الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أرشيف ( 2005 مـ ) : أنصار السنة في مصر : يا أيها الشاب المغرَّر به، إِنْ استهنت بأرواح الناس فكيف هانت عليك نفسك، تبذلها رخيصة في سراب تظنه ماء

أرشيف ( 2005 مـ ) : أنصار السنة في مصر : يا أيها الشاب المغرَّر به، إِنْ استهنت بأرواح الناس فكيف هانت عليك نفسك، تبذلها رخيصة في سراب تظنه ماء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لقد باتت مصر آمنة مطمئنة سنين عددًا، بعد حادث قتل السياح في مدينة الأقصر، وظُنَّ أَنَّ الإرهاب قد اختفى بوجهه القبيح من أرض الكنانة، ثم فوجئت مصر وشعبها بحوادث الإرهاب تتابع وتتلاحق، ففي خلال تسعة أشهر كانت حادثة طابا، ثم الأزهر، ثم شرم الشيخ، فما حكم الإسلام في هذه التفجيرات، وماذا فرض الإسلام على المسلمين حكومة وشعبًا ضد هؤلاء الخارجين على الإسلام والنظام والقانون والأخلاق؟
لقد أمر الله تعالى المؤمنين بالحفاظ على الأمن والأمان بالوقوف في وجه كل من أراد أَنْ يزعزع أمنهم، أو يحدث في صفهم الفوضى ويثير فيهم القلق والاضطراب، كفارًا كانوا أو مسلمين، أفرادًا كانوا أو جماعات، قال تعالى:  (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) “المائدة: 33″، وتسمى هذه الآيةُ آيةَ المحاربة أو الحرابة “والمحاربة مفاعلة من الحرب، وهي ضد السلم، وهو السلامة من الأذى والضرر والآفات، والأمن على النفس والمال”.
وقد عرَّف الفقهاء الحرابة بأَنَّها : خروج طائفة مسلحة في دار الإسلام، لإحداث الفوضى وسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحديةً بذلك الدِّين والأخلاق والنظام والقانون. ولا فرق بين أَنْ تكون هذه الطائفة من المسلمين، أو الذميين، أو المعاهدين أو الحربيين، ما دام ذلك في دار الإسلام، وما دام عدوانها على كل محقون الدم. وكما تتحقق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات، فإِنَّها تتحقق كذلك بخروج فرد من الأفراد، فلو كان لفرد من الأفراد فضل جبروت وبطش، ومزيد قوة وقدرة يغلب بها الجماعة على النفس والمال والعرض، فهو محارب.
ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الأطفال، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت والبنوك، وعصابة خطف البنات والعذارى للفجور بهنَّ، وعصابة اغتيال الحكام ابتغاء الفتنة، واضطراب الأمن، وعصابة إتلاف الزروع وقتل المواشي والدواب، فخروج هذه الجماعة على هذا النحو يعتبر محاربة، لأَنَّ هذه الطائفة الخارجة على النظام تعتبر محاربة للجماعة من جانب، ومحاربة للتعاليم الإسلامية التي جاءت لتحقق أمن الجماعة وسلامتها بالحفاظ على حقوقها من جانب آخر.
وكما يسمى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة، فإِنَّه يسمى أيضًا قطع طريق، لأَنَّ الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق، فلا يمرُّون فيه، خشية أَنْ تسفك دماؤهم، أو تسلب أموالهم، أو تهتك أعراضهم، أو يتعرضون لِمَا لا قدرة لهم على مواجهته.
وقد تبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن حمل السلاح وقطع الطريق، وأخاف الآمنين، فقال صلى الله عليه وسلم : “مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا”). فإِذا لم يكن له شرف الانتساب إلى الإسلام والمسلمين وهو حي، فليس له هذا الشرف بعد الموت أيضًا، لأَنَّه يبعث كل عبد على ما مات عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”.
وقد سمَّى الله الخارجين على الجماعة محاربين لله ورسوله، وأمر بالوقوف في وجههم بقوة للقضاء على فتنتهم، وقضى عليهم بأقسى أنواع العقوبة، فقال تعالى:  (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) “المائدة: 33″، وقد اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، وأكثرهم على أَنَّه نزلت في العُرنيِّين، لِمَا رواه الشيخان وغيرهما:
عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ” أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ، يَعْنِي الإِبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا “. وفي رواية لأبي داود: قَالَ: ” فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي طَلَبِهِمْ قَافَةً فَأُتِيَ بِهِمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ  (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا) الآيَةَ.
قال الشوكاني: ” ولا اعتبار بخصوص السبب، بل الاعتبار بعموم اللفظ، وقد قيل: المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية هي محاربة رسول الله ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره، بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس، لأَنَّ ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر. وقيل: إَنَّها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ورسوله إكبارًا لحربهم وتعظيمًا لأذيتهم، لأَنَّ الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب.
والأوْلى أَنْ تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه، ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم أسوته، والسعي في الأرض فسادًا يطلق على كل ما يصدق عليه أَنَّه فساد في الأرض، فالشرك فساد في الأرض، وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرمات ونهب الأموال فساد في الأرض، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض.
وإذا تقرر هذا علم أَنَّ المحاربة تطلق على كل من وقع منه ذلك، سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، في مصر وغير مصر، في كل قليل وكثير، وجليل وحقير، وأَنَّ حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض”.
وقد اختلف المفسرون في هذه العقوبة: أعلى الترتيب هي أم على التخيير؟
ففي رواية عن ابن عباس قال: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل ثُمَّ ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إِنْ شاء قتله، وإِنْ شاء صلبه، وإِنْ شاء قطع يده ورجله، وبهذا القول قال جماعة من السلف. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال: عن ابن عباس قال: في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض”.
وهكذا اشتملت هذه العقوبات على كل ما فيه ذل وهوان للذين يحاربون الله ورسوله، قطاع الطرق، ولذلك قال تعالى:  (ذلك لهم خزي في الدنيا) أي ذلك الجزاء من القطع والقتل والصلب والنفي  (ذلك لهم خزي في الدنيا) والخزي هنا الهوان والذل والافتضاح  (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وظاهره أَنَّ معصية الحرابة مخالفة للمعاصي غيرها، إذ جمع فيها بين العقاب في الدنيا والعقاب في الآخرة، تغليظًا لذنب الحرابة، وهو مخالف لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “أَتُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَقَرَأَ آيَةَ النِّسَاءِ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ به في الدنيا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ”. ويحتمل أَنْ يكون ذلك على حسب التوزيع، فيكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، والعقاب في الآخرة إِنْ سلم في الدنيا من العقاب، فتجري معصية الحرابة مجرى سائر المعاصي، وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة وله تعالى أَنْ يغفر هذا الذنب، ولكن في الوعيد خوف على المتوعد عليه من نفاذ الوعيد.
وعلى الرغم من شناعة هذه الجريمة-جريمة الحرابة أو قطع الطريق- فإِنَّ الله تعالى يفتح للمحاربين باب التوبة، ويأمر المؤمنين أَنْ يقبلوا منهم توبتهم، وأنْ لا يؤاخذوهم بسالف جرائمهم إذا جاؤوا مستسلمين، يقول الله تعالى:  (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) “المائدة: 34” “وإِنَّمَا كان ذلك كذلك لأَنَّ التوبة قبل القدرة عليهم والتمكن منهم دليل على يقظة القلب، والعزم على استئناف حياة نظيفة بعيدة عن الإفساد والمحاربة لله ورسوله، ولهذا شملهم عفو الله، وأسقط عنهم كل حق من حقوقه إِنْ كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة، أَمَّا حقوق العباد فإِنَّها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذٍ ليست من قبيل الحرابة، وإِنَّمَا يكون من باب القصاص، والأمر في ذلك يرجع إلى المجني عليهم لا إلى الحاكم، فإِن كانوا قد قتلوا سقط عنهم تحتم القتل، ولولي الدم العفو أو القصاص، وإِنْ كانوا قد قتلوا وأخذوا المال سقط الصلب وتحتم القتل وبقي القصاص وضمان المال، وإِنْ كانوا قد أخذوا المال سقط القطع وأخذت الأموال منهم إِنْ كانت بأيديهم، وضمنوا قيمة ما استهلكوا، لأَنَّ ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه، أو يجعله الحاكم عنده حتى يعلم صاحبه، لأَنَّ توبتهم لا تصح إِلاَّ إذا أعادوا الأموال المسلوبة إلى أربابها. فإذا رأى أولوا الأمر إسقاط حق مالي عن المفسدين من أجل المصلحة العامة وحب أَنْ يضمنوه من بيت المال”.
واختار الطبري أَنَّ التوبة تسقط عنهم حقوق الله وحقوق الآدميين إِلاَّ ما كان قائمًا بأيديهم بعينه فيرده على أهله، وروي عن الصحابة ما يؤيد مذهبه، فقال: عن الشعبي أَنَّ حارثة بن زيد حارب في عهد علي بن أبي طالب، فأتى الحسن بن علي فطلب إليه أَنْ يستأمن له فأبي، ثُمَّ أتى ابن جعفر فأبى عليه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأمنه، وضمه إليه، وقال له: استأمن لي أمير المؤمنين، فَلَمَّا صلى عليٌّ الغداة أتاه سعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين! ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: “أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ” قال: ثُمَّ قال: “إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” قال سعيد: وإِنْ كان حارثة ابن زيد؟ قال: وإِنْ كان حارثة بن زيد، قال: فهذا حارثة بن زيد قد جاء تائبًا فهو أمين، قال نعم. فجاءه فبايعه، وقبل ذلك منه وكتب له أمانًا.
فهذه دعوة لكل الخوارج المحاربين لله ولرسوله، المروعين للآمنين، المزهقين للأرواح البريئة بغير حق، هذه دعوة عامة لهم كفارًا كانوا أو مسلمين-فإنا لا ندري من وراء هذه الأحداث- هذه دعوة عامة لهم بوضع السلاح والتوبة من قبل أَنْ يقدر عليهم فتنفذ فيهم العقوبة المذكورة، أو يأتيهم الموت بغتة،  (ولعذاب الآخرة أشق) “الرعد: 34”.
وهذه نصيحة لشباب المسلمين: إِنَّ هذه التفجيرات لا يقرها شرع ولا دين ولا أخلاق، فهي تقتل الأبرياء من المسلمين والكفار المسالمين، وتودي بحياة المنتحرين القائمين بعملية التفجير، فهؤلاء ثلاثة من القتلى تذهب التفجيرات بأرواحهم وكل قتيل من الثلاثة، قتلُه يوجب النار، أَمَّا قتل المسلم، فقد قال تعالى:  (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) “النساء: 93″، وأَمَّا قتل الكافر المسالم، فقد قال صلى الله عليه وسلم : “مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا”، وأَمَّا قتل المنفِّذ للعملية نفسه، فهو أيضَا يوجب النار، لقوله صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا”.
فهل بعد هذه النصوص الصريحة يعتقد الجناة إِنْ كانوا مسلمين أَنَّهم مجاهدون في سبيل الله وأَنَّ لهم الجنة؟ وهل ذلك إِلاَّ الأماني والغرور التي قال الله فيها عن الشيطان الرجيم:  (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) “النساء: 120”.
يا أيها الشاب المغرَّر به، إِنْ استهنت بأرواح الناس فكيف هانت عليك نفسك، تبذلها رخيصة في سراب تظنه ماء، لقد خدعوك حين سموك مجاهدًا، وخدعوك حين وعدوك بالجنة، وكأَنِّي بهؤلاء الجناة وقد لقوا الله:  (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) “الزمر: 47- 48”.
يا معشر الشباب: لابد من مجالسة العلماء، ولابد من مخالطة العلماء، ولابد من الاستماع للعلماء، ولابد من قبول نصائح العلماء وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، فلولا العلماء لصار الناس كالبهائم، ولولا العلماء لضل الناس الطريق، وإياكم ثم إياكم من الدخول في عموم هذه الآية:  (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) “الكهف: 104”.
إِنَّ من سماحة الإسلام وعظمته في وقت اشتعال نار الحرب أَنَّه قصر الحرب على المحاربين، ونهى عن نقل الحرب عن ميدانها إلى الآمنين المطمئنين في معابدهم أو في بيوتهم أو في مصانعهم ومتاجرهم، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ”، والعلة كونهم لا يقاتلون كما صرح بذلك النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في حديث رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ خَلْقِهَا حَتَّى لَحِقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَانْفَرَجُوا عَنْهَا فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ، فَقَالَ لأَحَدِهِمُ: الْحَقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ لاَ تقتلون ذُرِّيَّةً وَلاَ عَسِيفًا”.
وبناء على هذه العلة فإِنَّه يلحق بالنساء والصبيان الرهبان والنساك والشيوخ والمرضى وغيرهم من الذين اعتزلوا الحرب والقتال ممن يسمون بالمدنيين، فيجب احترامهم وصيانة أموالهم، ومعنى هذا أننا لا ننكر التفجيرات في مصرنا الحبيبة وحدها، بل ننكرها كذلك في لندن وفي غيرها من بقاع المعمورة، لأَنَّها تستهدف المدنيين الآمنين، والإسلام نهى عن قتل المدنيين في حالة الحرب فكيف بحالة السلم.
ومن سماحة الإسلام وعظمته أَنْ عمل على توفير الأمن والأمان للسفراء والرسل الذين يسعون بين الطرفين لنقل وجهات النظر وتبادل الآراء لإيقاف الحرب.
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: ” مَا تَقُولاَنِ أَنْتُمَا”؟ قَالاَ: نَقُولُ كَمَا قَالَ قَالَ: ” أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا”.
فهل علم الشباب هذه الآداب فخالفوها؟ أو جهلوها فعصوا أمر ربهم؟
نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*