السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة تحليلية لكتاب ( النذير )

قراءة تحليلية لكتاب ( النذير )

يشكل كتاب “النذير” للداعية والمستشار الشرعي السعودي الدكتور ماجد بن محمد المرسال تجربة فريدة من نوعها، حيث يعد الكتاب أول توثيق لتجربة الحوار والنقاش مع أعضاء جماعات التكفير والعنف من جانب طرف محسوب على المؤسسة الدينية الرسمية، حيث إن المرسال خاض تلك التجربة من خلال عمله كعضو في لجان المناصحة وحملة السكينة، وقد أطلقت الأولى منهما وزارة الداخلية والثانية وزارة الشئون الإسلامية السعودية لمحاورة الشباب ممن جرفهم تيار الغلو والتكفير، بهدف إعادتهم مرة أخرى إلى جادة الصواب وصحيح الشرع، وقد حققت تلك البرامج نجاحات كثيرة، وإن كان ذلك لا ينفي حدوث إخفاقات، خصوصًا فيما يتعلق بعودة بعض التائبين مرة أخرى إلى دوامة العنف والتطرف.

تميز “النذير” يكمن ـ كذلك ـ في اعتماد مؤلفه على نقول وفتاوى لكبار أئمة وعلماء ذات المدرسة السلفية، التي يعتمد منظرو العنف والتكفير على نصوص وفتاوى منسوبة إليها ومبتورة من سياقها لتبرير مواقفهم وأفعالهم، وقد توسع المؤلف في النقل عن علماء قدامى مثل أحمد بن حنبل وابن تيمية وتلميذه ابن القيم والعز بن عبد السلام ومحمد بن عبد الوهاب.. إلخ، وكذلك عن علماء متأخرين مثل محمد بن إبراهيم وابن باز والألباني وابن عثيمين وابن جبرين.. إلخ، بل إنه أحيانًا يلجأ إلى النقل عن منظري العنف والتكفير مثل أبو محمد المقدسي وسيد إمام لإظهار حجم التناقضات والخلافات داخل تلك الجماعات ذاتها، كما هو الحال بالنسبة للعمليات الفدائية، التي يصفها المؤلف بالانتحارية، فبعضهم يتوسع فيها بينما البعض الآخر ينتقدها.

تركيز وعمق

كذلك يحسب للمؤلف تركيزه على قضية محددة، وهي تفنيد أبرز الشبهات التي يروجها منظرو التشدد والمتعاطفون معهم، والمتعلقة بالإمامة والجهاد والتكفير، حيث اتبع “المرسال” أسلوب عرض الشبهة كاملة كما يرددها أصحابها، ثم تفنيد وتفكيك عناصرها نقطة نقطة، وقد ساعد هذا الأسلوب على تعميق البحث وتناول الشبهات من زوايا عدة، حيث إن الكثير منها يشترك في الجذر وإن اختلفت المقولات المتفرعة عنه، كما أن طريقة الباحث في عرض الشبهة ثم تفكيكها بشكل متدرج أدت لخروج الكتاب في صورة مبسطة يستطيع القارئ العادي استيعاب أفكاره، بل ومحاجة من يرددون تلك الشبهات، حيث يكفي لرد الشبهة توضيح ما بها من تناقض وتفكك، دون الحاجة للغوص في قواعد فقهية وأصولية قد لا يجيد الكثيرون مسالكها ودروبها.

وإلى جانب هذا التركيز والعمق، فإن المرسال نجح أيضًا في تقسيم وترتيب أبواب “النذير” بصورة تجعل القارئ يصل إلى الفصل الرئيس للكتاب، الذي يتضمن الشبهات الـ 31 التي أحصاها المؤلف وفندها، هو مهيأ تمامًا لتقبل الأفكار الواردة فيه، ففي بداية الكتاب يجيب المؤلف على أربعة أسئلة رئيسة، ربما يعتقد البعض أنها بعيدة عن صلب الموضوع، لكن الدخول في موضوع الكتاب دون الإجابة عليها كان سيشوش كثيرًا على الرسالة المبتغاة منه، فالكثيرون حتى من غير المتعاطفين مع جماعات العنف دائمًا ما ترد على أذهانهم أسئلة محيرة، من قبيل: لماذا يركز بعض العلماء على أخطاء الجماعات الإسلامية ويتجاهلون أخطاء الحكام والحكومات؟ وهل صارت وظيفة العلماء هي التبرير للحكام والتماس الأعذار لهم؟ وهل تنحصر أسباب العنف في الأسباب الشرعية أم أن هناك أسبابًا اجتماعية وسياسية لا تقل أهمية؟.

المؤلف أجاب على هذه الأسئلة بشكل متوازن ومنصف؛ فلم يبرر للعنف كما أنه لم ينحز لجانب الحكومات، لكنه كان حازمًا في قطع الطريق على من يستغل بعض الإشكالات التي تثيرها تلك الأسئلة كمسوغ للتكفير والعنف، فلا أحد يقر الأخطاء والمخالفات إذا وجدت، لكن الإصلاح له ضوابط وأصول لا يجوز تجاهلها، حتى لا يترتب على إصلاح الخطأ خطأ أكبر وأشد منه.

أصول حاكمة

وبعد الإجابة عن تلك التساؤلات ينتقل المؤلف لتوضيح القواعد الأصولية والفقهية التي سوف يبني عليها ليس فقط موقفه من تلك الشبهات الواردة في الكتاب، وإنما من أي شبهة شرعية يتعرض لها المسلم في حياته، ويحصر “المرسال” تلك القواعد في 11 أصلاً شرعيًا، من أبرزها تحريم القول على الله بغير علم، ووجوب الرجوع في مسائل الشريعة إلى أهل العلم المعتبرين، وعدم الافتئات في مسائل السياسة على اختصاصات ولاة الأمور، والحذر من أهل الأهواء والشبهات، ووجوب رد المتشابهات إلى المحكمات، وعدم اجتزاء النصوص الشرعية وضرب بعضها ببعض، ومراعاة مقاصد الشريعة، والنظر إلى العواقب والمآلات، والفقه في التعامل مع الفتن والنوازل، والتضرع إلى الله بطلب الهداية.

وباستيعاب تلك الأصول يصبح القارئ مهيأً ليس فقط للتعرف على الشبهات ومعرفة كيفية تفنيد المؤلف لها، بل إن عقله بات مستعدًا للمشاركة في ذلك الحوار غير المباشر ما بين أصحاب الشبهات والمؤلف، خاصة أن “المرسال” حرص على ذكر الشبهة بتفاصيلها وأسانيدها المتوهمة، وهنا لا بد من الإشارة إلى ميزة أخرى للكتاب، وهي حرص المؤلف على تجنب تجريح أصحاب الشبهات أو خوض حروب كلامية معهم، حيث اقتصرت ردوده على رد الحجة بالحجة والدليل بالدليل، مما جعل الكتاب أشبه بمناظرة فكرية راقية.

وكما يشير المؤلف في العنوان الفرعي للكتاب فإن الشبهات تتعلق بثلاث قضايا رئيسة، وهي الجهاد والتكفير والولاية، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك القضايا متداخلة بشكل كبير، وأن الشبهة الواحدة قد تتفرع لأكثر من قضية، فمثلاً تكفير الحاكم يسقط ولايته وبالتالي فلا حاجة لإذنه قبل الشروع في القتال، ولذلك نلاحظ أنه كلما مضى المؤلف في تفكيك شبهة وراء أخرى كلما أصبح طريقُه سهلاً وممهدًا، لأن تلك الشبهات مبنية على أسانيد منبعها واحد، وهو ما جعل الأمر أشبه ببيت العنكبوت، الذي تتداخل خيوطه وتتعقد، لكن ما إن تمسك بوسطه، حتى يتهاوى مرة واحدة.

وفيما يتعلق بالتكفير فند “المرسال” شبهات مثل القول بأن من ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام فلكل مسلم تكفيره ويجب قتله، وأن تحكيم القوانين الوضعية كفر مخرج من الملة، وأن الانضمام للهيئات الدولية أيضًا كفر، وأنه لا يجوز التوقف عن تكفير من خرج من الإسلام بناقض من النواقض بحجة الجهل، وأن من لم يكفّر الكافر فهو كافر، وتحريم الدراسة النظامية لما فيها من منكرات تصل إلى درجة الكفر، وأن الانتماء للأوطان إنما هو انتماء جاهلي ووثنية، ووجوب العزلة الشعورية عن المجتمعات لما فيها من مظاهر جاهلية.

دين الإرهاب!!

أما الجهاد، والذي يقصر منظرو العنف والتكفير معناه على القتال فقط، فقد فكك المؤلف شبهات حوله من قبيل القول بأن الحكومات المعاصرة عطلت الجهاد بل وعدّت مجرد التفكير فيه جريمة، واعتبار الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، وأنه المخرج الوحيد للأمة من مشاكلها، وأن الإسلام هو دين الإرهاب، وأن الجهاد والشهادة عبادات مقصودة لذاتها، وأنه لا يصح اشتراط إذن الحاكم في الجهاد لأن ذلك مذهب الشيعة، وأن المجاهدين هم الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها أو خذلها، وأن الانتصار الحقيق هو الثبات على المبادئ وليس الغلبة المالية.

ومن تلك الشبهات أيضًا القول بأن الكفار ليس لهم إلا السيف، وأنه لا عهد لهم لأن من أعطاهم العهد ليس له أهلية لذلك لردته، وأن العمليات الاستشهادية من أعظم صور الجهاد، وأن اغتيال أئمة الكفر والظلم أمر شرعه الله وسنَّهُ رسوله، ووجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب، واعتبار قتل رجال الأمن دفعًا للصائل، وأن فتاوى الجهاد لا تؤخذ إلا عن المجاهدين من أهل الثغور، واعتبار الكرامات والرؤى دليلاً على صدق المجاهدين وصحة منهجهم.

وبالنسبة للشبهات المتعلقة بالولاية، فقد ورد الكثير منها في ثنايا شبهات التكفير والجهاد، إضافة إلى شبهات أخرى من قبيل القول بأن مداهنة الحكام للكفار يعدُّ من نواقض الإيمان، وأن الدول المعاصرة نقضت عقيدة الولاء والبراء، فوالت الكفار بينما هي تتبرأ من المجاهدين، إضافة إلى عدم الاعتراف بالحدود السياسية وأن بلاد المسلمين بلد واحد والقتال من أجل إعادة الخلافة.

ورغم أن معظم هذه الشبهات قد جرى تفنيدها من قبل، سواء على يد العلماء الذي تنبهوا مبكرًا لخطورة تلك المقولات وأنها تشكل مدخلاً لعنف يأكل الأخضر واليابس، أو على يد قادة بعض جماعات العنف التي عادت إلى رشدها بعدما غاصت لبعض الوقت في الدماء المعصومة، على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، إلا أن تميز المرسال ـ كما سبقت الإشارة ـ يكمن في أنه فكك تلك الشبهات بالاستناد إلى نفس العلماء والمصادر التي تزعم تلك الجماعات أنها تستقي أسانيدها الشرعية منها، حيث برهن المؤلف على أن تلك الأسانيد مبتورة من سياقها، مما يؤدي لإسقاط الفتاوى على غير واقعها.

 اضطراب منهجي

وقد توسع المؤلف في نقل نصوص كاملة عن تلك المصادر لتدعيم موقفه، لكن ذلك جعله في أحيان كثيرة يبدو قريبًا من نفس الدائرة التي يدور فيها التكفيريون، فمثلاً عند تفنيد الشبهة المتعلقة بتحكيم القوانين الوضعية يناقش المؤلف ما إذا كان الأمر كفرًا أكبر أم كفرًا أصغر، مع أن هناك اجتهادات فقهية أكثر رحابة، تنظر للأمر باعتباره مجرد تنظيم لعلاقات أفراد المجتمع شرط ألا يخرج عن القواعد الكلية للشريعة، كذلك فإن المؤلف أجهد نفسه في تنزيل بعض الشبهات من درجة التكفير إلى درجة تحريم أقل، مع أن هناك اجتهادات فقهية تكيف الأمر بصورة مختلفة، وتخرجه من دائرة التحريم بأكملها. وبالإضافة لذلك فإن الكتاب لم يبين المنهجية في النقل عن العلماء بوضوح، فتارة يستعين بأبي محمد المقدسي للرد على تأييد الشيخ يوسف القرضاوي للعمليات الاستشهادية، ثم يستعين بالقرضاوي للرد على سيد قطب، وربما كان من الأفضل أن يتخذ المؤلف خطًّا فكريًّا واحدًا حتى لا يصاب القارئ بالاضطراب والحيرة.

كذلك فإن المؤلف في جُلِّ مواضع الكتاب يبدو حريصًا على ترسيخ سلطة ولاة الأمور، حتى إنه ذهب إلى أن المسلمين يعيشون في ظل “مُلك عاضّ” منذ تولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة، وأن الشريعة أثبتت شرعية كل من ثبتت له الولاية في بلده الذي تغلب عليه، وأن السمع والطاعة لولاة الأمور لا يسقط بما يقع منهم من نقص أو تقصير. ومع أنه لا غبار على التشدد في منع الخروج المسلح على الحكومات لما في ذلك من فساد وإفساد، إلا أن السياق كان يقتضي الإشارة للضوابط التي وضعتها الشريعة لمراقبة الحكام وضبط تصرفاتهم، خاصة أن الرقابة الشعبية على الحكام من خلال البرلمانات المنتخبة أصبحت عرفًا مستقرًا في واقعنا المعاصر، ما يتيح للشعوب المشاركة في صياغة حاضرها ومستقبلها، حتى إنه في معظم الدول المعاصرة، مسلمة أو غير مسلمة، لا يتم اتخاذ قرار إعلان الحرب إلا بموافقة البرلمان. بل إن مصطلح “ولاة الأمور” ـ في مفهومه المعاصر ـ لم يعد مقتصرًا على الحكام فقط، بل يشمل كذلك البرلمان والقضاء، باعتبار أن كل منهما سلطة مستقلة تمارس صلاحياتها وفقًا للقوانين المرعية، فالدول الحديثة أصبحت من القوة والجبروت بما يجعل وضع مقاليد إدارتها في يد فرد واحد أمرًا بالغ الخطورة.

إشكال قائم

ومن بين الشبهات التي رد عليها المؤلف ما يأخذه البعض على الحكام من تشجعيهم للجهاد الأفغاني ضد السوفيت، حيث كان يتم منح تسهيلات واسعة للشباب الراغب في الذهاب هناك للجهاد، بينما يتم الآن التضييق على من يرغب في الذهاب للعراق لمحاربة المحتل الأمريكي، وقد رد “المرسال” على تلك الشبهة من عدة وجوه لكنه وقع في إشكال، فالذهاب لأفغانستان يندرج ضمن جهاد النصرة، وهذا النوع وضع له المؤلف عدة شروط من بينها موافقة “ولي أمر” الدولة التي تطلب النصرة، بمعنى أنه لا يجوز الذهاب لنصرة بلد ما بدون إذن وموافقة حاكمه، وفات المؤلف أن الحكومة الأفغانية في ذات الوقت كانت موالية للسوفيت ولم تأذن مطلقًا بدخول المجاهدين من خارج أفغانستان، وهو ما ينزع أي شرعية عن كل من ذهب إلى هناك، فهل هذا ما يقصده المؤلف؟ وهل أخطأ كل الفقهاء الذين أفتوا –حينئذ- للشباب بالذهاب.

-- مصطفى عياط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*