الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كتاب التوحيد فيه منهج للأمن الفكري

كتاب التوحيد فيه منهج للأمن الفكري

يشتمل كتاب التوحيد الذي ندرسه لأبنائنا الطلاب على عدد من المعاني، والأحكام، والتوجيهات العظيمة، والقيمة؛ إذ من خلالها يدرك المتابع بصدق أنها صمام أمان لعقول الناشئة، بل وللكبار أيضا، فلا سبيل للفكر المنحرف والمتطرف بتاتا لمن عقل وفهم ما في كتاب التوحيد من أحكام، إنه الفكر المعتدل.

ولا عجب إن قلنا إن في التوحيد الأمن الفكري المتكامل، وربما يغفل البعض عن ذلك، وأتمنى أن نعود لكتاب التوحيد مرارا وتكرارا، لقراءته من جديد، وصياغته من جديد أيضا، بما يتوافق مع تكامل الأحكام، ومن ثم التأكيد على ما فيه.

وأيم الله إنه ليشمل ما يعزز الأمن الفكري الذي نبحث عنه، والأزمة التي نمر بها في مسرح التطرف والغلو والإطراء يمكن أن تعالج بالعودة إلى كتاب التوحيد، وتقديمه بثوب جديد، وبقراءة صحيحة، كما هو كتاب التوحيد من غير غلو ولا تطرف، وإن كان من نقص فهو لا يقارن البته بما يحتويه كتاب التوحيد من تأسيس يؤكد على الوسطية والاعتدال، والنصح، والتحذير من التطرف، ويكفي أن نعلم أن من دروس كتاب التوحيد دروس الغلو، ودرس التنطع والإطراء، ودروس الوقاية من ذلك كله، من أول كتاب التوحيد إلى آخره، في نسق يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

بل نستطيع أن نقول إن الشريعة بكاملها جاءت من أجل تحقيق التوحيد، وما من حكم إلا ويدور في فلك قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وما تكرار الأمر بالعبادة لله إلا دليل على أن ذلك أوجب الواجبات، وما تكرار النهي عن الشرك إلا دليل على أن الشرك من أعظم الذنوب، نهايك عن النصوص الدالة على وجوب التوحيد، وترك الشرك، والبراءة من المشركين المعاندين المحادين لله ولدينه، وربما نغفل عن العبارات الشاملة التي تعين المسلم على عبادة الله تعالى، فنقع في فخ المتصيدين، والناقدين.

ومن الدروس أن اليهود واجهوا المسلمين بما يقدح في عقيدتهم، بقولهم (إنكم تشركون، تقولون ما شاء ومحمد، وتقولون والكعبة)، فما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم حائرا، ولا متفرجا، بل وجه إلى الحق، وأزاح الحجر العثرة التي تمنى اليهود أن تشكل على رسولنا صلى الله عليه وسلم، متنقصا من الدين الإسلامي كما هي عادة أعداء الإسلام والجهال، فلم يتردد الرسول صلى الله عليه وسلم لتقديم الحل والعلاج، فقال قولوا ما شاء الله ثم ما شاء فلان، وقال قولوا، ورب الكعبة، وفي حديث قال، قولوا ما شاء الله وحده، فانظر إلى هذا الحديث العظيم الذي قرر كيفية التعامل مع نقد أعداء التوحيد والعقيدة، أولئك القوم الذي تنبهوا إلى الشرك الأصغر وهم يقعون في الشرك الأكبر، ومع هذا وذاك، كان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم تربويا متكاملا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ولو تخيلنا أن كل واحد من الناس يحلف بما يريد فسيصبح الحلف لا قيمة له البته، ولكن إذا اتفقنا على أن نحلف بمعظم، والجميع يتفق على أن الله هو المعظم أصبح للحلف قيمة لدى الجميع، ولو تركنا الناس يحلفون بما شاؤوا، لترتب على ذلك أن يسري التعظيم في قلب كل من يحلف بغير الله إلى أن يزيد ويعظم، وربما يصل إلى التعظيم المطلق، الذي هو لله وحده لا شريك له؛ لذا منع الإسلام الحلف بغير الله، وإن كان في البداية هو شرك أصغر، ولكنه يوصل إلى الشرك الأكبر، مع الزمن، والناس مذاهب فيما يعظمون، فربما حلف امرؤ بحبيبه وأبيه، وقبيلته، ونسي رب العالمين؛ لذا جاء التأكيد على أن الحلف بغير الله تعالى شرك، ولم يحدد درجته إلا من خلال تفسير الحديث وتأويله، بأن المقصود شرك أكبر أو أصغر بحسب نية المرء تجاه المحلوف به، فإن عظمه كتعظيم الله فهو شرك أكبر وإن عظمه بتعظيم أقل من تعظيم الله أصبح شركاً أصغر، وقد يأتي مع الوقت من يحلف بغير الله معظما له تعظيما مطلقا؛ لذا مُنع.

مثل هذا التفصيل يدلل على سعة إدراك العلماء، وسعة أفق المؤمن، وأن هذا الدين دين حق، وعدل، ووسطية، فلا تطرف في الأحكام، ولا تساهل في التوجيهات، فمن يعي هذا؟ ولو أن جاهلا قرأ (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر) ثم لم يصله بيان العلماء حول التقسيم بحسب النية، لوقعنا في التكفير، أو لاتسعت دائرة التكفير، ومن ثم الإرهاب.

والأمثلة التي تؤكد على الوسطية كثيرة جدا في كتاب التوحيد، يكفي أنه فصل الأحكام بحسب النيات، قال صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وما أكثر النصوص التي في ظاهرها أن العمل كفر أو شرك مخرج من الملة، ولكن العلماء يؤكدون أن ذلك على حسب النية، والاعتقاد، وشروح العلماء كثيرة، ومشهورة، تؤكد مرارا وتكرارا على أن الشرك والكفر أقسام وأنواع، ومثل هذا يمنع المسلم العاقل من أن يرمي أخاه بالكفر والشرك، إذ لا مجال إلا للنصيحة، والتوجيه.

ومنه أن الشرك الأصغر في التوحيد مثل السوس في السن، إن تركنا السوس قضي على السن، وإن تركنا الشرك الأصغر، ذاب التوحيد، وتأكد الكفر والشكر، ونسيان رب العالمين، وما أكثر الأمثلة التي إن سمح بها قضينا على التوحيد، الذي هو حق الله، وقد لا يشعر المسلم بذلك، فينبغي أن نرفق بكل مسلم، وقد وقع الصحابة رضي الله عنهم عن جهل في الشرك الأصغر، وقيل لهم إنكم تشركون، فما بالهم لم يضجروا؟ وما بالهم لم يفهموا الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ، وهو الرسول العظيم، الرفيق الشفيق بأمته، إمام الدعاة الخيرين.. فمتى نرجع لقراءة التوحيد قراءة متأنية؟.

-- شاكر بن صالح السليم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*