الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يفلح الحوار الموريتاني في القضاء على خطر الإرهاب ؟

هل يفلح الحوار الموريتاني في القضاء على خطر الإرهاب ؟

أعلنت السلطات الموريتانية عن انطلاق أشغال مؤتمر الحوار الوطني حول الإرهاب والتطرف ما بين 24 و 29 أكتوبر 2010 تحت رعاية الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي افتتح المؤتمر بخطاب حرص فيه على إحاطة المشاركين من علماء ومفكرين وإعلاميين بالاعتداءات الإرهابية التي استهدفت موريتانيا على مدى خمس سنوات وخلفياتها ونوايا مدبريها التي تستهدف نظام الحكم .

ولم يخف الرئيس استغرابه من كون “الجماعات الإجرامية [ تجد] آذانا صاغية لدى بعض الناشطين السياسيين من أبناء الوطن الذين يظنون أن في ذلك ما قد يزيد حظوظهم في الوصول إلى الحكم، وكذا بعض الأوساط الإعلامية التي روجت فرضية المعتدين” .

ولا شك أن السلطات الموريتانية منزعجة من انتقادات المعارضة واتهاماتها بكون الحرب التي تخوضها ضد تنظيم القاعدة ما هي إلا “حرب فرنسية بجيش موريتاني” . لهذا ، تسعى سلطات موريتانيا إلى توحيد الجبهة الداخلية بهدف دعم جهود الدولة في محاربة الإرهاب عبر اعتماد الضربات الاستباقية ونقل الحرب إلى معاقل تنظيم القاعدة داخل تراب مالي . ومن أجل ذلك حددت محاور الحوار لتكون شاملة وتشارك فيها القطاعات المعنية مباشرة وهي وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي ، وزارة الاتصال والعلاقات مع البرلمان ثم وزارات العدل والدفاع والداخلية التي تكلفت بالمحور المتعلق بالشق السياسي والذي شارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين في موريتانيا .

وليست هذه المرة الأولى التي تجنح فيها السلطات الموريتانية إلى أسلوب الحوار لتطويق ثقافة الغلو وفقه التطرف . فقد سبق لها أن عقدت ندوة حوارية حول (الإسلام وجدلية الاعتدال والغلو في الفهم والسلوك) في 18 يناير 2010 ضمت ثلة من العلماء الموريتانيين الذين انخرطوا في محاورة 47 من المعتقلين على خلفية الإرهاب .

وكانت السلطات الموريتانية تسعى ــ بالإضافة إلى تطويق الفكر الجهادي ــ فتح باب المراجعة والتوبة أمام العناصر المتطرفة حتى يتم تجنيب البلاد خطر الإرهاب والتخريب . وبالرغم من تثمين نتائج الحوار على لسان وزير الشؤون الإسلامية السيد أحمد ولد النييني الذي أكد “مراجعة العديد من أبناء موريتانيا ممن غرر بهم في السابق، مواقفهم الفكرية من الولاء والبراء والعلاقة بالسلطة والمجتمع وغيرها من المبادئ الخاطئة التي يروج لها أصحاب الفكر المنحرف” ، فإن خطر الإرهاب غدا أشد مما كان عليه من قبل . إذ لم تعد حدود موريتانيا مع مالي آمنة بعد أن اتخذ تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي من شمال مالي قواعد لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف أمن واستقرار هذا البلد الذي يعتبره تنظيم القاعدة الحلقة الأضعف لتطبيق إستراتيجية متعددة الأبعاد ، والتي تصب كلها في بسط الهيمنة على منطقة الساحل والصحراء . ذلك أن زعزعة الاستقرار في موريتانيا يخدم مباشرة أهداف القاعدة من حيث كونه يوفر مجالا أرحب لعناصره ، سواء لتنفيذ عمليات الخطف والاغتيال ، أو للسيطرة على طرق التهريب التي تستعملها عصابات الجريمة المنظمة ؛ فضلا عن كون التراب الموريتاني يسمح بفتح ممرات إضافية لاختراق الحدود المغربية التي ظلت عصية على تنظيم القاعدة .

إذن ، الحوار الذي فتحته السلطات الموريتانية مع الجهاديين داخل السجون لم يشفع لها عند تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والعناصر الموالية له داخل موريتانيا الذي كثف هجماته لزعزعة أمن واستقرار هذا البلد. بل إن الرئيس الموريتاني أبدى حسن النية بإطلاق سراح عدد هام من المعتقلين الجهاديين دون اعتراف من التنظيم الأم أو الفرع بالمغرب الإسلامي . وإذا كانت من نتائج تسجل لصالح المشرفين على هذا الحوار الوطني حول التطرف والإرهاب ، فهي اصطفاف كبار العلماء والأئمة إلى جانب الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية في حربها ضد التطرف والإرهاب .

ومن شأن هذا الموقف المشرف من العلماء أن يرفع من معنويات الجيش والأمن وينشر الوعي السليم بين المواطنين بأن مواجهة العناصر الإرهابية هي مسئولية الدولة والعلماء والمواطنين . فالخطر لا يستثني أحدا ولا مجالا . ووعيا منه بواجبه الديني والوطني ، لم يتردد الشيخ عبد الله بن بيه رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد في تسفيه عقائد الجهاديين ووصف أعمالهم باللصوصية في قوله “لقد ارتكبتم خطيئة إذ أن للجهاد شروطه وضوابطه وهذه الشروط والضوابط لا يتوفر واحد منها في هذه الأعمال التي هي أعمال لصوصية وحرابة يعرف الجميع حدها”. بل صنفهم بـ “لصوص يتمسحون ويلبسون مسوح الدين”.

من هنا واجههم بحقيقتهم التي لم يجرؤ عليها كبار الدعاة ومشاهيرهم في المغرب لما خاطبهم “هذه ليست طريق الجنة وليست طريق فلسطين”.

ولا شك أن هذا موقف صريح وحازم لا يداري المتطرفين ولا يداهنهم ، كما دأب دعاة الإسلاميين في المغرب وقياداتهم الحزبية التي اتخذت من الأحكام القضائية ضد المعتقلين على خلفية الإرهاب قضايا وأسبابا للنيل من سمعة القضاء ، بل فتحت معارك سياسية وحقوقية للضغط على الدولة حتى تطلق سراح الجهاديين وتعتذر لهم .

إن الموقف العلمي والوطني الرصين الذي عبر عنه الشيخ عبد الله بن بيه هو ما نحتاجه في مغربنا لدعم جهود الدولة وأجهزتها الأمنية في مكافحة الإرهاب وتعقب العناصر التخريبية . ذلك أن خطر الإرهاب لا يتهدد جهة بعينها ، بل يتهدد المغرب دولة وشعبا . الأمر الذي يستوجب تقوية الجبهة الداخلية ودعم إستراتيجية الدولة في هذا المجال .

فالأمن هو أساس الاستقرار والاستثمار ، بل “هو شرط في وجوب الحج وضرورة لإقامة العبادات وفي صحة المعاملات” كما نبه إلى هذا الشيخ بن بيه في مداخلته التي ثمن فيها دور “الجيش الوطني الذي هو من المصلين ومن حملة القرآن ويحافظ على حوزة بلاده وحدودها حاميا بيضة هذا البلد” .

وما ينبغي تثمينه من المبادرة الموريتانية بعقد هذا الحوار الوطني هو عزمها على استثمار نتائجه والتوصيات التي صدرت عنه في مجالات الإعلام والتعليم والدعوة وأنشطة الهيئات الحزبية والمدنية . بالتأكيد أن محاربة الإرهاب تبدأ من جذوره الثقافية والعقدية التي تنشر التطرف والغلو وتحرض على التكفير والقتل باسم “الجهاد” .

وهذه مسئولية مشتركة بين كل قطاعات الدولة السياسية والدينية والإعلامية والثقافية والتعليمية ، فضلا عن مسئولية الفقهاء والعلماء والمثقفين والإعلاميين . إن وحدة وقوة الجبهة الداخلية هي الضامن لنجاح الحرب ضد الإرهاب .

أما الاعتقاد في كون الحوار مع المتطرفين هو المدخل لتجنب مخاطر الإرهاب ، فليس سوى وهم خادع لم يجنب الدول التي تعلقت به مخططاته التخريبية . وها هي السعودية واليمن ومصر وموريتانيا لم تتوقف معاناتها ومواجهاتها اليومية مع العناصر الإرهابية . بل إن فئة من المتطرفين الموريتانيين يصرون على تكفير الدولة واستهداف أمن المواطنين رغم جولات الحوار مع قادة تنظيم “أنصار الله المرابطون في بلاد شنقيط” .

-- سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*