الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحلقة الثانية ( تعليق على كتاب النذير )

الحلقة الثانية ( تعليق على كتاب النذير )

امتداداً لقراءة كتاب النذير لفضيلة الشيخ الدكتور ماجد المرسال:
– قال ص291: «النصوص التي جاءت بذكر الطائفة المنصورة ليست مقتصرة على المجاهدين بمعنى المقاتلين فحسب، بل هي عامة في الجهاد بمعناه الواسع، فتشمل العلماء والأمراء والمقاتلين في سبيل الله على هدى المتنسكين والمحسنين»

-وقال ص377: «وكما قال تعالى: ?وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ?، فالرد في مسائل الجهاد في اتخاذ القرار لولاة الأمر من الأمراء العارفين بالسياسة ولهم السلطة وفي الأحكام الشرعية المتعلقة بالجهاد وغيره إلى العلماء العارفين بالشريعة ولهم حق الاجتهاد»…

وفي تقديري أن هذا الكلام محل نظر، لأن مسائل الجهاد يكون الرجوع فيها إلى ولاة أمر المسلمين من الأمراء، لأنهم المعنيون بأمر الجهاد ابتداء وانتهاء وهو من أعمال السلطان في الشرع، أقول هذا الكلام لأن ظاهرة بدأت بواكيرها تنتشر في عالم الشباب وتناولها بعض الصحفيين من أمثال د/ عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ في رده على الرويشد المنشور يوم السبت 19-6-2010م تحت عنوان «إشكالية الرويشد حول مفهوم اللقاء التاريخي بين الإمامين: محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب»، والكاتب الدكتور خالد الدخيل في كتاباته في جريدة الاتحاد الإماراتية، وهم لا يشعرون أنهم يسيئون إلى ذلك العالم والإمام من أمثال الإمام المصلح محمد بن عبدالوهاب حينما يحولونه إلى صاحب مشروع سياسي وهو براء من ذلك، ولم يكن ذا منعة من أمراء الأقاليم حتى لآواه الإمام السلفي محمد بن سعود في الدرعية والشيخ محمد بن عبدالوهاب جاء يقرر عقيدة أهل السنّة والجماعة، ومن ركائزها طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه ولذلك كان حديث الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – عن ولي الأمر وفق هذه القواعد ولم ينص على مزاحمته للسلطان ولم يصرف مصطلح ولي الأمر إلى غيره ولو بالمشاركة كما قال في الأصول الستة: (ص 324 كما في الجامع الفريد: «الأصل الثالث أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً…» وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب الدرر السنية 7-239): «الأئمة مجموعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل – قبل الإمام أحمد إلي يومنا هذا – ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم»… والأولى لمن أراد أن يعالج الشبه في أذهانهم أن يطهرها من اللبس حول هذا المصطلح ولكن بعض طلبة العلم من شدة تعلقه بالسياسة أبى إلا أن يزاحم ولي الأمر (السلطان) ويدخل معه آلاف مؤلفة من الناس في صلاحياته إذ مصطلح العلماء غير محدود، والأدهى من ذلك أن العلماء الربانيين يسعون إلى تحقيق المصلحة وجمع الكلمة ولا يكون ذلك بتوزيع البيعات في الأمة للأمراء وآلاف العلماء فالأمة لها بيعة واحدة لسلطان واحد ويمكن أن يستدل الشباب بموقف عالم ما بحجة أن ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء ولا يقدم أحد على أحد وهذا خطأ فادح ولا يتفق مع النصوص الشرعية التي فسرت ولي الأمر بالسلطان، وقد نقل الإجماع على ذلك حرب الكرماني – صاحب الإمام أحمد – حيث قال ص 399-406 فيما نقله عنه ابن القيم في حادي الأرواح في العقيدة التي نقلها عن جميع السلف: (والانقياد لمن ولاه الله – عزَّ وجلَّ – أمركم، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه، حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك، فهو مبتدع مخالف للجماعة)… وفي نص المؤلف السابق أمران:

– إن حشر العلماء في مسألة الولاية العظمى، ينبغي أن لا يغيب أبداً عمن يكتب في مثل هذا الموضوع الخطيرالذي يعالج شبه الشباب لأنه يجعل التكفيريين في حل من البيعة وخطورة نزعها لأن لهم علماءهم الذين يثقون بهم دون الآخرين ويفتونهم بوجوب القتال دونما إذن ولي الأمر ودونما الراية، وهذا مسلك خطير وقاعدة تفرق الكلمة ولاتحفظ الشرعية من خلال توزيع الولاية العظمى للإمام إلى ولايات متعددة تتصارع فيما بينها على المصالح الدنيوية.. فليس من الفقه أن يفسر ولي الأمر بالأمراء والعلماء في باب الجهاد أو نصح من يتعلق قلبه بهذه العبادة إذ كل العلماء المعتبرين يصرفون ولي الأمر في مسائل الجهاد للسلطان وحده وقد بوب البخاري – رحمه الله – على هذا الحديث في كتاب الأحكام من (صحيحه)، فقال: باب قول الله – تعالى -?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ? قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: (وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم: المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد)… ولا أدري لماذا قدم المؤلف العلماء على الأمراء في النص الأول، والصواب أن ولي الأمر هو الحاكم أولا والعلماء من بعده، يبايعونه على المنشط والمكره، والجهاد والثغور والحدود من أعمال السلطان كما نص السلف الصالح ولم تنص النصوص الشرعية على أنها من أعمال العلماء، بل إن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الخالق بينما طاعة العلماء غير واجبة يقول الحسن البصري – رحمه الله تعالى – في الأمراء: (هم يلون من أمورنا خمساً: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم – والله – لغبطة وأن فرقتهم لكفر) وأهل السنة والجماعة يرون أن الإمام الأعظم هو الذي يدعو للجهاد وأن تسيير الجيوش وتعيين القادة عليها من اختصاصه، بدليل النصوص الآتية: قال الطحاوي: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)، وقال الإمام أحمد: (والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع مع الأمراء أبرارا كانوا أم فجارا) وقال الشيخ محمد بن عبدالرحمن الحطاب: (قال في التوضيح ابن المواز ولا يجوز خروج جيش إلا بإذن الإمام.. وقال الشيخ أحمد رزوق في بعض وصاياه لإخوانه: التوجه للجهاد بغير إذن جماعة المسلمين وسلطانهم فإنه سلم الفتنة، وقلما اشتغل به أحد فأنجح) وقال ابن قدامة: (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك)، وقال أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر: (الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإمام يجب نصبه على الناس وذلك أن أمور الإسلام لا تتم إلا بذلك كالجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وإنصاف الضعيف من القوي وغير ذلك من أمور الدين). وقد أخرج البخاري في كتاب الجهاد باب من يقاتل وراء الإمام ويتقي به ومسلم في كتاب الإمارة باب الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقي به حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقي به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا وإن قال بغيره فإنه عليه منه) فالرسول جعل الإمام كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته كما بين المصطفى أنه يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا كما جاء في شرح صحيح مسلم.وقد جاءت النصوص الشرعية مؤكدة على أن ولي الأمر هو الحاكم والسلطان دون غيره ولا يزاحمه أحد، وخير من تناولها الشيخ عبدالسلام البرجس في كتابه معاملة الحكام المسلمين في ضوء الكتاب والسنة ومن ذلك: 1-قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: (لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله: ?إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا? (تقدم في هذه إلى الرعية فأمر بطاعته – عزَّ وجلَّ -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم…) (المحرر الوجيز): (4-158).

2- أخرج ابن أبي عاصم في (السنة) عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدرأوا زكاة أموالكم، طيبة بها نفوسكم وأطيعوا أمرائكم، تدخلوا جنة ربكم). إسناده صحيح.

3- أخرج ابن أبي عاصم في (السنة) عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (أطيعوا أمراءكم مهما كان فإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به فهو عليهم، وأنتم منه براء، وأن أمروكم بشيء مما جئتكم به، فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون عليه، وذلك بأنكم إذا لقيتم ربكم قلتم: ربنا لا ظلم، فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلاً، فأطعناهم، واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم وأمرت علينا أمراء فأطعناهم، فيقول: صدقتم، وهو عليهم، وأنتم منه براء).

4- أخرج الإمام مسلم في (صحيحه) – كتاب الإمارة – عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك) قوله: (منشطك) مفعل من النشاط، أي: في حالة نشاطك. وكذلك قوله: (ومكرهك) أي: حالة كراهتك. والمراد: في حالتي الرضي والسخط والعسر واليسر والخير والشر. قاله ابن الأثير قال العلماء – كما حكي النووي -: (معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيه مما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة) قال: (والأثرة: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم. أي: أسمعوا وأطيعوا وأن أختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم) ا هـ.

5- أخرج ابن حبان في (صحيحه) عن عبد الله ابن الصامت، قال: قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين! أفتح الباب حتى يدخل الناس، أتحسبني من قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعدون فيه، حتى يعود السهم على فوقه، وهم شر الخلق والخليقة. والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لما قمت، ولو أمرتني أن أكون قائماً لقمت ما أمكنني رجلاي، ولو ربطتني على بعير لم أطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تطلقني.ثم أستأذنه يأتي الربذة، فأذن له، فأتاها، فإذا عبد يؤمهم فقالوا :أبو ذر فنكص العبد، فقيل له: تقدم، فقال: أوصاني خليلي – صلى الله عليه وسلم – بثلاث: (أن أسمع وأطيع، ولو لعبد حبشي مجدع الأطراف…). قال أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالى – عند إيرادهم لطائفة من الأحاديث النبوية في هذا الباب: (إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين: أن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره معصية ومشاقة لله ورسوله ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة) وقال شيخ الإسلام – رحمه الله -: (وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهي الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم، والخروج عليهم – بوجه من الوجوه -، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم)…والذي أحب أن أنبه إليه أن مصطلح ولي الأمر قد تخصصت دلالته في هذا الزمن وبالتالي إطلاقه على غير السلطان يحدث لبسا على الشباب، ومن ذلك قوله ص 65 قال المؤلف: «ولأجل ذلك أمر الله تعالى في مسائل العامة المتعلقة بالأمن والخوف بالرد إلى ولاة الأمر قبل الخوض فيها وإذاعتها، فقال سبحانه: «وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين….» ونقل كلاما للشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير الآية ومنه: «بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها…» والمؤلف يصرف مصطلح ولي الأمر من السلطان إلى أن يشاركه العلماء في ذلك وهذا لايتفق مع منهج المناصحة التي تقرر طاعة ولي الأمرشرعا إذ هناك من مدعي العلم من يخالف الحاكم ويهيج الشباب بالفتاوى المشبوهة وبالتالي تضيع الشرعية فكلاهما ولي أمر على رأي المؤلف. وكان الأولى به أن يستدل بقوله تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ?«لأنها أكثر دلالة على الفكرة التي يريد أن يستدل لها. وبخاصة أنه ساق كلاما للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن: «وقد عرفتم أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام وأنه لا إسلام إلا بذلك…» وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث عن فتوى الشيخ عبدالله عزام ورد الشيخ سفر الحوالي عليه ومنهج المؤلف في تفسير لك والله من وراء القصد.

-- الدكتور: عبدالله بن ثاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*