السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أسئلة مشروعة في عمق ( تناقضات ) القاعدة .

أسئلة مشروعة في عمق ( تناقضات ) القاعدة .

أنا لست أعيش في كوكب آخر غير هذه الأرض التي خلقنا الله عليها ، ولست بعيدا عن أي انعكاس يحصل لأمة الإسلام ، فكل حدث يحدث ينعكس على الإنسان المسلم سلبا أو إيجابا ، وهذه قضية ربما لا تعيها بعض التوجهات التي تظن أن الأرض لها ، تفعل فيها ما تشاء ، فتقرر الحرب والسلم والهدنة دون اعتبار للآخرين وانعكاسات ذلك عليهم ، ولعل ” القاعدة ” باعتبارها فكرة جهادية ” مصرية ” في الأصل ، خرجت من النمط ” الاقليمي ” ( مصاولة الحكومة المصرية ) ، إلى النمط ” العولمي ” ( الجبهة العالمية لمحاربة الصهيونية والصليبية ) ، تشكل حضورا في الواقع بسبب إعلانها الحرب على أمريكا وكثيرا من الدول الإسلامية وغير الإسلامية ، وهذا الحضور ينطلق من أصول فكرية ومنهجية وعسكرية ، ولها منظرون عسكريون ، وخبراء يصوغون لها الرؤى والأفكار ، وإن كانت في أصلها افكارا بسيطة إلا أن البعض حاول ” فلسفة ” فكرة القاعدة كما فعل الكاتب ” لويس عطية الله ” ، حين جعل فكرة القاعدة أشبه بفيلم سينمائي ، حين كتب ( النظام العالمي الجديد بقلم أسامة بن لادن ) ، وغيرها من المقالات التي فعل في فكر القاعدة كما فعل ماركس في فكرة هيجل ، وقد قلت له مرة في حديث ماسينجري في ذلك الوقت قبل أن يختفي عن الساحات الحوارية بأنك فلسفت فكرة القاعدة بطريقة لم يكونوا يتصورونها ، وجعلت القضية استراتيجية ، وهي ليست كذلك .

وإذا كانت ” القاعدة ” قد شكلت حضورا في السنوات الأخيرة على المستوى السياسي والإعلامي والفكري ، فيحق للمتابع أن يلقي الأضواء على مثل هذه ” الفكرة ” التي تشكلت في ظروف اختناقات فكرية وسياسية ،ولها سياقاتها التاريخية التي لا تخفى ، وحصل فيها تحولات في التفكير وخاصة في فكر زعيم التنظيم أسامة بن لادن ، وبمقابل ذلك .. حصول التراجعات لحاملي فكر القاعدة أو العنف في مصر في مذكرات لا تخفى على المطالع .. وهذه قراءة وإن كانت قاصرة قصورا يحتاج إلى ترشيد وتسديد إلا أن مثلها مهم في دراسة التجارب الماضية ، والاستفادة من الأخطاء ، بل وإعلانها إبراء للذمة ، وتوبة وإصلاحا وتبيينا ، فليس العيب في أن يخطئ الإنسان ، ولكن العيب في أن يتمادى في الخطأ الذي يكون ضحيته أمته وأبناؤها ودينها وأمنها واستقرارها ، وزرع الفرقة والشقاق فيها ..!

في نظري أن ” القاعدة ” تحمل تناقضات وإشكاليات من حيث النشأة والحركة ، فأسامة بن لادن مثلا كان في بدايته لا يؤيد مصاولة الحكومات ولا الخروج عليها ، بل لم تكن علاقته بالحكومة السعودية بتلك السوء حتى أزمة الخليج الثانية ودخول صدام إلى الكويت ، ولم يكن ينحى منحى ” التكفير ” ، وقد تواترت عنه أنه كان يطرد الذين يكفرون من معسكراته، وإن كان يحلم فكرة ” عولمة ” الجهاد منذ أيام الحرب الأفغانية ، في مقابل ذلك نجد أن ” أيمن الظواهري ” الذارع الأيمن لأسامة بن لادن يتبنى فكرة الخروج والتكفير ، ومن يطالع أبجديات كتاباته يجد أن هذا طافحا فيها ، بل وفيه شدة وعنف على خصومه بشكل كبير ، واقرأ إن شئت ” الحصاد المر ” لتدرك طبيعته الفكرية والنفسية ، فالتقى الشخصان على أمر قد قدر في السودان ، ليتحول أسامة إلى فكرة العولمة التنظيمية ، وتدخل في خطه النزعة التكفيرية ، ويتحول أيمن الظواهري من المصاولة الإقليمية إلى الحرب العولمية من خلال إنشاء التنظيم العالمي لمقاومة الصهيونية والصليبية ..!

بداية هذه التناقضات هي في المنطلقات التي يبرر فيها منظرو القاعدة عملهم العسكري ضد الولايات المتحدة الأمريكية ، فمن المبررات أنها تهين المسلمين ، وتقتلهم في الصباح والمساء ، ومن ثم يجب علينا مقاتلتها لهذا الغرض ، ويستشهدون بما يحدث في ” العراق وفلسطين ” ، وخاصة أيام الحصار المضروب على العراق ، وهذا كلام من حيث المقدمة المنطقية مقبول لو كانت الحرب سوف توقف نزيف الدم ، أو ترد العدوان ، ولكن غلبة الظن كانت في زيادة المآسي وقد حصلت ، حيث توجهت ” القاعدة ” إلى توجيه ضربات متلاحقة لأمريكا ، في نيروبي ودار السلام ، وفي الرياض ، ثم تفجير المدمرة كول ، ثم بلغت ذروتها في تفجير البرجين ، وهذا كله يقع مع جزم ” القاعدة ” بإمكانية غزو أمريكا لأفغانستان ، وإقامة حرب انتقامية ، وهذا يعني مزيدا من الدماء والأشلاء ، ومزيدا من المآسي على الأمة ، فهل حققت ” القاعدة ” تخفيف القسوة الضاربة على الأمة من أمريكا والصهيونية ؟ أم زادت في المشكلات وعقدتها إلى مستوى نعيش تضاعيفه إلى هذه اللحظة ؟!

إن مفهوم “الضربات الاستباقية ” التي تذرعت فيه القاعدة لعلمها بغزو وشيك لأفغانستان من قبل أمريكا يعطينا دلالة على أن بعض التنظيمات تصاب أحيانا بتضخم في الذات تحجب عنها الرؤية الواعية للأحداث ، إذ الحرب الاستباقية تكون بين قوى متكافئة من حيث العدد والعدة ، فالتسريع بالهجوم والقتال ليس هدفه إشعال الفتيل بأسرع وقت حيث يكون ” خيار شمشوم ” ، بل لأجل مباغته العدو لكسب مواقع قبله ، ولكن فعل القاعدة لم يكن إلا ” لتسريع ” المواجهة التي لم يكونوا يحسبونها بتلك الضراوة والقسوة ، حيث انهارت الحكومة ” الطالبانية ” في فترة وجيزة أمام القصف الأمريكي العنيف ، مع أن استراتيجية القاعدة في الحرب مع أمريكا كان في التفكير في جرهم إلى الأرض الأفغانية ومعاملتهم بمثل معاملة السوفيت ، وتخطفهم كما يتخطف الطير ، وهذه غلطة أخرى فيها ذهول عن موازين القوى أيام الحرب السوفيتيه لأفغانستان ، وأيام الحرب الأمريكية على أفغانستان ، فالحرب الأولى كان الغرب كله مع أفغانستان في مقابل الاتحاد السوفيتي ، والحرب الثانية كان العالم ( فسطاط الكفر الذي لا نفاق فيه ) في مفهوم ابن لادن كله ضد أفغانستان ، وقد أدركت أمريكا هذا المخطط ، فركزت على ” سياسة الأرض المحروقة ” التي مسحت أفغانستان مسحا من الجو دون الحاجة إلى النزول على الأرض ..!

إن هذا الأمر يعطينا درسا للتاريخ والمستقبل في خطورة ” المغامرات ” التي لا تحسب لها الناس حسابا ، وتقدير النفس حق قدرها ، والنظر بنظرة واقعية إلى التوازن العالمي والقوى فيه ، فالتاريخ والواقع يشهدان بخطورة مثل هذه التصرفات على الناس ، وأن الكوارث الحاصلة من جرائها أضعاف ما يرجو الفاعل منها ، فقد سجل التاريخ بأن خوارزم شاه حين عاند هولاكو ، وقتل الرسل دك الأخير الخلافة ، وقتل من المسلمين ملايين البشر ، وجعل العالم الاسلامي وحاضرة الخلافة فيه خرائب وأطلالا بعد أن كانت آنس المدائن وأبهاها وأزكاها ، وهكذا مصير كل حركة لا تقدر عدوها حق قدره ، لأن هذا المنهج يخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية جهادية مصلحية يراعي فيها قضايا أمته العامة ومصلحتها الكبرى في حفظ نفوسها ، وجعل القتال لأجل أن تكون راية الله هي العليا ، فإذا ما أدرك أن القتال لا يحقق الهدف المنشود منه تركه ، ولذا لما جاءت غطفان وهوازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعها حشود من العرب ، شاور النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ويرجعوا ، وهو بالتعبير المعاصر ( ثلث الدخل القومي ) ، وفيها إشارة إلى ضرورة مراعاة إمكانية المواجهة النابعة من الأمة ومجموعها ، وخاصة إذا كان الذي يكتوي بنار هذه المواجهات هم المسلمون الذين يقتلون ، أو يهجرون ، أو يجوعون ، أو تقضى على مشروعات لهم عاشوا في بنائها عشرات السنوات ، ثم يفقدون كل شي بسبب تصرف لم يحسب لهم حسابا ، أو أنه ينظر إلى موازين الربح والخسارة من منظار حزبي تنظيمي ضيق ، لا يراعي فيه حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ..

إن مثل هذا مثل ما حدث في لبنان ، حيث غامر حزب الله في مواجهة أدرك مدى فداحتها وشرها ، وقد أعلن أمينه العام عن ” ندمه ” على فعلته ، وصرح بأنه لو كان يعلم أن ” أسر جنديين ” سوف يجر على لبنان هذا التقتيل والدمار لما أقدم على مثل هذه الفعلة ، وأظن أن عقلاء ” القاعدة ” إذا جلسوا مع أنفسهم وخيروا في الرجوع إلى الوراء ، لقالوا لن نفعل ما فعلنا عندما رأينا الآثار المدمرة التي نتجت من بعض التصرفات ، فقد هدموا برجين ، فهدمت دولتان … ولم تحقق القاعدة من هذا إلا مزيدا من دماء الأطفال وأشلائهم .. والله المستعان !

ترى ماذا كان سيحدث لو توجهت ” القاعدة ” والتي سلمت لها دولة كاملة مثل ” أفغانستان ” والتي رصدت أمريكا لرسم ثرواتها الطبيعية أكثر من ستين مليون دولار ، فهي دولة غنية ، فيها غاز ونحاس ، وذهب وبترول ، وفيها تعداد بشري كبير ، ماذا سيحدث لو توجهوا إلى بناء دولة قوية ، علموا فيها الجاهل ، وأغنوا الفقير ، وحققوا للناس الحياة الكريمة ، وقووا أنفسهم ، وأصلحوا علاقاتهم مع إخوانهم المسلمين في كل مكان ، وفتح آفاق التعاون حتى مع غير المسلمين في مجالات الحضارة والتقنية ، واهتموا بأفغانستان وجعلوها ” مشروعا خاصا ” غير قابل للتوسع ، وبنوا فيها مرتكزا جيدا لدولة تتخذ من الإسلام دستورا ، ومن شموليته منهجا ، وأدركت طبيعة الواقع ومتغيرات العصر ، وعاملت العصر بمعاملة الضعيف الذي يعمل على تقوية نفسه بدلا من إقحامها في معارك لا تجر عليها إلا مزيدا من التضييق والكبت والاستعمار ؟ هل سيكون الحال كما هي عليه الآن ؟

لكن الله قدر ، وفي تقديره حكمة ، فوقع المحظور ، ونشبت الحرب القاسية حيث أدرك قساوة الحرب أهل الجاهلية قبل أهل الاسلام .. حين ينتقل الانسان من وضع الأمن والاطمئنان والسلامة على النفس والمال والعرض إلى وضع الخوف والجوع والرهبة والقتال :

و ما الحرب إلا ما علمتم و ذقتم … و ما هو عنها بالحديث الرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً … و تضر إذا ضريتموها فتضرم

فتعرككم عرك الرحى بثفالها … و تلقح كشافاً ثم تنتج فتتئمٍ

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم … كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها … قرىً بالعراق من قفيز و درهم

وهذه نتائج الحروب بادية للعيان ، ومآسيها مرارات نتجرعها في الصباح والمساء ، ولكن هذه الحقائق لا يريد إن يدركها أولئك الذين جعلوا من ” القتال ” هدفاً بذاته ، حيث جعلوه غاية من دون النظر إلى ” المقاصد ” الشرعية التي أوجبت على المسلم القتال ، فوقعوا في انحراف خطيرفي جوانب كثيرة سوف يأتي الحديث عنها إن شاء الله في حلقات قادمة بإذنه تعالى …

-- بدر العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*