السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أفتّانٌ أنت يا ( أسامة ) ؟

أفتّانٌ أنت يا ( أسامة ) ؟

في ذلك اليوم الذي كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي بالناس في المدينة ، كان يقف بين يدي الجبّار سبحانه وتعالى ، يقرأ كلام الله ، ويتلذذ به ، ويسمعه الناس فيستمتع به الصحابة ، وهذا الظن بهم ، ولكن هذا العمل العظيم ، وإطالة الوقوف أمام الرب سبحانه وتعالى ، ومناجاته بالصلاة والقرآن ، حين صار شاقا على الناس سماه النبي صلى الله عليه وسلم ( فتنة ) ، فقال : ( أفتان أنت يا معاذ ؟ ) ، ثم صاح النبي صلى الله عليه وسلم بالناس : ( يا أيها الناس إن منكم ( منفرين ) !

إنه فقه النبوة ، وسلامة المنهج ، وشمولية الرؤية من الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فالشرائع ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، والقتال ، ماهي إلا لرفع الحرج عن الأمة ، ومرعاة ما يضيرها في ضرورياتها وحاجياتها ، الأمر الذي أدى إلى أن يغضب النبي صلى الله عليه وسلم على ” معاذ ” ، وهو من خيرة الصحابة لأنه أطال الصلاة حتى شق على من خلفه ، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم صحابته : ( إذا أم احدكم الناس فليخفف ، فإن فيهم الضعيف والمريض ، وذا الحاجة ) !

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو قلوب الناس ، ويجمع حوله الصحابة الذين يحبونه أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأولادهم والناس أجمعين ، لأنه كان رفيقا بأمته ، حريصا على ما يصلحها في دينها ودنياها ، ولذلك كان يكره كل شي ” يفتن ” الناس ، أو يشعرهم بثقل التكاليف ، أو يقحمهم في مشقة لا يطيقونها ، حتى قال : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشفق عليه ، ومن ولي من أمورهم شيئا فرفق بهم فارفق به ) .. صلى الله عليه وآله وسلم !

إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصيح في وجه الصحابي الجليل ويقول : ( أفتان أنت يا معاذ ) ، أوليس من باب أولى أن تقال لغيره ؟ أوليس من باب أولى ان يخاطب بهذا أسامة ، وأيمن ، وغيرهم ممن هم على طريقتهم ؟ أو كل من يفتي ويعمل عملا يضر بالأمة : أفتانون أنتم ؟ حين تحدثون في أمة الإسلام الخبال والشقاق ، وتحيلون ساحاتها إلى ساحات قتل ودماء ، وتمزيق الأشلاء ، وتآلب وتخطيط ، وتكفير وتفسيق ، وإشاعة الفوضى ، وإقحام الامة في معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل ، وتعرضونها من البلاء ما لا تطيق .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب على معاذ رضي الله عنه ويقول : ( أفتان أنت ) ، لأنه أطال الصلاة بالناس ، فأضر بهم ضرراً يستطيع الناس تحمله مع مشقته ، ولربما لا يفقد الانسان ضروراته بالكلية ، فكيف إذا كانت الأفعال ، والمناهج ، والأقوال تفقد المسلمين مسائلهم الكبرى ، مثل : ( الأديان ) و ( الأمن ) و ( الاستقرار ) ، و(الدماء ) ،و ( الأموال ) ، وتعيق مشروعات الخير والإصلاح والدعوة ، وتجعل أهل الخير في خانة المدافع عن نفسه ، المتهم في طريقته ، ثم بعد ذلك تفتح هذه التصرفات الأبواب مشركة أمام الأعداء ليكون الطريق أمامهم سالكا ، ليهلكوا الحرث والنسل ، فتفقد الأمة أضعافا مضاعفة مما يرجو أصحاب هذه المناهج المعوجة المضلة عن الصراط المستقيم !

وإذا كان معاذ رضي الله عنه صلى بالناس لتعيين النبي صلى الله عليه وسلم له لكفاءته ، أو لاختيار الناس له ليؤمهم في صلاتهم ، ثم جاءه هذا النكير من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف بمن يضرب الناس عامتهم وخاصتهم ، علماءهم ومفكريهم ، وساستهم عرض الحائط ، ثم يجند جنوده للأعمال التخريبية داخل بلاد المسلمين التي لا يقرها نقل صحيح ، ولا عقل صريح ، فأي فتنة هذه الفتنة التي تحتاج إلى أن يكف أصحابها شرهم عن المسلمين ، ولا يقحموهم فيما لا يريدون ، فالتعدي على الناس من المحرمات القطعية بلا شك !

لنستعرض معا الأعمال التي نفذتها القاعدة منذ تفجيرات نيروبي ودار السلام إلى هذا اليوم ، ولندرس دراسة جادة حجم الخسائر التي ترتبت على الأمة ، لا شك أن المنصف سيدرك لا محالة عظيم الضرر الذي لحق بالأمة من جراء هذا ، وليس أقلها هؤلاء الشباب الذين قتلوا وسجنوا ، وتآلبوا ، وخططوا ، وفجروا ، أليسوا خسارة كبيرة ، حين انحرفت مناهجهم ، واعوجت طرقهم ، فقاموا على بلدهم وأهلهم ، قتلا ، وتفجيرا ، وإشاعة للرعب ؟ أليس هذا شي يدعو المترددين إلى ترك التردد في إعلان النكير ، بعد أن اتضحت الخسائر ، وبان العوار ، وعرف اللبيب العائل مآلات هذه الأفعال ، فالرجوع إلى الحق ، وكف اليد ، خير من التمادي في الباطل الذي يسوغه الشيطان للإنسان ، فيغويه بالاستمرار في طريق معروف مسبقا فشله ، ومخالفته لمقتضيات الشرع ، وسنن المرسلين …

 فأقول  باعلى صوت : يا أسامة .. أفتان أنت ؟! كف عن هذا .. واتق الله .. !

وهي دعوة له ، ولكل من يحمل فكره .. وحسبي أن صرخة مثل هذه هي وسيلة وطريقة لتوعية القلوب الغلف التي لا تزال في غيها سادرة .. أعادها الله إلى طريق الحق والصواب .. والله أعلم !

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*