السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المرسال لـ«الحياة»: كتابي راجعه «إرهابيون» سابقون… وسمّاه وزير «الشؤون الإسلامية»

المرسال لـ«الحياة»: كتابي راجعه «إرهابيون» سابقون… وسمّاه وزير «الشؤون الإسلامية»

روى المدير العام للتوعية العلمية والفكرية في وزارة الشؤون الإسلامية الدكتور ماجد المرسال، تجاربه مع غلاة حاورهم فعادوا بعد تحريرهم من شبه شتى، وهي نماذج لم ينشرها في بحثه. كما حكى لـ «الحياة» قصة كتابه «النذير»، الذي خصها بعرضه قبل طرحه للنشر. وقال: «من بداية الأحداث في المملكة والجميع يتحدث عن شبهات الغلاة، وأنها سبب رئيس من أسباب نشأة الغلو والعنف في المملكة وكانت هناك جهود طيبة ومحاولات للرد على الشبهات من جهات كثيرة، لكن على بعضها ملحوظات مهمة جعلتها غير مؤثرة.

من أبرز هذه الملحوظات أن بعض هذه الردود عامة في تحريم تكفير المسلم أو قتله بغير حق أو قتل المعاهدين بغير حق فإذا قرأه الغلاة قالوا نحن لا نخالف في ذلك ونرى أن تكفير المسلم أو قتله أو قتل المعاهد بغير حق حرام ولا يجوز لكننا نكفر ونقتل بحق ثم يذكرون لك الشبهات التفصيلية المتعلقة بالنواقض والتي لا يقنع فيها الكلام في التأصيل العام والردود العامة من دون مناقشة المسائل التفصيلية».

ووثق أن «بعض الردود تتفق مع الغلاة في تقرير أصولهم المتطرفة وتؤصل تكفير الحكومات ووجوب مقاتلة الكفار لكن تخالف الغلاة في التوقيت، وأن اختيار التوقيت لا يوافق قاعدة المصالح والمفاسد، وهناك ردود أخرى ترد بأسلوب مثير على استهداف بعض الرموز العلمية أو الدعوية أو حتى الجهادية ووصفهم بأبشع الأوصاف ويغفلون عن المناقشة العلمية للشبهات ما يجعلهم يرسخون الشبهات أكثر ويدفعون أصحابها إلى التمسك بها بسبب الاستفزاز».

وأضاف: «أشرعت في جمع الشبهات والرد عليها بتوجيه من الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ قبل خمس سنوات وبلغت إحدى وثلاثين شبهة مؤثرة في نشأة الفكر المغالي. ومنهجي في الرد تضمن العرض الموضوعي الموجز للشبهة من دون أي إخلال أو تشويه لها ثم تفكيكها وبيان ما فيها من الخطأ بالأدلة الشرعية والعقلية والواقعية وتأصيل المسائل تأصيلاً علمياً واضحاً وأكثرت النقولات عن العلماء على صحة ما جاء من ردود وتأصيلات شرعية. وافتتحت الكتاب بفصل عنونت له بـ (تساؤلات مشروعة) لأن هذه التساؤلات لا تأتي غالباً من الغلاة وإنما من المتعاطفين معهم الذي يرون أن مجرد الرد على الشبهات هو مداهنة للحكومات ويدخلون في النيات والمقاصد ونحو ذلك». أما أطرف من راجع الكتاب فقال عنهم: «كثير من العلماء والمختصين ذكرت بعضهم في مقدمته بل عرضته على بعض الشباب الذين تم الافراج عنهم في قضايا الفكر المتطرف، وذكروا أن هذه الشبهات فعلاً هي التي أوقعتهم في التطرف وأن الردود مقنعة جداً، وذكروا بعض الملحوظات أخذت في الاعتبار ومنها طلبهم زيادة الأدلة والتفصيل في بعض المسائل المتعلقة بالجهاد وفعلت ذلك». أما أبرز النماذج الذي استوقفته في جهده في المناصحة، الذي أسهم في إثراء كتابه، فكان بينها، كما روى:

يتوب عن العمليات الانتحارية

حصل ذات مرة أن قابلت أحد الموقوفين ممن لهم باع طويل في نشر أفكار القاعدة والمشاركة في أعمالها خارج المملكة في عدد من الدول وتربطه علاقة شخصية بقيادات التنظيم والمنظرين له من أمثال أبي محمد المقدسي وذكر لي أنه يبغضني في الله وأنه يقرأ لي من خلال ما ينشر لي في وسائل الإعلام وسألته عن ملاحظاته على ما أذكر فقال إنه غير صحيح وأن الأدلة الشرعية تخالفه وذكر مثالاً على ذلك العمليات الاستشهادية، وقال إنها جائزة بالإجماع وأنت تقرر تحريمها وأنه لا يحرمها إلا مداهن للنظام مخذل للمجاهدين فقلت ابن باز وابن عثيمين يريان تحريمها فقال إنهما ممن أضلوا الناس في هذا الباب وخالفوا الإجماع وداهنوا النظام، فسألته هل اطلع على كتابات المنظرين للقاعدة كأبي محمد المقدسي فأجاب بالإثبات وأنه اطلع عليها بل درسها وشرحها في معسكرات القاعدة في أفغانستان فقلت ما رأيه في العمليات الاستشهادية؟ فقال إنه يرى جوازها فقلت له وإن أثبت لك أنه يرى تحريمها وأن ليست من الوسائل المشروعة للقتال إلا استثناء وأنه أنكر على الزرقاوي توسعه فيها في العراق؟ فطلب إثبات ذلك من كتب المقدسي وحينما تم اثبت ذلك من كتب المقدسي تفاجأ وتراجع عن رأيه مما يدل على تعصب وهوى.

ومرة تمت مناصحة أحد الموقوفين وذكر أنه لن يتراجع عن قوله لأنه قابل بعض المناصحين ولم يقنعوه، وكان يقول إن ولي أمري الملا محمد عمر وأن قيادة المملكة كافرة خارجة عن ملة الإسلام لا بيعة لها ولا سمع ولا طاعة وكانت شبهته في الانضمام للمنظمات الدولية وحينما بحثنا معه المنظمات الدولية وتكييف وضعها في التشريع الإسلامي وأنها إنما هي نوع من المعاهدات، وبينا له التحفظات السعودية على ما يخالف الشريعة بالتفصيل عجب من تضليل كتب الغلاة وتجاهلهم لهذا التأصيل ولتحفظات المملكة وأعلن توبته ورجوعه عن مذهب الغلاة وأن ولي أمره هو خادم الحرمين الشريفين.

تنازل عن «الخلافة» بعد نقاش

آخر كان يرى عدم جواز صحة تعدد الدول الإسلامية وأنه لا بد من إقامة خلافة واحدة فذكرت له كلام العلماء في ذلك وأنها إذا حصل تعدد الولايات صحت ولاية كل سلطان في بلده، فكأنه لم يقتنع كثيراً فقلت له إن قادة تنظيم القاعدة يرون صحة إمارة البغدادي في العراق وصحة إمارة ملا عمر في أفغانستان وأن كل واحدة مستقلة عن الأخرى وأنهم لما سئلوا عن ذلك قال بصحة تعدد الولايات إذا وقع، فاقتنع تماماً وتراجع.

تأخر عليه المهدي المنتظر فتوسوس!

وآخر تمت مناصحته كان يرى أن المهدي سيخرج في السابع عشر من رمضان عام 1425هـ ويرى أنه سيقوم بإسقاط النظام، يقول فسجنت قبل رمضان بأشهر وبقيت أنتظر السابع عشر من رمضان وأتحسس الأخبار كلما سمعت صوتاً ظننت أنه خبر بخروجه حتى انتهى رمضان ولم يتغير شيء مما ولد لديه بعض الشكوك بعد ذلك في صحة أحاديث المهدي كردة فعل وأصابته بعض الوساوس والشكوك في بعض أصول الشريعة.

أقر بخطأ موقفه بواسطة حديث «ثقيف»

ذكرت لأحدهم ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم لثقيف في الطائف وإيذاءهم له وأنه لما رجع عرض ملك الجبال مع جبرائيل أن يطبق عليهم الجبلين العظيمين بمكة فقلت للموقوف ماذا لو كنت معه ماذا ستقول في حق من آذوا نبياً وليس رجلاً مسلماً فحسب؟

فقال أقول لملك الجبال لا يكفي أن تطبق عليهم جبلين خشية نجاة بعضهم من الجانبين وإنما أطبق عليهم أربعة أو ستة حتى لا ينجو منهم أحد. قلت له هل ترى أن موقفك أصوب من موقف النبي صلى الله عليه وسلم الذي عفا عنهم ورجى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشــرك به شيئاً، فأقر أن موقفه موقف عاطــــفي لا موقف شرعي. وبذلك حكم عليه بالبطلان.

«النذير» يحبط مفعول «قنابل التكفير» وينكر أسطـورة «دولة الخلافة»… ولبس الصليب «لا يخرج من الملة»!

ربما يكون الشق الذي تناول «الشبهات المتعلقة بالإمامة والجهاد والتكفير» في الكتاب الجديد، «النذير» ثاني أكبر زلزال ستواجهه ميليشيات «الغلاة» والإرهابيين في العالم، بعد الزلزال الأول الذي منوا به في أعقاب تراجع أخطر المنظرين فكرياً لتلك الجماعات في أنحاء مختلفة من العالم. في مصر والسعودية والجزائر والمغرب وفي ليبيا وموريتانيا أخيراً.

ومع أن الشبهات التي تضمنها فصل الكتاب «الثالث»، بلغت 31 شبهة، إلا أن معظمها، تم تناوله باستفاضة في السنوات الخالية، ولكن يظل التناول الجديد مختلفاً في نواح شتى، أقلها، الرد على الشبه ببضاعة التكفيريين أنفسهم، عبر توثيق أقوال المراجع التي يزعمون أنهم يقتبسون مشروعية أعمالهم من فتاواهم وكتبهم. فالكتاب على سبيل المثال يوثق منهج علماء السعودية من محمد بن عبدالوهاب إلى الأحياء ممن يحظون بصدقية عند التكفيريين، ويستشهدون كثيراً بأقوالهم (بعد تأويلها وتحريفها)، ناهيك عن آراء ابن تيمية وابن القيم وشخصيات صحوية مثل سفر الحوالي، فما من حجة إلا وتجد دحضاً من الصنف نفسه. وهكذا دواليك.

وإذا كان الرأي أو الفتوى تحتمل أن يقال إنها جاءت «مدارة للسلطة»، فإن الباحث يمضي في حشد أقوال المتقدمين فيها، كما هو الشأن في مسألة «عدم كفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الغالب»، ليكشف أن القول ليس رهن موقف سياسي أو ظرف جديد، بتوثيقه 14 شاهداً عليه من علماء وفقهاء، يعتبرون محل إجماع ذوي التوجه الجهادي على الأقل.

إجابات الشبه لا تبدو تعني التكفيريين وحدهم، ولذلك يتوقع أن تزعج وتفيد في الوقت نفسه أطيافاً واسعة، فهذه «الخلافة» مثلاً التي يتباكى عليها إسلاميون وقوميون، وتكاد تكون «مسلّمة» بين شرائح كثيرة، يثبت الكتاب أنها «مجرد وهم»، بعد الحسن بن علي (رضي الله عنه) الذي خلف أباه، وسلم أمر الأمة إلى معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، الذي بدأ تحويل الأمر إلى «ملك»، وكذلك كان العباسيون والعثمانيون، وما بينهما من حقب!

وبين القضايا المثيرة العمليات «الاستشهادية» أو الانتحارية، التي حمّل الكتاب الفقيه البارز يوسف القرضاوي وزرها، واعتبره حامل لواء إدخال النساء فيها، وهو بذلك بحسب الكتاب، أحدث بدعاً في الدين، وشرّع قتل الإنسان نفسه، والمرأة خصوصاً.

ولا تنتهي الشبه عند قضايا «فتاكة» كهذه، وإنما تتجاوز إلى مسائل فرعية، لكنها شديدة الحساسية عند أطراف من المهتمين بالعقائد، مثل «لبس الصليب» من غير اعتقاد تعظيمه، على هيئة وسام أو ساعة أو درع، فرأى أنه مباح، وكان الواقع العملي للناس في السعودية قديماً يثبت أنهم لا يرون به بأساً. إلا أن ما لم يكن متوقعاً هو إسناد هذا الرأي بقول للشيخ السعودي عبدالرحمن البراك!

تجدر الإشارة إلى أن طبيعة العمل الإعلامي تقتضي الاختصار، والتعامل مع مسائل كهذه يستوجب التفصيل والنقاش والحوار، لذلك العودة إلى «الكتاب» ضرورية للخروج بحكم نهائي في المسائل التي طرحها. في ما يأتي نماذج من الشبه.

الموقف من الدولة السعودية

على أن هذه القضية ليست بين الشبه التي عنون لها الباحث، إلا أنها تبرز بين أكثر المسائل إثارة في الكتاب، إذ تم توثيق تناقض التكفيريين، فبينما يستدلون بقول لابن إبراهيم الشديد في «تحكيم القوانين»، يتجاهلون استثناءه الدولة السعودية، وثناءه عليها، على اعتبارها تحكم بالكتاب والسنة، كما ينص على ذلك نظامها الأساس للحكم.

ويقول الباحث: «الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية في وقته، يحتج الغلاة بموقفه من القوانين الوضعية كرسالة تحكيم القوانين، وتجاهلوا موقفه من الدولة السعودية وشهادته لها بالحكم بالشريعة الإسلامية، وكان رحمه الله ملتزماً بالبيعة والجماعة والطاعة، منكراً على من خرج عن الولاية كما في مناصحته للإخوان الذين خرجوا على الملك عبدالعزيز رحمهم الله جميعاً، وكذلك كان جميع من نقلوا عنهم القول بتكفير من حكم القوانين كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شاكر والشيخ عبدالرزاق عفيفي وغيرهم (مثل ابن باز وابن عثيمين) وجميعهم يرون أن الدولة السعودية دولة إسلامية ويثنون عليها، وكانوا على صلة طيبة مع ولاة أمرها وكثير منهم عمل في مؤسساتها وجامعاتها رحمهم الله جميعاً». وفي خطوة يكشف عنها الستار للمرة الأولى في كتاب تتبناه وزارة الشؤون الإسلامية، أورد الباحث رد ابن باز على شيخه ابن إبراهيم، حول جزئية رأيه القاسي في «تحكيم القوانين»، وقال: «شفت رسالته ـ الله يغفر له ـ بل يرى ظاهرهم الكفر، لأن وضعهم للقوانين دليل على رضا واستحلال، هذا ظاهر رسالته رحمه الله، لكن أنا عندي فيها توقف، انه ما يكفي هذا حتى يعرف أنه استحله، أما مجرد أنه حكم بغير ما أنزل الله أو أمر بذلك ما يكفر بذلك مثل الذي أمر بالحكم على فلان أو قتل فلاناً ما يكفر بذلك حتى يستحله، الحجاج بن يوسف ما يكفر بذلك ولو قتل ما قتل حتى يستحل، لأن لهم شبهة، وعبدالملك بن مروان، ومعاوية وغيرهم، ما يكفرون بهذا لعدم الاستحلال، وقتل النفوس أعظم من الزنا وأعظم من الحكم بالرشوة».

الولاء والبراء

بقولهم: «الدول المعاصرة كفرت حينما نقضت عقيدة الولاء والبراء فوالت الكفار(…) وتتبرأ من المجاهدين وتلاحقهم وتودعهم السجون والمعتقلات». والجواب من وجوه، بينها أن بناء العلاقات السلمية مع الدول غير المسلمة المعاهدة أمر أقرته الشريعة الإسلامية وفعله النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من بعده وخلفاء المسلمين وأمراؤهم إلى يومنا هذا، قال تعالى: «إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين» التوبة4، وقال تعالى: «وإن جنحوا للسَلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم» الأنفال61.

كما أن عقيدة الولاء والبراء لا تناقض التعامل مع غير المسلمين بما شرعه الله، فالشريعة أمرت بالإقساط مع المسالمين من غير المسلمين وبرهم كما في الآية السابقة.

و أصل الولاء هو الحب وأصل البراء هو البغض، والحب والبغض على قسمين، القسم الأول: طبيعي فطري كحب الولد لوالده أو حب الزوج لزوجه أو حب الإنسان لمن أحسن إليه وهذا لا علاقة له بموضوع الولاء والبراء الشرعي. القسم الآخر: الديني التعبدي؛ الذي جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وهو موضوع الولاء والبراء الشرعي، ويدل على ذلك قوله تعالى: «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً» لقمان15.

أما الموالاة المحرمة للكفار وهي محبتهم ومناصرتهم على المسلمين، فهي أيضاً ليست على درجة واحدة بل هي على شعب متفاوتة بعضها مكفرة وبعضها غير مكفرة، وبعضها مأذون فيه ظاهراً في حال الإكراه كما قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن رحمه الله: «مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الرِّدة كذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات»، ولا تخرج أي موالاة من الملة إلا أن تكون «مطلقة»، وهي ما كان «الحامل عليها الرضا بدينهم والارتياب والشك في دين الإسلام، ويطلق عليها بعض أهل العلم التولي كما في قوله تعالى: «ومن يتولهم منكم فإنه منهم» المائدة51، فموالاة الكفار بمحبتهم أو نصرتهم على المسلمين لأجل دينهم كفر مخرج من الملة لا خلاف فيه بين العلماء».

وأضاف: ثم لو تنزلنا وسلمنا بأن إعانة الكفار على المسلمين كفر ولو كان من أجل الدنيا فيبقى هذا الناقض من النواقض المختلف فيها بين أهل العلم وإذا كان كذلك فلا يجوز التكفير إلا بما أجمع العلماء عليه لأن تكفير المسلمين بمسألة ظنية خطأ فمن ثبت له عقد الإسلام بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين، كما سبق معنا في جواب الشبهة الأولى. وساق الباحث بعد ذلك 11 قولاً على أن الموالاة للعلماء قديماً يؤيد ذلك.

مداهنة الكفار

بقولهم: «من النواقض التي يقع بها الحكام المرتدون مداهنتهم ومداراتهم للكفار». والجواب أن هناك فرقاً كبيراً بين المداهنة والمداراة، وعدم التفريق بينهما يؤدي إلى الغلو في سد باب مشروع من أبواب التعامل مع المخالفين تتحقق به مصالح كثيرة للمسلمين في دينهم ودنياهم. ثم إن المداهنة المحرمة ليست بجميع أحوالها ناقضة للإيمان، بل منها ما ينقض الإيمان كما في قوله تعالى: «ودوا لو تدهن فيدهنون» قال ابن عباس: «ودوا لو تكفر فيكفرون»، ومنها ما لا ينقض الإيمان وإن كان في عداد الذنوب كما في المداهنة فيما دون الكفر. وهي غالب ما يكفر به التكفيريون!

لبس الصليب

بقولهم: «فمنهم من لبس الصليب ومنهم من زار الفاتيكان ومنهم من هنأ الدول الكافرة بمناسباتها». والجواب عنها أن الصليب هو رمز جعل على شكل معين أو أشكال معينة، وهو بذاته لا يعني شيئاً، لكن النصارى زعموا أن المسيح صلب عليه فتحول شكل الصليب بعد ذلك إلى رمز للمؤمنين بصلب المسيح، ومن هنا كان الاعتقاد بالصليب من شعائر الكفر لما في ذلك من صرف العبادة لغير الله، ولما في اعتقاد صلب المسيح من تكذيب للقرآن الكريم في قوله تعالى: «وما صلبوه».

لكننا إذا قلنا إن الصليب بذاته لا يعني شيئاً فليس من شعائر الكفر وجود أشكال على شكل الصليب من غير قصد، فإن الحياة تكاد لا تنفك عن هذا الشكل في كثير من المظاهر في النوافذ والأبواب والرفوف وتقاطعات البنيان والطرق وغيرها ولو كلفنا الناس بإزالتها لكلفناهم بما لا يطيقون.

ولو افترض أن أحداً من المسلمين لبس الصليب فينظر إلى التفصيل، لأن الاعتقاد في الصليب ليس من عقيدة المسلمين، وقد ذكر الفقهاء مسألة الصلاة بثوب مصلب أي عليه صلبان، وبوب عليها البخاري في صحيحه فقال: «باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك» قال الحافظ في الفتح عن قوله: «مصلب» (بفتح اللام المشددة أي فيه صلبان منسوجة أو منقوشة)، قلت: ولو كان مجرد لبس الثوب المصلب من غير اعتقاد بتعظيم الصليب كما تعظمه النصارى كفراً مخرجاً من الملة لما ذكر العلماء هذه المسألة لأن المرتد لا تصح منه الصلاة أصلاً، وقد كان كبار السن قديماً في بلادنا يلبسون نوعاً من الساعات يسمونها (أم صليب) ويرون أن وجود الصليب عليها رمز لجودتها ولا يرونه رمزاً دينياً يعتقدون فيه، ولم يقل أحد من أهل العلم إن لبسهم لها يعد ناقضاً من نواقض الإيمان، وكذلك بعض الحكام والوجهاء والمثقفين قد يقدم لهم من بعض المؤسسات السياسية أو العلمية أوسمة أو أنواطاً عليها شكل الصليب فيقبلونها من غير قصد للصليب وإنما على أنها مجرد أوسمة أو أنواط أو ساعات ونحوها، فلا يكون ذلك ناقضاً من نواقض الإيمان.

من لم يكفر الكافر فهو كافر

بقولهم «نحن نكفر من لم يكفر من ارتكب شيئاً من نواقض الإسلام أو توقف في تكفيره لما هو معلوم من القاعدة المعروفة من لم يكفر الكافر فهو كافر»: والجواب عن ذلك أن التكفير حق لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لأحد أن يخوض فيه بغير علم، كما أن التكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين إذ ان تكفير المعين لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع. كما أن مقولة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) ليست نصاً شرعياً وإنما هي قاعدة ذكرها العلماء، ويقصدون بقولهم (من لم يكفر الكافر) أي من لم يكفر الكافر الأصلي وهو من كان على ملة غير ملة الإسلام قال القاضي عياض: (ولهذا نكفِّر كل من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحَّح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام ، واعتقده). أما تكفير من لم يكفر المعين الذي وقع في ناقض من نواقض الإسلام فلا تنطبق عليه هذه القاعدة وتكفيره من الغلو في التكفير الذي حرمه الله وهو من الظلم والعدوان.

تعطيل الجهاد

بقولهم «الدول المعاصرة عطلت شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى بل عدت مجرد التفكير في الجهاد جريمة تلاحق عليها». والجواب عن ذلك من وجوه، بينها أن « الجهاد من أنواع العبادة، والعبادة لابد في صحتها من تحقق شرطين كما هو معلوم، الإخلاص والمتابعة للرسول صلى عليه وسلم.

ومن الوجوه كذلك أن «معنى الجهاد في سبيل الله أعم من معنى القتال، فليس كل جهاد في سبيل الله قتالاً، وليس كل قتال يعد جهاداً في سبيل الله، ومن أحسن من عَرف الجهاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ قال: (والجهاد هو بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق)، فبذل الوسع في كل عبادة لله تعالى هو من الجهاد في سبيل الله ولذا سمى الله تعالى الدعوة إلى القرآن الكريم ومحاجة المشركين به من الجهاد فقال (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) الفرقان52 ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين من الجهاد فقال: (ففيهما فجاهد). والجهاد في سبيل الله تعالى الذي بمعنى القتال إنما شرع لحكمة عظيمة وهي أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، فإذا كان القتال يؤدي إلى إذلال المؤمنين وخفض راية الدين والتضييق على أهله ورفع راية أعدائه فلا يجوز الإقدام عليه، إذ ان القتال في سبيل الله داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ما يسمى بالاحتساب على مراتب نص عليها أهل العلم في ضوابط الاحتساب الأربعة على قول ابن القيم، وهي «الأولى أن يزول ويخلفه ضده الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته الثالثة أن يخلفه ما هو مثله الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثـة موضع اجتهاد والرابعة محرمة). قلت: فالمنكر في الحالة الرابعة مأزور غير مأجور لأنه بهذا الإنكار رفع من شأن المنكر والفساد، وأضعف جانب المعروف والصلاح.

أما الوجه الرابع فهو أن «القتال في سبيل الله تعالى من أهم مسائل السياسة المتعلقة بالدولة المسلمة، ومسائل السياسة فوضتها الشريعة لولاة الأمر القائمين على الدولة المسلمة، ولذلك لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بالقتال، وإنما أمر به بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة. ثم أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً وإن قال بغيره فإن عليه منه)، قال القرطبي: (أي يقتدى برأيه ونظره في الأمور العظام والوقائع الخطرة ولا يتقدم على رأيه ولا ينفرد دونه بأمر مهم)، وقال السندي: (المراد أنه يقاتل على وفق رأيه وأمره ولا يخالف عليه في القتال، فصار كأنهم خلفه في القتال، والله تعالى أعلم). قلت: ومن منهج أهل السنة والجماعة التزام طاعة ولاة الأمور، وعدم الافتيات عليهم فيما هو من خصائصهم وصلاحياتهم التي جعلها الشارع لهم، ومن ذلك ما يتعلق بالسياسة العامة كمسائل الحرب والسلم وإقامة العهود والحدود ونصب الولاة والقضاة وغيرها، كما قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء59». ثم ساق 10 أقوال لأهل العلم قديماً وحديثاً، تنص على ذلك وتوثقه.

عشرة أصول لـ«التحصين» من «الغواية… تمنح القدرة على «المواجهة الذاتية»

بين الفصول التي اعتنى بها الباحث، فصل أشار فيه إلى «الأصول الشرعية في مواجهة الشبهات»، وهو الفصل الذي يعني بالدرجة الأولى كل المهتمين بالتحصين الذاتي، لأنفسهم أو لذويهم، في وقت، كثرت فيه الشبهات بأنواعها، وكذا الفتن.

وبدأه الباحث بتعريف الشبهة، وأنها «مأخوذة من الاشتباه وهو الالتباس، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر. والشبهة قد تكون في الدليل وقد تكون في المدلول، فالشبهة في الدليل: هي ما يخيل للناظر أنه حجة وليس كذلك، والشبهة في المدلول: هي ما لم يتيقن كونه حراماً أو حلالاً. وسميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق وتشبه الأدلة الصحيحة، ففيها شيء من النصوص والفتاوى المقتطعة من سياقها وواقعها، فيظن الظان أنها أدلة لشبهها بها، وحقيقتها ليست كذلك، لعدم موافقتها لأصول الاستدلال عند أهل العلم، وذلك لأن أصحابها عمدوا إلى تحريفها واقتطاعها عن بقية نصوص الشريعة وعن مقاصدها وقواعدها، فضربوا أدلة الشريعة ببعضها كما هي طريقة أهل الأهواء». أما أبرز تلك الأصول، فهي:

تحريم القول على الله بلا علم: الخوض في الشريعة من غير علم من أعظم الذنوب والموبقات، وقد قرنه الله تعالى بالشرك به، كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). الأعراف33.

وجوب الرد في مسائل الشريعة إلى أهل العلم المعتبرين: أهل العلماء هم ورثة الأنبياء الذين أمر الله تعالى بسؤالهم والرد إليهم في مسائل الشريعة كما في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) النحل 43، قال القرطبي رحمه الله: (لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). النحل 43.

تحريم الافتئات في مسائل السياسـة والقضايا العامة على اختصاصات ولاة الأمر: القضايا العامة هي المسائل المتعلقة بعموم الناس، ومنها مسائل السياسة، وأخصها مسائل الحرب والسلم، وهي مسائل عظيمة جداً جاءت الشريعة بحفظ نظامها ورعاية أحكامها بالسياسة الشريعة لتعلقها بحياة الناس ومصالحهم الدينية والدنيوية، ولذلك أوجبت الشريعة إقامة الولاية وتنصيب الأئمة فلا قيام للدين ولا للدنيا إلا بولاية ولا ولاية إلا بتنصيب قائد يتولى هذه الولاية ويقودها مهما اختلفت تسميته (خليفة أو إمام أو سلطان أو أمير أو ملك أو رئيس أو غير ذلك)، ولهذا القائد بهذا الاعتبار أي باعتباره ولياً لأمر المسلمين اختصاصات وصلاحيات ليست لغيره من سائر الناس وطاعته فيها بالمعروف واجبة على جميع من تحت ولايته كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة بذلك، ولذا جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بسمع وطاعة).

الحذر من أهل الأهواء والشبهات ومواقعهم: الواجب على المسلم أن لا يعرض نفسه للفتن والشبهات وأن لا يقترب من حماها، فإنه إن اقترب من حماها وقع فيها كما في الحديث (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، وهذه قاعدة عامة نافعة في وقاية النفس من مظان الخطر، دل عليها قول الله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام68.

وقد انتشرت الشبهات حول القرآن والسنة والعقيدة الإسلامية، والشبهات المتعلقة بالغلو والتطرف أو الإرجاء والتفريط، بخاصة بعد ما ظهرت وسائل الاتصال والمعلومات الحديثة كالفضائيات والإنترنت، وتعددت المواقع التي تروج للشبهات المختلفة، فالواجب على المسلم الذي لم يتأهل بالعلم الشرعي ولم يتمكن فيه أن يتجنب الدخول على مواقع الشبهات فيعرض نفسه وعقله للخطر لعدم قدرته على تمييز الأدلة الشرعية، وما وقع كثير من الناس في حبال الشبهات إلا حينما حملهم الفضول على الدخول إلى مواقعها والاطلاع عليها، فلم يفطنوا لأنفسهم إلا وقد تورطوا بحبالها ووقعوا في شراكها وتعسر عليهم الخروج منها.

وجوب رد المتشابهات إلى المحكمات: وهذه قاعدة نافعة وأصل عظيم، يقي المؤمن بها نفسه من الشبهات ويميز بها الأمور الملتبسات، يقول تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكّر إلا أولوا الألباب) آل عمران7.

وجوب الجمع بين النصوص وخطورة اجتزائها عن بعضها أو ضرب بعضها ببعض: الشريعة الإسلامية شريعة كاملة، جاءت لتفصل الحق من الباطل، وتبين الهدى من الضلال، وتحقق مصالح الناس في دينهم ودنياهم، ونصوصها متكاملة مع بعضها البعض، لا يعتورها النقص والخلل، ولا يدخلها التناقض والاضطراب، أحكامها عدل وحق، وهي موافقة للعقل الصريح، والفطرة السليمة، والمصلحة البشرية، ذلك لأنها وحي من الله تعالى أحسن الحاكمين، قال تعالى (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) يونس109 وقال تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) النساء 82.

إذا تقرر ذلك فالواجب على المسلم أن يحذّر من الانتقائية في النصوص، بمعنى أن يأخذ منها ما يوافق هواه ويرد ما لا يوافقه. ومن ذلك الجمع بين النصوص المتعلقة بالولاء والبراء مع النصوص التي فيها الإذن بالتعامل مع غير المسلمين بالبر والإحسان وفهمها وفق الحالات التي ذكرها العلماء في تفسيرها وعدم مضاربتها ببعضها، وكذلك النصوص المتعلقة بالأمر بالقتال، والنصوص الأخرى التي تدل على ضوابط هذا القتال أو تدل على مشروعية العهد والسلم ونحوها من النصوص التي يشكل فهمها على بعض الناس ولا يستطيع الجمع بينها بوجه صحيح فتكون سبباً في انحرافه عن الحق والعياذ بالله.

أهمية مراعاة مقاصد الشريعة ورد الفروع الجزئية إلى الأصول الكلية:

مقاصد الشريعة: هي الغايات المستهدفة والنتائج والفوائد المرجوة من وضع الشريعة جملة، ومن وضع أحكامها تفصيلا. والله تعالى إنما خلق الخلق وشرع الشرائع لحكم عظيمة بالغة ولم يفعل ذلك عبثاً ولا لهواً ولا لعباً كما قال تعالى (أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون 15،16، وكما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) الأنبياء 16، 17.

وقد نصّ كثير من العلماء المحققين على هذا المعنى ونصّوا على أن الشريعة بنيت على حكم وعلل ومقاصد في أحكامها وتشريعاتها، يقول إبراهيم النخعي رحمه الله: «إن أحكام الله تعالى لها غايات، هي حكم ومصالح راجعة إلينا»، ويقول القاضي عياض رحمه الله: «الاعتبار الثالث… وهو الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها».

النظر في المآلات وعواقب التصرفات: بنيت الشريعة الإسلامية على قاعدة تحصيل المصالح ودرء المفاسد، حتى عدّ علماء الإسلام هذه القاعدة أعظم قواعد الشريعة وأولاها مراعاة، وأدلة الشريعة التي تؤكد أصل اعتبار المآلات والنظر في عواقب التصرفات في الشريعة الإسلامية كثيرة جداً كما في قوله تعالى (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) الأنعام.

قلت: «ولو اعتبر كثير من الشباب هذا الأصل الشرعي وتأملوا في نتائج تصرفات الغلاة ومآلات أعمالهم وما تسببت فيه من مفاسد لا يمكن حصرها على أنفسهم وعلى أسرهم وعلى المسلمين والعمل الإسلامي بعامة، لعلموا مخالفتهم للشريعة وبعدهم عن فقه مقاصدها».

العاطفة في الميزان الشرعي والميزان النفسي: العاطفة في اللغة مأخوذة من العطف وهو الميل، والعواطف هي رغبات النفس وما تهواه وتميل إليه، ويعرفها علماء النفس بأنها: الحالة الوجدانية التي تدفع الإنسان إلى الميل للشيء أو الانصراف عنه وما يتبع ذلك من حب أو كره وسرور وحزن ورضا أو غضب.

قلت: «والعاطفة قريبة من معنى الهوى في لغة الشرع وإن لم يرد لفظها في كتاب ولا سنة، فالهوى هو: ميل النفس إلى الشيء، أو ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح، ولكن لأن من يتبع الهوى في الغالب لا يقف عند حد المشروع، لذا كان أكثر ما يستعمل الهوى في الحب المذموم كما قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) النازعات 40، فلم يذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمه، وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالاً مقيداً كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». الفقه في التعامل مع الفتن والنوازل: النوازل: هِي الأمور الكبار التي تنزل بالأمة، وقورنت بالفتن؛ لأن النوازل الكبار يقع فيها الاختلاف بين العلماء وبين الناس، ويكثر الخوض فيها بالعواطف والحماسات، وقد وضع العلماء أصولاً علمية في التعامل مع النوازل والفتن والأزمات تحمي المسلم بإذن الله من الزلل فيها، نذكر بعضاً من ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار: «الرد إلى أهل العلم الراسخين في مسائل الشريعة. التأني والرفق والحلم وعدم العجلة. التزام جماعة المسلمين وإمامهم والحذر من الفرقة والاختلاف. التزام العدل والإنصاف: التزام الأدلة الشرعية ومنهج أهل العلم في الاستدلال على المسائل الشرعية»، مشيراً إلى مصادر معينة، ربما تدفع بعض الناس إلى الوقوع في الفتنة، وبين أكثرها انتشاراً في العقد الماضي والحالي «الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى جانب الرؤى والمنامات والكرامات والإشاعات».

ومضى في سرد الأسباب المعينة على تجاوز الفتن بأمان وأضاف من بينها «الحذر من العجلة في تنزيل أحاديث الفتن وأشراط الساعة على أحداث بعينها، لأن وقوعها من الغيب الذي لا يستطيع الإنسان الجزم به لكثرة تشابه الأحداث والنوازل، وهذا لا يعني عدم الإيمان بأن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم سيقع. الاشتغال بالعبادة والعمل الصالح عن الخوض في الفتن. الاستعاذة بالله تعالى من الفتن».

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*