السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لا تغضب وكن وسطيا في انفعالاتك

لا تغضب وكن وسطيا في انفعالاتك

لعلنا نعلم أن الغضب هو إحدى الغرائز التي استودعها الله في الإنسان يبرزه عند الحاجة التي تستدعي ذلك. فهو خلقٌ زرع في الإنسان، وصفة من صفاته، وآية من آياته، مثله مثل الحلم والضحك والبكاء.. وغيرها. ولكن له حد معين يجب ألا يتعداه، وقانون محدد يجدر ألا يتخطاه. عرفه الإمام الغزالي بأنه : « شعلةُ نارٍ مستكنةٌ في طيّ الفؤاد استكنانَ الجمر تحت الرماد، ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد».
 إن الغضب شعلة من النار، والإنسان ينزع فيه عند الغضب عرق إلى الشيطان اللعين، حيث قال: « خلقتني من نار وخلقته من طين » فإن شأن الطين السكون والوقار، وشأن النار التلظي والاشتعال، والحركة والاضطراب .
 لكن يجب علينا أولا أن نعرف حقيقة الغضب لنتعرف على مدى خطورته وفتكه بمن يتمكن منه. إن حقيقة الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فمتى غضب الإنسان ثارت نار الغضب ثورانا يغلي به دم القلب، وينتشر بالعروق، ويرتفع إلى أعالي البدن، كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، ولذلك يحمر الوجه والعين والبشرة وكل ذلك يحكي لون ما وراءه من حمرة الدم، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه . فإن كان الغضب صدر ممن فوقه، وكان معه يأس من الانتقام، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فصار حزنا، ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب من نظير يشك فيه، تردد الدم بين انقباض وانبساط، فيحمر ويصفر ويضطرب، فالانتقام هو قوت لقوة الغضب.
والغضب منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، فالمحمود الذي يكون في الحق وانتصارا لله،ففي هذه الحالة يكون الغضب محمودا، بل يكون المرء مطالبا به. وأما المذموم فهو الذي يكون للنفس أو الجماعة والقبيلة، يقول تعالى: « إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَـاهِلِيَّة» وهذا ما سنسهب فيه.
لقد ذم الله تعالى الغضب في العديد من آياته، فقال تعالى: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين » فهو تعالى ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة.
كما ورد العديد من الأحاديث النبوية التي تذم الغضب وتنهى عنه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلا قال : يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال : «لا تغضب » ثم أعاد عليه فقال : «لا تغضب».
 وقال ابن عمر : قلت لرسول الله : قل لي قولا وأقلله لعلي أعقله فقال «لا تغضب» فأعدت عليه مرتين فقال «لا تغضب» كما ورد عن عبد الله بن عمرو : أنه سأل رسول الله ماذا ينقذني من غضب الله قال : «لا تغضب»
كما جاء عن ابن مسعود أن النبي قال : «ما تعدون الصرعة فيكم قلنا : الذي لا تصرعه الرجال قال «ليس ذلك ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب « كما أخبر أبو هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وجاء عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من كف غضبه ستر الله عورته» وعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – : قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال : «لا تغضب».
كما ورد عنه «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل» وقال «ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم» وقال له رجل : أي شيء أشد علي قال : «غضب الله» قال : فما يبعدني عن غضب الله قال : «لاتغضب».
إن الآثار وأقوال العلماء التي وردت في ذم الغضب كثيرة متعددة فهاهوعكرمة- رضي الله عنه – في قوله تعالى : «وسيدا وحصورا» قال : السيد الذي لا يغلبه الغضب . وقال الحسن رضي الله عنه : يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار . كما ورد في الأثر عن ذي القرنين أنه لقي ملكا من الملائكة فقال : علمني علما أزداد به إيمانا ويقينا قال : لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة .
وقال مجاهد : قال إبليس ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث : إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم ونبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه .
وقيل لحكيم : ما أملك فلانا لنفسه ! قال : إذا لا تذله الشهوة ولايصرعه الهوى ولا يغلبه الغضب . وقال بعضهم : إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار .
وقال عبد الله بن مسعود : انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما علمك بحلمه إذا لم يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لاتعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإن سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا .
كما قال علي بن يزيد : أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال : أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا.
وكان عمر – رضي الله عنه – إذا خطب قال في خطبته : أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب . وقال بعضهم : من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار .
وقيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة ، فقال : اترك الغضب .
إن قوة الغضب تكون على درجات ثلاث :
إفراط، وتفريط، واعتدال . فلا يحمد الإفراط فيها، لأنه يخرج العقل والدين عن سياستهما، فلا يبقى للإنسان مع ذلك نظر ولافكر ولا اختيار . والتفريط في هذه القوة أيضا مذموم، لأنه يبقى لا حمية له ولا غيرة، ومن فقد الغضب بالكلية، عجز عن رياضة نفسه، إذ الرياضة إنما تتم بتسلط الغضب على الشهوة، فيغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة، ففقد الغضب مذموم، فينبغي أن يطلب الوسط بين الطريقين ، وهذا هو الاعتدال.
وإذا نظرنا إلى أهم الأسباب التي تؤدي إلى الغضب – أيها المستمع الكريم – وجدناها تتلخص في : العجب، والمزاح، والمماراة، والمضادة، والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وغيرها من الأسباب التي قد تودي بالمرء إلى الغضب.
إذن كيف السبيل إلى معالجة هذه الآفة الخطيرة ؟؟؟
من أهم طرق معالجة الغضب ما يلي :
أولا : أن يتفكر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ : مثل قوله تعالى : «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» وغيره من الأدلة الأخرى.
ثانيا : أن يخوف نفسه من عقاب الله تعالى بأن يقول : قدرة الله عليّ أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت فيه غضبى، لم آمن أن يمضي الله عز وجل غضبه عليّ يوم القيامة فأنا أحوج ما أكون إلى العفو .
ثالثا : الاستعاذة : فقد روى البخاري ومسلم أن رجلين استبا عند رسول الله فاحمر وجه أحدهما وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
رابعا : التغيير من الهيئة : روى أحمد وأبو داود عن أبي ذر مرفوعا قوله : «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع».
خامسا : الوضوء : روى أحمد وأبو داود عن عطية مرفوعا قوله : «إن الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ».
لذا ينبغي أن يكون العفو والصفح أقرب إلينا من الغضب الذي لاتحمد عقباه، فالله تعالى قد أمرنا بالعفو والصفح، وكذلك رسوله الأمين فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم» . وقال لأشج بن قيس : «إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة».
نسأل الله تعالى أن نكون ممن يسبق حلمهم غضبهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

-- مفلح المطيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*