الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تحليل : فشل القاعدة في السعودية

تحليل : فشل القاعدة في السعودية

تمثّل الحملة الشديدة التي شنّها أخيراً الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب سعيد الشهري المعروف بـ”أبي سفيان الأزدي” على نظام الحكم في السعودية ودعوته إلى قلبه تصعيداً واضحاً في جهود هذا التنظيم لإثارة الاضطرابات في المملكة التي لم تشهد أي أعمال خطيرة مخلة بالأمن منذ سنوات.
والسعودية دولة نجحت خلال سنوات قليلة في توجيه أشد الضربات إلى القاعدة، وفككت معظم خلايا هذا التنظيم وأرغمت من نجا من عناصره على الفرار إلى الخارج، وخصوصاً إلى اليمن حيث أعادوا تنظيم صفوفهم.

تغيير في التكتيك

فقد جاءت تهديدات سعيد الشهري التي صدرت في تسجيل صوتي وزعته مؤسسة الملاحم – الذراع الإعلامية للقاعدة في جزيرة العرب – بعد فترة من دعوات أخرى وجهها الشهري بنفسه ودعا فيها إلى قتل أمراء ومسؤولين في المملكة، في محاولة لتكرار العملية الأولى الفاشلة التي شنها التنظيم في أغسطس/آب عام 2009 لاغتيال الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية والذي يلعب دوراً محورياً في تنسيق عمليات “مكافحة الإرهاب”.

قبل ذلك لم يكن معروفاً عن تنظيم القاعدة لجوؤه إلى مثل هذا النوع من محاولات الاغتيال. لكن استهداف الأمير محمد بن نايف بشخص فجّر نفسه أمام الأمير بعدما أوهم السلطات بأنه عاد من اليمن ليسلّم نفسه ويساعد بقية أعضاء القاعدة في اليمن على أن يحذوا حذوه، كانت محاولة أطلقت صفارات الإنذار في المملكة إلى أن القاعدة تتجه لتصعيد “نوعي” في عملياتها لتستهدف مسؤولين سعوديين بعدما كانت تقول في السابق إنها لا تستهدف سوى الغربيين.

وشكلت محاولة استهداف الأمير محمد بداية حملة تصعيد واضحة لنشاط فرع القاعدة الخليجي، سواء في داخل شبه جزيرة العرب أم في المناطق المحيطة بها وحتى في بقية دول العالم، موسّعاً بذلك نطاق عملياته لتشمل مناطق خارج إطار انتشاره الجغرافي.

إعادة البناء والتوسع

ففي جزيرة العرب كان واضحا أن التنظيم يشعر بثقة متزايدة لقدراته في مناطق انتشاره داخل اليمن. وقد ساعده بلا شك في اكتساب هذه الثقة المتزايدة المشاكل الشديدة التي تواجهها الحكومة اليمنية في التصدي خصوصاً لتمرد الحوثيين الدموي في الشمال وتمرد انفصالي في الجنوب.

وقد شكّل انشغال حكومة الرئيس علي عبد الله صالح بهذين الملفين الشائكين (اللذين يُضاف إليهما مشاكل الفقر والبطالة وتراجع كميات النفط المنتجة وتدهور مستوى الاحتياط من مياه الشفة) فرصة ذهبية للقاعدة كي تعيد بناء نفسها في اليمن بعدما هُزمت هزيمة ساحقة على يد قوات الأمن السعودية خلال السنوات التي أعقبت بدء القاعدة عملياتها في المملكة في مايو/آيار 2003.

وتمت عملية إعادة إطلاق نشاط التنظيم من خلال توحيد جناحي القاعدة في السعودية واليمن في فبراير/شباط عام 2008 حيث تولى ناصر الوحيشي – الذي كان مسجوناً في إيران وأعيد إلى اليمن حيث تمكن من الفرار من السجن عام 2006 إمارة التنظيم الجديد، في حين تولى السعودي الشهري منصب نائب الأمير، علماً بأن الأخير كان أحد المستفيدين من برنامج المناصحة الذي قامت به السلطات السعودية تجاه المتهمين بالمتشدد بما في ذلك الذين كانت الولايات المتحدة تعيدهم من قاعدة غوانتانامو في خليج كوبا.

والشهري واحد من هؤلاء العائدين من غوانتانامو، وكان قد أعلن إدانته تصرفات أسامة بن لادن، مدعياً أنه مجرّد تاجر سجاد اعتُقل خطأ في باكستان ولم يذهب إلى هناك للقتال إلى جانب القاعدة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001. لكن الظاهر أنه كان يخفي حقيقة ما يشعر به.

وبعد إعادة إطلاق التنظيم في اليمن، بدا أن وجهته الأساسية كانت منصبة في البداية على إعادة بناء صفوفه، مركزاً على استقطاب عناصر جديدة خصوصاً من داخل السعودية نفسها، بما في ذلك بعض الأشخاص الذين استفادوا – كالشهري – من برنامج المناصحة.

وترافقت جهود الاستقطاب مع تكثيف جهود جمع أموال التبرعات من المتعاطفين مع أفكار التنظيم، وفتح المجال أمام “نساء القاعدة” (مثل وفاء الشهري المعروفة بـ “أم هاجر الأزدي”، سعيد الشهري هو زوجها الثالث) للعب دور أكبر في عمليات التجنيد والاستقطاب وجمع الأموال ونقلها وإخفاء المطلوبين عن أعين أجهزة الأمن.

بالإضافة إلى ذلك، كان التنظيم يعمل أيضاً على جبهات أخرى عديدة بينها توسيع دائرة نشاطه لتشمل استهداف الولايات المتحدة نفسها (من خلال النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب الذي كان يدرس في اليمن وحاول تفجير طائرة ركاب مدنية فوق ديترويت يوم عيد الميلاد لدى المسيحيين في 25 ديسمبر/كانون الأول 2009)، وكذلك فتح خطوط اتصال وتعاون مع حركة الشباب المجاهدين في الصومال التي أعلنت بدورها تأييد أسامة بن لادن في حربه ضد الولايات المتحدة والدول الغربية.

وقد ظهر إلى العلن التعاون بين القاعدة في جزيرة العرب والشباب في الصومال خصوصاً في الفترة التي تلت القصف الجوي الذي تعرضت له مواقع فرع القاعدة في اليمن في أواخر العام الماضي. وأعلن الشباب الصوماليون آنذاك استعداداهم لمد القاعدة في اليمن بمقاتلين، في حين دعا فرع القاعدة الخليجي حركة الشباب إلى التعاون بهدف “إغلاق باب المندب” الذي يقع بين اليمن والصومال ويُعتبر مفتاحاً أساسياً للعبور عبر البحر الأحمر.

فشل القاعدة في محاولات إعادة البناء في السعودية

لكن نجاح القاعدة في توسيع نشاطها في اليمن وخارجه (الولايات المتحدة والصومال) لم يترافق مع نجاح مماثل في القيام بأي عمل بارز في السعودية، الهدف الأساسي لجهود التنظيم.

وقد أعلنت السلطات السعودية في أكثر من مناسبة خلال العامين الماضيين تفكيك شبكات عديدة مرتبطة بما تُطلق عليه الحكومة “الفئة الضالة) “أي القاعدة)، ما يُظهر أن هناك جهوداً مستمرة من التنظيم لإعادة بناء خلاياه في المملكة لكن أجهزة الأمن كانت دائماً سباقة في تفكيك أي خلية يتم بناؤها.

ولذلك، فإن الواضح أن دعوة الشهري الجديدة لقلب نظام الحكم في المملكة تأتي في هذا الإطار نفسه: تكرار الجهود لإعادة بناء خلايا التنظيم في السعودية. وقد تكون هذه الدعوة الجديدة مرتبطة بحلول شهر رمضان لكسب التعاطف في هذا الشهر الفضيل حيث يكثر المسلمون من التبرع للنشاطات الخيرية، علماً بأن السلطات الدينية في المملكة كانت قد أصدرت فتوى واضحة تُحذّر فيه من عدم جواز تقديم تبرعات للجماعات الإرهابية.

النجاحات التي حققتها قوات الأمن السعودية على مدى السنوات الماضية توحي بأن فرص القاعدة ضئيلة حالياً في القيام بعمليات مؤثرة داخل السعودية نفسها. لكن أجهزة الأمن لا بد أنها تعرف أن كل ما تحتاجه القاعدة هو شخص واحد يتأثر بأفكارها ويرغب في القيام بعمل ما لخدمة مشروعها.

غير أنه في المقابل يبدو واضحاً أن الشعب السعودي في غالبيته العظمى ليس ميّالاً لتقبل مغامرة جديدة تقوم بها القاعدة مثلما فعلت قبل سنوات عندما بدأت سلسلة تفجيرات وقتل كادت أن تضرب الاقتصاد السعودي في الصميم، وهو أمر سيكون أول المتضررين منه المواطن السعودي نفسه.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*