات والتقاليد في المجتمع، مشددا على أن وزارة الداخيلة لم تقصر في هذا المجال ودعمت ورعت أسر المطلوبين والموقوفين أمنيا ماديا ومعنويا.
وأفاد العريفي أنهم في المناصحة سبق أن اقترحوا عمل المرأة في برامج داخل البيوت، خصوصا لدى أسر المتورطين في العمليات الإرهابية، لكنه مع الأسف لظروف المجتمع كان هناك صعوبة في التواصل مع هذه الأسر إضافة لصعوبة عمل المرأة وسفرها وتنقلها ودخولها إلى المنازل، ولفت العريفي إلى أن الأمير محمد بن نايف مهتم شخصيا بهذه المسألة، مبينا أن هناك نساء يعملن في المناصحة ذهبن وناصحن بعض النساء المتورطات، واستدرك العريفي «لكن طبيعة المجتمع تعيق كثيرا من أعمال المناصحة والتأهيل النسائي»، واقترح العريفي إيجاد برامج توعوية نسائية خاصة تشارك فيها جميع الجهات خصوصا في وجود نساء يملكن تطرفا فكريا يفوق الرجال ومن الصعوبة الوصول إليهن، مستدلا على ذلك باستخدام تنظيم القاعدة للنساء في التمويل والتخطيط وجمع التبرعات سواء بشكل شخصي أو عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن وجود نساء دفعن أزواجهن لتنفيذ عمليات إرهابية داخل وخارج المملكة باسم الجهاد، ودعا العريفي الجميع للتعاون لمحاربة الفكر الضال خصوصا لدى النساء سواء عبر المدارس أو الجامعات أو وسائل الإعلام، مركزا على أهمية الإنترنت في استخدامه كسلاح للمناصحة في ظل صعوبة التواصل المباشر مع النساء.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*