الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مسلم قوي بلطف الفراشة

مسلم قوي بلطف الفراشة

من يتابع الأخبار المحلية والعالمية لا بد أن يلاحظ وجود أزمة جوهرية في واقع وتجليات الثقافة العامة الاجتماعية المعاصرة للمجتمعات الإسلامية، اشتباكات دامية في دور رعاية الفتيات ومدارس للبنات في مكة، وأخبار لا تنقطع لآباء وأمهات عذبوا أطفالهم حتى الموت وعنف أسري مستشر ضد النساء .

وفئات ترى أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق الورع الديني في المجتمع هو بإرهاب المجتمع وترويعه ماديا ومعنويا، وحتى أنماط تعامل الناس مع بعضهم باتت تسودها الغلظة والفظاظة والعنف المعنوي إن لم يكن المادي، وعالميا أغلب نشرات الأخبار هي عن أعمال عنف وإرهاب في مجتمعات إسلامية ووصل الأمر لدرجة إلقاء الأحماض الكاوية على عبايات النساء في سوق بالرياض وعلى وجوه طفلات محجبات في طريقهن للمدارس في أفغانستان لأنهن ذاهبات للمدرسة، وقتل أناس في الصومال لأنهم تفرجوا على مباريات كرة القدم .

وحيثما ولى المسلم وجهه يرى درجة رهيبة من العنف المادي والمعنوي في دوائر المجتمع المسلم، وإن كانت هذه الأحوال تبدو لسليم الفطرة أنها علامات اعتلال جوهري فهي تبدو بالنسبة للبعض على أنها أحوال مستحبة وحسنة، فهناك فئات يمكن رؤية عيناتهم على الإنترنت حيث ينشرون وجهات نظرهم بدون مواربة ترى أن اضطهاد المرأة وأعمال الإرهاب والقسوة والعدوان التي تطبع المشهد الإسلامي هي حسب أدبياتهم ومن منظورهم تمثل عزة وقوة وانتصارات للإسلام! فحسب تلك الأدبيات كلما كان الرجل أكثر غلظة وفظاظة وعنفا ماديا ومعنويا مع النساء ومن هم ليسوا نسخة عنه كلما عبر ذلك عن قوة وعزة الشخصية المسلمة! ولهذا حتى كتاباتهم تتميز بقدر منفر من العنف اللفظي والمعنوي والفظاظة والفجاجة في التعبيرات، وبالتأكيد هذا لا يشبه ما في الأصول الإسلامية والتربية النبوية التي جعلت أولويات المسلم تهذيب أمثال تلك النزعات والأنماط النفسية البدائية وترقيتها بالجماليات الأخلاقية «الجهاد الأكبر».

في الحديث الصحيح (مثل المؤمن مثل النحلة، إن أكلت طيبا، و إن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود نخر لم تكسره «ولم تفسد»). «صحيح الجامع للألباني».. ومعنى الحديث أن مثال المؤمن في رقة ولطف أخلاقه وسلوكه كما ولو أنه ألطف المخلوقات كالنحلة..كالفراشة بحيث إذا حط على غصن دقيق نخر أي مهترئ من فرط لطفه لم يتسبب بكسره ولا بضرر لأزهاره، ولا يبدر منه إلا ما هو نافع وحلو كعسل النحل.

والواقع هناك خلط بين مفهوم «العنفوان» و «العنف» والعزة بها، فالخليفة أبوبكر الصديق لما أرسل الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي بدل مدد من ألف رجل قال: «لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل». وإشارته للصوت دلالة على أنها ليست قوة العنف، إنما العنفوان، والعنفوان هو طاقة نفسية معنوية جوهرية كارزماتية يمكن بها لإنسان أن يحرك أمة، والمصطلح القرآني لهذه القوة هو العزم، (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسلِ)، قال المفسرون ليس كل الرسل من أولي العزم. وقوة العنفوان أو العزم تكتسب بالإضافة للمواهب الفطرية بالتربية الأخلاقية والسلوكية الإيمانية والجوهرية والمعرفية والفكرية، بما ينتج ما تسمى في المصطلحات النفسية الحديثة «بالشخصية الكارزماتية» بينما العنف سواء المادي أو المعنوي يصنف على أنه الوسيلة التي يعبر بها الإنسان البدائي عن إرادته لأنه لا يمتلك من التطور العقلي والإدراكي والشخصي ما يؤهله لامتلاك التأثير الكارزماتي.

وبالعنف لا يمكن للإنسان تحريك الآخرين لما يريده إلا بقدر ما يوقع عليهم من سطوة وإكراه وإرهاب، وشتان ما بين ثمار العنفوان وثمار العنف فبينهما كما بين الثرى والثريا والعمار والدمار. ولهذا فالتوجه لمعالجة العنف الأسري والاجتماعي والإرهاب والصراعات الأهلية يبدأ من إدخال مناهج التربية والترقية السلوكية الجوهرية للتعليم والإعلام ودعم أعمال فنية تجسد جماليات الرقي الأخلاقي في مقابل أعمال التهريج المقذع والإثارة بالعنف المادي والمعنوي و «عنتريات» السلوك السوقي، والترغيب في العودة لأمهات الكتب في مجال التربية الأخلاقية «كمدارج السالكين» لابن القيم وما على شاكلته، فالصدق والأمانة هما أساسيات الاستقامة وهناك مراتب في الترقي الأخلاقي والجوهري غاب التعريف بها في الأدبيات والكتب الإسلامية المعاصرة وهي بحق تجعل المسلم متحليا بقوة لطف الفراشة.

-- بشرى السباعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*