الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » محمد حيدر وقراءة في خريطة القاعدة في اليمن

محمد حيدر وقراءة في خريطة القاعدة في اليمن

على نحوٍ غير مسبوق، انفجر خلال الأيام والأسابيع الماضية عنف تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” في عدد من مناطق وأنحاء اليمن الجنوبية. وفي غمار المعركة الجديدة بينه وبين قوات الأمن أُريقت دماء كثيرة بين عسكريين، جنوداً وضباط، ومدنيين إلى جانب عناصر محسوبة على التنظيم، وصال عنف “الفعل ورد الفعل” وجال في مناطق كلودر وجعار وزنجبار ومودية وعدن والحوطة وغيرها من جغرافيا اليمن الجنوبية، واتصلت حلقات العنف “القاعدي” بين شمال البلاد وجنوبها، في إيقاع يبدو عشوائياً ولكنه منضبط، أنتج حالة من التوتر ومن عدم الاستقرار ترددت أصدائها في كل أنحاء اليمن.
 
وتشير العديد من الدلائل إلى أن الهجمات الدموية الأخيرة التي قام بها تنظيم القاعدة – وما يزال – تأتي في إطار تصعيدي مقصود ومرتّب بعناية (حتى طابعه “الفوضوي” كما يبدو حالياً لا يخلو من قصديّة)، ويتوخّى التنظيم من وراء ذلك ليس فقط المُضي في تصفية الحسابات العالقة بينه وأهم مباني النظام السياسي وركائزه في اليمن، أي الأجهزة الأمنية التي تتولى أمر مكافحته وملاحقة قادته وعناصره، وهو أمر درج التنظيم على القيام به منذ أعاد تأسيس نفسه بعد هروب أبرز قياداته من السجن مطلع سنة 2006 وإلى اليوم، بل إنه من خلال التصعيد الأخير وتوسيع رقعة المواجهة مع المؤسسة الأمنية إلى أقصى درجة، يهدف أيضاً إلى تحقيق عدة أمور متضافرة، وبضربة واحدة:
 
فمن ناحية، استغلال حالة الاحتقان الأمني في مناطق الجنوب تحديداً واستدامة حالة الاضطراب في مناطق مختلفة هناك، سواء بفعل تواصل الحركة الاحتجاجية وارتفاع حدة نبرتها واتساع رقعة انتشارها وتحولها إلى تحدٍّ مركب حقيقي أمني وسياسي واقتصادي للدولة اليمنية، أو بفعل ظهور شواغل ومشكلات أمنية أخرى عديدة يختلط فيها العنف القبلي والمجتمعي بالنشاط الإجرامي المافياوي في مقابل تضاؤل قدرة الدولة على فرض هيبتها وإعمال سيادة القانون وتوسّلها بالأدوات التحكيمية التقليدية (القبلية أساساً) في التعامل مع هذه المشكلات، مما يفقدها القدرة على المبادرة والمناورة وتالياً انتظار ما قد تسفر عنه هذه الأدوات في كل مرة من تهدئة أو حلحلة لهذه القضية المستعصية أو تلك.
 
فحالة الاحتقان الأمنية الراهنة، لاسيما في مناطق الجنوب، توفر مساحة وفرصة ناجزتين أمام جماعة مسلحة ومنظمة بشكل جيد كالقاعدة تعمل مُتكيِّفة وفق ظروف الزمان والمكان، فهي فرصة لإعادة تشكيل خلاياها التي تشتت بعضها أو انهار كلياً تحت وطأة المواجهات الأخيرة مع السلطات اليمنية ومن خلفها حلفائها الإقليميين والدوليين، وتعويض ما فقدته من طريق القيام باستقطاب مناصرين وأعضاء جدد، وعلى نحوٍ يمكنها من تنفيذ عمليات عنيفة بعضها يتخذ طابعاً انتقامياً كردٍّ على ما حلّ بالتنظيم من انكسارات ونكسات هنا أو هناك، فضلاً عن كونها توفر فرصة كذلك لتوسيع رقعة نشاطات التنظيم وترقيتها إلى حدٍّ يُمكّنه من خوض حرب إنهاك طويلة مع السلطات في اليمن تتخذ طابعاً غير متماثلٍ بالضرورة، وبصورة ما تخال أنها قد تنتهي حتى تبدأ من جديد وهكذا.
 
من ناحية ثانية، وعطفاً على ما سبق، يدفعنا تنامي المواجهات بين التنظيم وقوى الأمن اليمنية في نمطها الحالي، إلى التفكير في اختراق ظلال الحوادث الراهنة، وبشكل نفترض معه أن التنظيم ربما يسعى كعادته – وعن سابق تصور وتصميم – لإحداث نوع من البلبلة في المشهد الأمني العام يراد بها توجيه الأنظار إلى بعض المناطق الجنوبية الرخوة كأبين وشبوة، بفعل تحولها الظاهر إلى ساحة صراع ملتهب أخذت الأجهزة الأمنية تنخرط فيه بقوة، في وقت تتحين فيه قيادة التنظيم اللحظة المناسبة لتوجيه ضربة أو مجموعة من الضربات النوعية المباغتة ضد أهداف حساسة في أماكن ومناطق أخرى تسودها حالة من الاسترخاء الأمني (داخل اليمن أو خارجه)، وهو أمر مؤداه توجيه ضربة مؤلمة لجهود الحكومة اليمنية وشركائها الإقليميين والدوليين، وإعادة تدوير عجلة المواجهة بين الجانبين بصورة تكون فيها “القاعدة في جزيرة العرب” صاحبة المبادرة حصراً إلى تحديد أولوياتها وأماكنها وتوقيتات خوضها، والإيحاء من ثمّ بأن الجميع بات في مواجهة قوة متغوّلة تضرب وقت تشاء، وفي المكان الذي تحدده، ولا حدود لقدرتها التنظيمية والعملياتية.
 
ومن ناحية ثالثة، ثمة مدلولات وأبعاد مهمة عديدة تكمن في تحول القاعدة إلى مناطق الجنوب والتركيز عليها عملياتياً ودعائياً. وإذا حصرنا ساحات الاشتغال “القاعدية” حالياً في مناطق جنوب اليمن، سنجد أنها تتركز بشكل أساسي في محافظتي أبين وشبوة، وبدرجة أقل في حضرموت وعدن. وهذه المحافظات من الناحية الجغرافية متجاورة، لكن الأهم أن أبين وشبوة تقعان على تماسٍ مباشر بمحافظتي مأرب والبيضاء واللتين تعدان ممرين ومأوين مهمين (مأرب بصفة خاصة) لقيادات التنظيم وعناصره المحلية والأجنبية (وبالذات السعودية)، وكل هذه المناطق معاً – خلا عدن المؤمّنة جيداً – مناطق رخوة من الناحية الأمنية وتعد من مناطق الأطراف الفقيرة وتتميز بجغرافيتها الصعبة في امتداداتها الصحراوية الشاسعة وسلاسلها الجبلية الوعرة معاً، ولهذا تسود فيها عادةًً قوى قبلية وعشائرية تعمل – بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة – على سد فجوة غياب سلطة القانون وعدم تمكن الدولة من تأدية وظيفتها التوزيعية والإنمائية بالشكل المطلوب في تلكم الأنحاء.
 
وخلال السنوات الأخيرة، ومع تعقّد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في الجنوب، كان من الطبيعي أن يسعى تنظيم القاعدة إلى التمدد استراتيجياً في مناطق كأبين وشبوة بما لهما من تاريخ جهادي قديم (أبين أساساً) وعداء مستوطن ومستحكم للحزب الاشتراكي بتوجهاته العلمانية والذي حكم الجنوب قبل الوحدة، مدفوعين بفورةٍ قبليةٍ غير مُنضبِطة لم تستطع بعد أن تهضم قيم التحديث الوافدة (أبين وشبوة معاً). وقد زادت وتيرة هذه المساعي بعد أن نجح التنظيم في إيجاد ما يشبه “الملاذات الجهوية” الآمنة نسبياً له في كل من مأرب والجوف وبعض نواحي صعدة، وهي مناطق كثيراً ما يتحرك فيها أعضاء التنظيم وقياداته بِحُريّة ودون خوف مُستغِلين الطابع القبلي الغالب عليها وحالة النفور السائدة في مجتمعاتها المحلية إزاء سلطة صنعاء المركزية، وهي إلى ذلك تعتبر مَعبَراً مثالياً سواء للقادمين من السعودية أو الذاهبين إليها بغرض التهريب أو ممارسة العنف المُنظّم أو التجارة غير المشروعة بشتى أشكالها. وبهذا استكمل “قوس الانتشار القاعدي” في اليمن امتداده من الحدود البرية شمالاً وصولاً إلى الحدود البحرية جنوباً، بما يُهيئ ذلك من مساحات حرة نسبياً يمكن اتخاذها ملاجئً بعيدة عن أعين السلطات، وعلى نحوٍ يسمح بإقامة معسكرات عَزلٍ وتدريب وتوفير بيوت آمنة في تضاعيفها النائية، كما يمكن استغلالها للحصول على السلاح والأموال وأشكال الدعم اللوجيستي الأخرى، ناهيك عن المدد البشري، تحت غطاء حركة التهريب النشطة التي تميّز هذا القوس الجغرافي الطّرفي البالغ الامتداد.
 
وبطبيعة الحال فإن الاضطرابات الحاصلة بفعل قوى الحراك الجنوبي وما خلقته من حالة توتر لم تنقطع قد ساهمت في تقوية وجود القاعدة في مناطق كأبين وشبوة وغيرها، وإن كان ذلك قد نتج أساساً عن توظيف التنظيم المتوقع والممكن لما يحصل هناك في سبيل شرعنة وجوده وتعزيز خطابه المناهض للدولة اليمنية واستقطاب مزيد من العناصر الساخطين للانضواء تحت رايته، وليس لأنه قد تمكن من الالتحام عضوياً بقوى الحراك، الأمر الذي يصعب الجزم به حتى هذه اللحظة، بدلالة خلو مناطق حراكية رئيسية كالضالع ولحج من أي نشاط “قاعدي” مهم. فالحراكيون الأكثر تنظيماً في هذه الأماكن يدركون جيداً خطورة مثل هذا الأمر وتداعياته السلبية جداً على “قضيتهم”، والتي يحاولون بكل ما أوتوا من قدرة استقطاب دعم إقليمي ودولي حاسم لها.
 
علاوة على ذلك كله، لا يمكن إغفال الدلالة التي تنطوي عليها جغرافية بطولة “خليجي 20″، المقرر أن تنطلق خلال أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وهي تظاهرة رياضية إقليمية مهمة تراهن الحكومة اليمنية على نجاحها في تنظيمها، بما لذلك من أبعاد ومكاسب رمزية وسياسية واقتصادية وإعلامية فائقة الأهمية. فالبطولة من المفترض أن تقام في محافظتي عدن وأبين، وهي لن تنجح بالشكل الأمثل إلا إذا أقيمت في المدينتين معاً، بحكم تجاورهما وجهوزيتهما لاستضافة هذا الحدث خاصةً بعد إنشاء البنى التحتية اللازمة من ملاعب ومرفقات رياضية فيهما. وحتماً، فإن الرهان على إفشال قدرة الحكومة على إقامة هذه البطولة من خلال إبراز هشاشة سيطرتها الأمنية على المناطق التي ستستضيفها، وما سيخلّفه ذلك من أضرار وندوب تتعدى الجانب الرياضي إلى جوانب سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية أخرى، يُمثل غايةً تجتمع عليها كل الأطراف المخاصمة للحكومة في الجنوب، “القاعدة” كما الحراك الجنوبي، واللذين سيسعدهما بالتأكيد تسجيل نقطة إضافية عليها في معركة السمعة والشرعية التي تخوضها هذه الأطراف جميعاً، وتحرص على الفوز بها بكل ما أوتيت من قوة.
 
لكن كيف يمكن للسلطات في اليمن أن تكبح جماح عنف “القاعدة” المتفاقم في الجنوب، وفي أي إطار عملاني ستمضي جهودها في التعامل مع تهديدات التنظيم ونشاطاته المتفاقمة، والتي استطالت وتوسعت إلى حد نشر قوائم علنية بأسماء عشرات من الجنود والضباط، وتحذيرهم بأنهم سيكونون هدفاً “مشروعاً” لعناصر التنظيم إن استمروا في أداء مهامهم الأمنية، بل والبدء في عمليات تصفية مُنظّمة لهؤلاء وغيرهم بالفعل.
 
من الواضح أنه لا يمكن فصل المواجهة الحكومية مع التنظيم في جغرافيتها الدموية الآخذة في الاتساع جنوباً، عن سياقها الأوسع والذي – من الناحية الجغرافية – يشمل البلد ككل، ولا يمكن من الناحية الإجرائية عزله عن تجربة المؤسسة الأمنية في تصديها لمختلف التحديات التي واجهها الأمن اليمني خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تحدي تنظيم “القاعدة” وجماعات العنف المسلح الأخرى. صحيح أن الأجهزة والمؤسسات الأمنية اليمنية قد راكمت خلال العقد الأخير، واستناداً إلى المواجهة المستمرة مع تنظيم القاعدة وأنصاره في اليمن، خبرةً مهمةً يمكن التعويل عليها في مواجهة التنظيم، لكن المشكلة أن هذه الخبرة على أهميتها لم تتطور بعد إلى استراتيجية أمنية واضحة للتعاطي مع “القاعدة”، ولهذا فإنها لم تؤدِّ – كما نلاحظ- إلى تحقيق هدف استئصال التنظيم بشكل نهائي.
 
وكما بات معروفاً، فقد جرّبت الحكومة اليمنية خلال الفترة الماضية خيارين متباينين في تعاملها مع القاعدة، أحدهما “ناعم” والآخر “خشن”. ففي مرحلة مبكرة، لجأت إلى تجربة الحوار مع عناصر التنظيم وقياداته مُحاولةً إعادة تأهيلهم للانخراط مجدداً في المجتمع كأفراد عاديين، وفي مرحلة تالية اضطرت إلى خوض حرب شاملة عليهم بعد انقلابهم على القواعد التي حكمت علاقات الطرفين فيما سبق. وما من شك في أن الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، والضغوط الهائلة التي تتعرض لها اليمن من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكذلك من قبل الحكومة السعودية، قد جعلت المواجهة العسكرية مع القاعدة، لاسيما في هذه الفترة العصيبة، أمراً لازماً ولا مفر منه. وتُنبئ الأحوال المحيطة باليمن بوجود مناخ إقليمي ودولي ضاغِط يدفع باتجاه تطبيع الأوضاع في اليمن، والواضح أن إنهاء ملف تنظيم القاعدة، الذي انفتح على مصراعيه مؤخراً، أخذ يكتسب أهمية فائقة بالنسبة لصنّاع القرار الدوليين الأكثر تأثيراً (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشكل خاص)، ولذا فإن الأرجح أن استئصال تنظيم القاعدة عسكرياً سيمثل أولوية بالنسبة لصانع القرار اليمني، على الأقل خلال المديين القريب والمتوسط.
 
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الحكومة اليمنية لن تكرر، حالياً على الأقل، تجربة الحوار التي لم تُثمِر كثيراً مع أعضاء تنظيم القاعدة، لاسيما الأكثر خطورة منهم. ولعل تبنّي الحكومة لمفهوم وإستراتيجية “الضربات الاستباقية” في سياق “المواجهة الشاملة” الراهنة مع التنظيم، وبرغم ما يحيط ذلك من جدل قانوني صاخب ناهيك عن الآثار الجانبية المأساوية التي وقعت في إطاره، يشير إلى وجود نية حقيقية لإنهاء هذا الملف، تمهيداً أو بالتوازي مع محاولات تطبيع الوضع في البلاد وحلحلة الأزمات الأخرى التي تعصف بالساحة الداخلية، بدءاً من معضلة صعدة وليس انتهاء بتجاوز تعقيدات و”عُقَد” الحوار بين فرقاء اللعبة السياسية (السلطة والمعارضة). فمشكلة الإرهاب في الحقيقة هي جزء من مشكلة أمنية أوسع وأكبر تعاني منها الدولة اليمنية، التي دخلت في سلسلة حروب دامية مع المتمردين الحوثيين، كما تستنزف ذاتها في معمعة الاحتجاجات المتصاعدة في الجنوب.
 
والمؤكد أن المشكلة الفنية الأهم التي تواجه الدولة اليوم وأجهزتها الأمنية وهي تحارب تنظيماً مرناً وشبكياً كالقاعدة، تظل كامنة في كيفية تعطيل قدرته على التواصل، المباشر وغير المباشر، مع القبائل والمجتمعات المحلية في عموم مناطق اليمن (جنوباً وشمالاً) وبصفة خاصة الطرفية منها، بالإضافة إلى توفير قاعدة متكاملة ومتجددة من المعلومات الاستخبارية الدقيقة عن تحركات التنظيم ونشاطاته الآنيّة والمحتملة، وتحسين جودة وكِفاية القطاعات الأمنية المعنية بمكافحة القاعدة في تأدية مهامها بشكل منسّق ومنضبط، إلى جانب توسيع نطاق الشراكة في مواجهة الإرهاب لتشمل تبادلاً فعّالاً للخبرات والمعلومات بين اليمن والشركاء الدوليين المعنيين بالتصدي لهذا التهديد.
 
أما المشكلة الحقيقية التي ستواجه اليمن واليمنيين – حكومة ونخباً ومواطنين – على المدى البعيد فتكمن في كيفية تجنيب البلد خطر الانزلاق أكثر في شراك الضعف والإخفاق، إذ أن حدوث سيناريو كهذا كفيل بالقضاء على أي تطلعات بالنصر على تنظيم القاعدة أو سواه من المنظمات والجماعات الراديكالية الموجودة – أو ربما قد توجد – في هذه الأرجاء، والتي ستتحول حينها إلى “مجال مغناطيسي نموذجي” يجذب إليه المتطرفين من كل مكان.

-- محمد حيدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*