الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نماذج من التأريخ الإسلامي في ضبط الفتوى

نماذج من التأريخ الإسلامي في ضبط الفتوى

لقد سر المسلمين سروراً عظيما تلك الالتفاتة الملكية العظيمة لموضوع من أهم الموضوعات، وقضية من أخطر القضايا، حيث تدخل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حفظه الله بكل اهتمام و حزم للحد من الفوضى العارمة في التصدي للإفتاء دون إذن ولا أهلية مؤهلة لذلك، فمنع في خطابه الكريم الموجه لسماحة المفتي العام للمملكة، ذلك الكتاب الحازم الناضح بالنصح والشفقة والقيام بالمسؤولية الشرعية والرعاية الدينية، منع حفظه الله من التجرؤِ على الفتوى بلا إذن من سماحة المفتي العام حسب الشروط المعتبرة وذلك جرياً على هُدَى الشريعة وسَنَنِ الخلفاء الراشدين في القيام بحفظ دين الناس وإلزامهم بما يصلحهم، ومنعهم مما يضرهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : “الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته” وهذا القرار إن شاء الله من التوفيق الإلهي، فإنه لا شك ولا ريب أن هذا من أهم الواجبات والحقوق على أولياء الأمور، وما جاء في كتاب جلالته كافٍ شاف، قد مليء علماً وحزماً؛ وهنا أشير لشيء مما ذكره علماء الإسلام حول ضبط الفتوى ودور ولي الأمر في ذلك، فقد اعتنوا بها وبينوا بكل صدق وتحرٍ أن ولاية الإفتاء وتعيين المفتين إنما هما من مسؤوليات ولي الأمر المسلم، يولي مَنْ يراه صالحا لها على مقتضى القاعدة الشرعية (تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة).

1- ذكر الإمام النووي الشافعي في المجموع والعلامة الرحيباني الحنبلي في مطالب أولي النهي فيما نقلاه عن الإمام الخطيب البغدادي أنه قال: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمَنْ صلح للفتيا أقره ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد، وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتيا أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم. ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك, وفي رواية ما أفتيت حتى سألت مَنْ هو أعلم مني هل يراني موضعاً لذلك. قال مالك ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل مَنْ هو أعلم منه.اهـ.

وهذه السنة الإسلامية الراشدة عمل بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان يقصر الفتيا على بعض العلماء ويمنع آخرين، لمصلحة يراها رضي الله عنه ففي ترجمة الصحابي الجليل أبي مسعود البدري -من كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي- قال ابن سيرين: قال عمر لأبي مسعود: نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير! فولِّ حارها من تولى قارَّها. قال الذهبي: يدل على أن مذهب عمر أن يمنع الإمام من أفتى بلا إذن.اهـ.

وهذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يعمم على رعيته بلزوم المشهور والمجمع عليه عندهم فروى الدارمي في السنن بسند صحيح عن حميد قال : قلت لعمر بن عبد العزيز لو جمعت الناس على شيء فقال ما يسرني أنهم لم يختلفوا، قال: ثم كتب إلى الآفاق أو إلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم.

فصنيع الملك عبد الله جاء موافقاً لأصول الشريعة محيياً لهدي السلف والخلفاء الراشدين، حافظاً لدين المسلمين ومصالحهم، ليس كما يظن بعض المتحذلقين من أن هذا الأمر لا يصلح في هذا الوقت أو لا يمكن تطبيقه، أو أن فيه حجراً للعلم، بل هذا هو الحق ويدل على هذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مراء” رواه أحمد وابن ماجة، وفي رواية لأبي داود: “أو مختال”، والقصص في عرفهم هو الوعظ والتذكير.

2- قال العلامة الفقيه القاضي عبدالرحمن بن خلدون المالكي في مقدمته الشهيرة: اعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة، فكأنها الإمام الكبير والأصل الجامع، وهذه كلها متفرعة منها وداخلة فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية وتنفيذ أحكام المشرع فيها على العموم.. إلى أن قال: وأما الفتيا فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس ورد الفتيا إلى مَنْ هو أهل لها وإعانته على ذلك ومنع مَنْ ليس أهلاً لها وزجره؛ لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس بأهل فيضل الناس. وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه والجلوس لذلك في المساجد. فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها أو النظر في أئمتها فلا بد من استئذانه في ذلك، على أنه ينبغي أن يكون لكل أحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه يمنعه عن التصدي لما ليس له بأهل فيدل به المستهدي ويضل به المسترشد. فللسلطان فيهم لذلك من النظر ما توجبه المصلحة من إجازة أو رد.. إلى آخر كلامه المفيد الماتع.

3- وتولي العلماء ولاية الإفتاء من قِبَلِ ولي الأمر سنة جارية من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين ثم من بعدهم ملوك الإسلام إلى هذه الأزمان، كسنة القضاء والولايات الدينية، ذكر  الحافظ أبي زرعة الدمشقي رحمه الله في تاريخه أن عبدالملك بن مروان عزل أبا إدريس الخولاني عن الوعظ أي القصص وأقره على القضاء، فقال أبو إدريس عزلتموني عن رغبتي وتركتموني في رهبتي. فانظر كيف كانت للخليفة الولاية في القضاء وفي القصص -أي الوعظ والتذكير-، فسمع أبو إدريس الخولاني وأطاع لأمر الأمير.

4- والمفتي ما هو إلا نائب عن الإمام الأعظم في مجال الفتوى، كما أن القاضي نائب عنه في القضاء وهكذا نوابه في جميع الولايات الراجعة إلى الإمام، فيختار في كل منها الصالح لها من رعيته، قال الحافظ السيوطي في الحاوي: ومن الدليل على جواز الاستنابة أن جماعة من الصحابة كانوا يفتون الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم والإفتاء بالأصالة إنما هو منصب النبي صلى الله عليه وسلّم لأنه المبعوث لتبليغ الناس وتعليمهم ، وإفتاء العلماء بعد وفاته إنما هو بطريق الخلافة والوراثة عنه ، فإفتاؤهم في حياته بإذنه استنابة منه لهم ليقوموا عنه بما هو منصب له على وجه النيابة ، وقد عقد ابن سعد في الطبقات باباً في ذكر من كان يفتي بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخرج فيه عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال : أبو بكر ، وعمر ، وأخرج عن القاسم بن محمد قال : كان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وأخرج عن أبي عبد الله بن نيار الأسلمي قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وأخرج عن كعب بن مالك قال: كان معاذ ابن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وأخرج عن سهل بن أبي حثمة قال : كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وقد تحصل من هذه الآثار ثمانية كانوا يفتون والنبي صلى الله عليه وسلّم حي.اهـ وقال عبد الحي الكتاني في التراتيب الإدارية: وفي خاتمة مجمع بحار الأنوار للفتني لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فتوى غيره في زمانه لأنه صدر عن تعليمه ولذلك كان يفتي في زمنه صلى الله عليه وسلم أربعة عشر من الصحابة وأما بحضوره فلم يكن يفتي أحد سوى الصديق.اهـ

5- وروى الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم في كتابه “المذَكِّر والذِّكْر والتذكير” عن حميد بن عبدالرحمن أن تميما الداري استأذن عمر رضي الله عنه أن يقص -أي يعظ- فلم يأذن له ثم استأذنه فقال له عمر تقول ماذا فقال أقرأ عليهم القرآن وأذكرهم وأعظهم. قال فأذن له في الأسبوع يوما واحدا. ثم استأذن عثمان رضي الله عنه فأذن له ثم استزاده يوما واحدا. وقد كان استزاد عمر يوماً واحداً فلم يأذن له. وروى أيضاً عن أبي عبد الرحمن  أن عليا رضي الله عنه رأى رجلا يقص فقال علمت الناسخ من المنسوخ فقال لا قال هلكت وأهلكت قال وهذا دليل على امتحان القاص وروى أيضاً عن أبي عامر عبدالله بن لحي الهوزني أنه سمعه يقول: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فلما قدمنا مكة أخبر بأن قاصا يقص على أهل مكة مولى لبني مخزوم فأرسل إليه معاوية فقال أمرت بالقصص؟ قال لا! قال فما حملك على أن تقص بغير إذن؟ قال ننشر علما علمناه الله عز وجل. وفي رواية له قال: نفتي وننشر علما عندنا. قال لو كنت تقدمت إليك قبل مرتي هذه لقطعت منك طابقا. قال الإمام ابن أبي عاصم بعد ذلك: ففي قول معاوية للقاص لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك طابقا دليل على أن المخالف إذا خالف لما نهي عنه وجب بذلك عقوبته ثم روى الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني والأمير مجن)، ثم قال رحمه الله: ومما دلت عليه الأخبار من قوله (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) مؤكدا بذلك طاعة الأمراء حاضا منه على طاعة الأمراء وزجرا منه على خلافهم، فإذا قص القاص بغير إذن الأمير وجب على الأمير منعه من ذلك؛ إذ القاص بغير إذن الأمير متكلف أو مختال أو مرائي وهذه الأحوال مذمومة كلها، فيجب على الإمام المنع منها. وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل على أن الإمام إذا بلغه أن قوما يجتمعون على أمر يخاف أن يحدث عن اجتماعهم ما يكون فيه فساد أن يتقدم إليهم ويوعدهم في ذلك وعيدا يرهبون به، وقول معاوية للقاص الذي أخبر به أبإذن تقص؟ قال لا. قال: لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك طابقا موافق لقول علي فإني أكره العقوبة قبل التقدمة فإن عادوا بعد التقدمة وجبت عليهم العقوبة. وفي قول علي رضي الله عنه للقاص أعلمت الناسخ من المنسوخ دليل على امتحان القصاص المأذون لهم بالقصص، والأمير جائز له أن يقص وأن القاص إذا لم يكن أميراً لم يخطئه إحدى ثلاث: إما متكلفا أو مختالا أو مرائيا.اهـ.

6- وقد كان العلماء والقضاة من السلف يتابعون الولاة حتى في اختياراتهم الفقهية في مسائل الاجتهاد ويتبعون ما يعممه الوالي من أقضية وأحكام فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن الشعبي قال جاء رجل إلى معاوية فقال أرأيت الإسلام يضرنى أم ينفعنى قال بل ينفعك فما ذاك فقال إن أباه كان نصرانيا فمات أبوه على نصرانيته وأنا مسلم فقال إخوتى -وهم نصارى-: نحن أولى بميراث أبينا منك. فقال معاوية: ايتني بهم، فأتاه بهم، فقال: أنتم وهو فى ميراث أبيكم شرع سواء، وكتب معاوية إلى زياد بن أبيه: أن ورِّث المسلم من الكافر ولا تورث الكافر من المسلم! فلما انتهى كتابه إلى زياد أرسل إلى شريح (يعني القاضي المشهور رحمه الله) فأمره أن يورث المسلم من الكافر ولا يورث الكافر من المسلم وكان شريح قبل ذلك لا يورث الكافر  من المسلم ولا المسلم من الكافر فلما أمره زياد قضى بقوله فكان إذا قضى بذلك يقول هذا قضاء أمير المؤمنين. وأخرج سعيد أيضاً عن عبيد بن نضيلة قال: كان عمر وعبد الله يقاسمان بالجد مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون السدس خيراً له من مقاسمة الإخوة ثم إن عمر كتب إلى عبد الله: إنى لا أرانا إلا قد أجحفنا بالجد فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيراً له من مقاسمتهم فأخذ بذلك عبد الله. قلت: وعبد الله -وهو ابن مسعود الإمام المجتهد- كان قاضياً ومفتياً لأهل الكوفة في خلافة عمر. وروى سعيد أيضاً عن شعبة بن التوأم الضبي قال توفى أخ لنا في عهد عمر بن الخطاب وترك جده وإخوته فأتينا ابن مسعود فأعطى الجد مع الإخوة السدس ثم توفى أخ لنا آخر في عهد عثمان
 وترك جده وإخوته فأتينا ابن مسعود فأعطى الجد مع الإخوة الثلث فقلنا أما أتيناك فى أخينا الأول فجعلت للجد مع الإخوة السدس ثم جعلت له الآن الثلث فقال عبد الله: إنما نقضى بقضاء أئمتنا.

7- وللإمام أن يؤدب أهل التشويش على المسلمين كما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد روى ابن وضاح في كتاب النهي عن البدع عن نافع: أن صَبِيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر ، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه قال : أين الرجل ؟ قال : في الرحل، قال عمر : أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الموجعة، فأتاه به ، فقال عمر : تسأل محدثةً؟! فأرسل عمر إلى أرطاب من الجريد فضربه بها حتى ترك ظهره خبزة ثم تركه حتى برئ ، ثم عاد له ثم تركه حتى برئ فدعا به ليعود له ، فقال له صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا ، وإن كنت تريد تداويني فقد والله برئت ، فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين ، فاشتد ذلك على الرجل ، فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب أن قد حسنت هيئته ، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس يجالسونه.

حفظ الله خادم الحرمين ونصر به الإسلام والسنة وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

-- الشيخ / سعد بن شايم الحضيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*