الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المغرب وتجربة مواجهة التطرف والإرهاب

المغرب وتجربة مواجهة التطرف والإرهاب

لم يكن المسئولون المغاربة وعموم العلماء والفقهاء يدركون بدقة مخاطر التطرف والإرهاب التي تتهدد الوطن في أمنه واستقراره . إذ ظلوا يرددون عبارة “الاستثناء المغربي” ويستندون في اعتقادهم هذا إلى كون المغاربة متسامحين بطبعهم وثقافتهم التي تشكلت  عبر عشرات القرون وتلاقحت مع الثقافات الوافدة أو الغازية بفعل عوامل الاستعمار أو التدافع الحضاري ، خصوصا وأن بلاد المغرب توجد في موقع جغرافي يطل على البحر الأبيض المتوسط مهد الحضارات الإنسانية ومركز الصراع بين الإمبراطوريات على مر التاريخ .

كل هذه العوامل ساهمت في خلق ذهنية منفتحة لدى المغاربة على مختلف الثقافات ، وشخصية متسامحة تأبى الانغلاق والتشدد . وحتى عند وقوع أعمال إرهابية سنة 1994 في فندق أطلس إسني بمراكش ، حين نفذ أشخاص أجانب من جنسيات جزائرية وفرنسية هجوما مسلحا على نزلاء الفندق ، استبعد المسئولون المغاربة فكرة “الإرهاب” .

إلا أن هجمات 11 سبتمبر 2001 جعلت أعين الدوائر الأمنية تترصد حركة المتطرفين وتتبع أنشطتهم . وهذا ما أسفر عن اكتشاف وتفكيك ما سمي حينها بـ”الخلايا النائمة” في صيف 2002 . هذه الخلايا كانت تخطط لضرب السفن والبوارج حين عبورها لمضيق جبل طارق .

كان هذا الاكتشاف دليلا على أن المغرب ليس في منجاة من الأعمال الإرهابية التي تخطط لها التنظيمات الدينية المتطرفة . إلا أن المسئولين المغاربة لم يرفعوا من درجة التأهب واليقظة استعدادا لمواجهة المخططات التخريبية ، وظل الاعتقاد بأن المغرب بلد الاستثناء ، وأن تربته الثقافية لا تنبت عقائد التطرف الديني .

ورغم ما تناولته بعض الصحف الوطنية من أخبار تخص الأنشطة المكثفة التي تقوم بها جماعات متشددة في كثير من الأحياء الشعبية بالمدن المغربية الرئيسية مثل الدار البيضاء وفاس وسلا ومكناس ؛ وكذا طبيعة الفتاوى التكفيرية التي تكفر الدولة والمجتمع وتحرض على أعمال العنف باسم “الجهاد” ، لم تتحرك الأجهزة الأمنية لتعقب أصحاب هذه الفتاوى التي كانت تلقى داخل المساجد وتوزع أمام أبواب المساجد دون حسيب أو رقيب .

وحين وقعت التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء ليلة 16 مايو 2003 أحدثت صدمة عميقة في نفوس المغاربة ، مسئولين ومواطنين ، جعلتهم يدركون أن الإرهاب لا وطن له ، وأنه يضرب في كل مكان ويستهدف الجميع . وجاء الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي يوم 29 مايو 2003 يعبر بصدق ومرارة عن هذه الصدمة التي هزت وجدان الشعب وضميره  كالتالي (لقد عاهدتك أن أتحدث إليك بكل صراحة مهما كانت الظروف.

وإذا كنت لم أخاطبك مباشرة إثر الاعتداءات الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء لأقول بأننا كسبنا المعركة ضد الإرهاب في ليلة واحدة أو أيام معدودة فذلك راجع لثقتي في حكمتك وتبصرك والتزامنا المشترك بالمسؤولية والشجاعة في مواجهة المواقف الصعبة واعتباري أن الوقت وقت عمل وحزم… ولاستخلاص الدروس مما حدث ‏والتعبئة ضد تكراره ارتأيت أن أخاطبك اليوم مشاطرا المواطنين عامة وسكان الدار البيضاء خاصة مشاعر التأثر والسخط الشديد والرفض القاطع لما أصابهم من إرهاب عدواني أثيم مجددا الإعراب عن أحر التعازي لأسر الضحايا الأبرياء من المغاربة والأجانب. ) .

لقد أحدثت هذه الهجمات الإرهابية رجة قوية في الوجدان المغربي جعلت المسئولين يغيرون طريقة تعاملهم مع التطرف الديني ويضعون خريطة مفصلة لتواجد تنظيماته وخلاياه وامتداداتها داخل المجتمع والمؤسسات الدينية ، خاصة المساجد والمدارس القرآنية .

في هذا الإطار جاء  إصرار المسؤولين المغاربة على مواجهة العناصر الإرهابية والخارجين على المذهب المالكي بكل حزم وقوة ضمانا للأمن الروحي للمغاربة وحفاظا على الثوابت التي أجمع عليها الشعب المغربي .

وأمام هذا الحزم والحسم في اتخاذ موقف صارم من الإرهاب ، صوت النواب البرلمانيون المنتمون إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذين ظلوا يعارضون مشروع قانون الإرهاب الذي أعدته الحكومة وعرضته على البرلمان للمصادقة عليه . 

وجاء الموقف الملكي أكثر حزما إزاء كل الأطراف التي تسيء استغلال الحريات الديمقراطية لدعم التطرف وحماية عناصره أو الترويج لعقائده الضالة والفاسدة .

إذ خاطب الملك هؤلاء بالقول الفصل (وإذا كانت الدولة إدراكا منها للأخطار الإرهابية قد تحملت مسؤوليتها في محاربتها والحرص على الوقاية منها بقوة القانون عن طريق نصوص ظلت معروضة على البرلمان عدة شهور فإن بعض الأوساط عملت على المعارضة المنهجية لتوجهات السلطات العمومية مسيئة استعمال حرية الرأي فللجميع أقول: إن التمتع بالحقوق والحريات يقتضي القيام بواجبات والتزامات المواطنة مؤكدا أن بناء الديمقراطية وترسيخها لا يمكن أن يتم إلا في ظل الدولة القوية بسيادة القانون).

إن الخطاب الملكي بمناسبة الأحداث الإرهابية جاء ليضع حدا فاصلا بين مرحلتين : مرحلة التسيب التي سادت واتسمت بإخلال القطاعات الحكومية بواجبها الوطني في حماية الأمن الروحي للمغاربة ولم تمارس المراقبة الضرورية للأنشطة التي تمارسها الحركات والتنظيمات الدينية المتشددة على امتداد التراب الوطني ومن أعلى منابر المساجد التي تراقبها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية .

فالقطاعات الحكومية المعنية ظلت تتساهل مع الاختراق المذهبي للمغرب ، كما سمحت بدخول آلاف الأطنان في الكتب والأشرطة والأقراص المدمجة التي تروج لفقه التكفير والتشدد وثقافة الكراهية وتحرض على العنف وقتل الأبرياء .

ففي حوار مع وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق عبد الكبير العلوي المدغري ، نقرأ دفاع هذا الأخير عن نفسه أمام الاتهامات التي وُجهت له بتسهيل الاختراق المذهبي للمغرب وتشجيع التيارات الدينية المتطرفة ، نقرأ إقراره بأن المسؤولية مشتركة بين القطاعات الحكومية ولا تتحملها وزارة الأوقاف لوحدها كالتالي ( من هو الجهاز المكلف بمراقبة الحسابات البنكية للأفراد والهيئات والجماعات في المغرب للتأكد من حركة التمويلات الخارجية وحجمها ، هل هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ؟ من كان يسمح بدخول الأطنان من الكتب والأشرطة المتشددة إلى المغرب ويسمح بتوزيعها وبيعها في قارعة الطريق ، هل هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ؟ من كان يسمح بفتح المعاهد الدينية المتطرفة في أنحاء المغرب ؟ .. من سمح بجعل الكاراجات والبراريك مساجد ؟ ) ( جريدة الصحراء المغربية بتاريخ 9 يونو 2003 ) .

إذاً ، التقصير كان ثابتا لدى الدولة في تعاطيها مع الخارجين على المذهب المالكي الرسمي للمغرب . وكانت للدولة حساباتها الخاصة في التمكين لهذه التيارات الدينية حتى تنشر عقائدها الضالة على نطاق واسع .

ومن الأهداف التي كانت الدولة تسعى إلى تحقيقها بالتساهل مع هذه التيارات الدينية ، محاصرة تنظيمات إيديولوجية ودينية مناهضة للنظام الملكي وعلى رأسها : جماعة العدل والإحسان التي تستمد عقائدها من التصوف والتشيع معا .

ففي سنة 1984 وقعت احتجاجات تخللتها أعمال عنف بعدد من المدن ، خاصة مراكش والدار البيضاء وبعض مدن الشمال المغربي ، تزامنت مع انعقاد قمة المؤتمر الإسلامي بالمغرب . وأرجعت السلطات العمومية أسباب هذه الأحداث  إلى تورط ثلاثة أطراف هي :  الشيعة الموالين لإيران والثورة الخمينية في إطار تصدير الثورة وبسط الهيمنة المذهبية على العالم الإسلامي ، ثم الصهيونية التي أرادت إفشال أعمال المؤتمر الإسلامي حتى لا يخرج بقرارات مصيرية تهم الصراع العربي الإسرائيلي .

أما الطرف الثالث فهو التيار الماركسي اللينيني المتمثل في منظمة “إلى الأمام” التي كانت تسعى لإقامة نظام شيوعي على أنقاض النظام الملكي . أمام هذا الوضع ، نهجت الدولة إستراتيجية مواجهة الفكر بالفكر .

لكنها كانت إستراتيجية خاطئة ، لأن الفكر الذي استنبتته الدولة يهدد مباشرة كيانها والأسس التي تقوم عليها ولا يقتصر على مواجهة التيارات الدينية والإيديولوجية التي تعادي نظام الحكم . هذا هو الإطار الذي حكم تساهل الدولة مع الخارجين على المذهب . لكن الواقع أثبت أن الدولة لم تفشل فقط في القضاء على التنظيمات المناهضة للنظام الملكي ، ولكن أيضا خلقت أعداء جددا هم أشد خطرا على أمنها واستقرارها .

لهذا جاء الخطاب الملكي ليضع حدا لحالة التسيب والفوضى التي كانت تستغلها التنظيمات الدينية المتطرفة والخارجة على المذهب الرسمي للمغرب .

ومما قاله الملك عقب الأحداث الإرهابية ( لقد دقت ساعة الحقيقة معلنة نهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية للنيل من سلطة الدولة أو من يروجون أفكارا تشكل تربة خصبة لزرع أشواك الانغلاق والتزمت والفتنة أو يعرقلون قيام السلطات العمومية والقضائية بما يفرضه عليها القانون من وجوب الحزم في حماية حرمة وأمن الأشخاص والممتلكات).

كانت هذه بداية التفكير في وضع إستراتيجية واضحة لمواجهة التطرف والإرهاب توازي الإستراتيجية  الأمنية التي أثبتت فعاليتها في تفكيك ما لا يقل عن مائة خلية إرهابية منذ 2002 إلى 2010 .

وأدرك المسئولون المغاربة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمحاصرة التطرف والقضاء على خطر الإرهاب .

الأمر الذي استدعى وضع مقاربة شمولية تركز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والدينية .

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*