الأربعاء , 25 يناير 2017
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كارثة الفيضانات وصعود طالبان باكستان.. يطرحان العسكر بديلا للحكم وقد يعيدان مشرف.

كارثة الفيضانات وصعود طالبان باكستان.. يطرحان العسكر بديلا للحكم وقد يعيدان مشرف.

بدا في الأفق بعد اضطرار برفيز مشرف على التنازل عن منصب القائد العام للجيش في نوفمبر سنة 2007، والفصل بين قيادته للدولة وقيادة المؤسسة العسكرية، ثم إجباره على تقديم استقالته من رئاسة الدولة في أغسطس سنة 2008، وتحولها عبر انتخابات نزيهة لقيادة حزب الشعب الجديد ممثلة في آصف على زرداري، وسيطرة الحزب على القرارات العسكرية، وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة على حساب رئيس الدولة، بغية تقليص سلطات الرئيس التي تمددت بعد انقلاب برفيز مشرف عام 1999 وإلغاء التعديل الدستوري السابع عشر الذي أجرى في عام 2003 الذي كان يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة، تم تقليصها وفق تعديل دستوري مغاير في أبريل سنة 2010، ونقل العديد من صلاحيات رئيس الدولة إلي رئيس الحكومة ونزع سلطة حل البرلمان وإقالة الحكومة وتعيين رئيس أركان الجيش من قبل الرئيس‏.‏

مثل هذه الإجراءات ساعدت في تصور إمكانية قيام دولة مدنية غير معسكرة في باكستان، خاصة وأن الجيش كان له دور مهم في قيامها ونشأتها في ظل بيئة وجوار صراعي في مجمله، وقد حظي مشروع مدنية الدولة في باكستان بدعم ورعاية أمريكية واضحة، دشنته عودة بينظير بوتو إلي باكستان في ديسمبر‏2007.‏

ولكن ما كشفته كارثة الفيضانات الأخيرة في باكستان، من ضعف وهشاشة أجهزة الدولة وفاعلية الجيش وقدرته على القيام بالمهمات الصعبة في المجال المدني بجوار مجاله العسكري، حيث كان اكثر وضوحا وحضورا، والقدرة على الانتشار والوصول بجهود الإغاثة إلى مختلف بقاع باكستان، بينما ثبت عدم كفاءة أجهزة الدولة بشكل كبير وجمودها بل وفساد كثير منها بشكل كبير. 

فقد كان واضحا أيضا خلال الأزمة وجود نوع من التقصير أو الاستخفاف غير المسئول من قبل زرداري وحكومته في تعاطيهم مع الأزمة، حتى بدا الجيش وكأنه يتحرك بمفرده وبمعزل عن الجناح المدني‏,‏ بل بدت الكارثة التي لم تشهد البلاد مثيلا لها في التاريخ الباكستاني، أولوية متأخرة لدى زرداري الذي قدم عليها، زيارته لبريطانيا لمعالجة تداعيات تصريحات رئيس الوزراء البريطاني أثناء زيارته للهند في نهاية يوليو الماضي علي مواجهة كارثة الفيضانات‏,‏ وهو ما آثار الشارع الباكستاني الذي توقع قطع زرداري لزيارته وعودته للبلاد لمواجهة الكارثة‏ العظيمة التي حلت به.‏ كما كشفت الكارثة بشكل واضح عن ضعف القوي المدنية بشكل عام‏,‏ سواء البيروقراطية‏,‏ أو مؤسسات المجتمع المدني‏,‏ فضلا عن غياب الأجهزة المعنية بإدارة الأزمات‏.

هذه الفجوة الواضحة بين أداء الجيش من ناحية‏,‏ والحكومة والقوي المدنية من ناحية أخري‏,‏ وبين أداء الحكومة من ناحية وتوقعات الشارع الباكستاني من ناحية أخري‏,‏ ستؤدي بلا شك إلي تحويل الأنظار إلي الجيش باعتباره المنقذ الحقيقي وقت الأزمات‏,‏ وإلي إعادة النظر في تجربة الحكومات المدنية بشكل عام‏.‏

وقد ينتهي هذا الوضع بحدوث انقلاب عسكري واضطرار الجيش إلي إنهاء المعادلة السياسية القائمة مع النخبة المدنية‏,‏ خاصة في حالة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد‏,‏ في ظل التوقعات القائمة بتراجع حاد في معدل النمو الاقتصادي لينخفض إلي أقل من‏2%,‏ وارتفاع معدل البطالة وحدوث أزمة غذاء في ضوء الأضرار الشديدة التي لحقت بقطاع الزراعة‏، وارتفاع قيمة العجز التجاري نتيجة الانخفاض المتوقع في حجم الصادرات الزراعية، وتردد الدول المانحة في تقديم المساعدات المالية لباكستان وإدارتها عبر النخبة المدنية القائمة‏ التي يشكك في فسادها بشكل كبير.

ولا يقتصر القبول برجوع الجيش بما في ذلك عبر الانقلاب علي الداخل الباكستاني فقط‏,‏ ولكن ربما يجد قبولا أيضا من جانب الولايات المتحدة والغرب في ظل حالة التوتر القائمة من طرفهم قبل النخبة المدنية الحاكمة الآن في باكستان، خاصة في ظل ثورة الحديث عن دور باكستاني مزدوج في أفغانستان‏، كما أن تراجع التحفظ الداخلي علي عودة الجيش سوف يرفع بدوره الحرج عن الولايات المتحدة لتشجيع هذا السيناريو‏، أضف إلي ذلك أن الغرب قد يفضل الاعتماد علي الجيش خلال السنوات الخمس القادمة لإدارة عملية إعادة الإعمار بالنظر إلي ضعف مصداقية ونزاهة النخبة المدنية‏.‏

مؤشرات أولية:

شهدت الأسابيع الأخيرة بعض التطورات المهمة التي يمكن النظر إليها كمؤشرات أولية علي إمكانية حدوث هذا السيناريو، كان أبرز هذه المؤشرات إعلان الرئيس السابق برفيز مشرف العودة مرة أخري إلي الحياة السياسية في باكستان‏، وعزمه تأسيس حزب جديد في أكتوبر المقبل تحت اسم الرابطة الإسلامية لكل باكستان‏,‏ تمييزا له عن حزب الرابطة الإسلامية‏-‏ جناح نواز شريف‏,‏ والرابطة الإسلامية‏-‏ جناح قائد أعظم ـ الذي أسسه مشرف نفسه كواجهة حزبية ومدنية لنظامه العسكري خلال فترات حكمه‏.‏
علي الرغم من أن مشرف ذاته لا يحظي بالدعم الذي يضمن له‏،‏ أو لحزبه الجديد‏,‏ فوزا مريحا في الانتخابات البرلمانية القادمة‏2013‏ بشكل يسمح له بتشكيل حكومة أو رئاسة الدولة‏,‏ وهو بالتأكيد يدرك ذلك بشكل واضح‏,‏ إلا أنه يراهن علي عوامل أخري أكثر أهمية في المرحلة الراهنة‏.‏ يتعلق العامل الأول بتحول الأنظار مرة أخري إلي العسكر‏,‏ وهي فرصة يمكن أن تجعل منه بديلا وسطا بين السيطرة الصريحة والمباشرة للجيش علي السلطة من خلال الانقلاب العسكري‏,‏ خاصة بعد أن يكون قد قضي خمس سنوات خارج السلطة والمؤسسة العسكرية‏.‏ العامل الثاني يتعلق بعلاقته بالقائد الحالي للمؤسسة العسكرية‏,‏ الجنرال أشفق كياني‏,‏ وهو شخص عرف عنه عزوفه عن تولي منصب سياسي مدني‏,‏ وعدم تفضيله لفكرة الانقلاب العسكري‏,‏ فضلا عن علاقته الجيدة ببرفيز مشرف‏.‏ بمعني آخر‏,‏ ربما يمثل مشرف هنا البديل العملي الأفضل من وجهة نظر الجيش للعودة مرة أخري إلي السلطة من خلال شخصية عسكرية ذات واجهة مدنية‏.‏ العامل الثالث يتعلق بمراهنة مشرف علي مراجعة الولايات المتحدة للمشروع المدني برمته في باكستان‏.‏ فكما كشفت كارثة الفيضانات بالنسبة للمجتمع الباكستاني حدود الاعتماد علي القوي المدنية في إدارة هذا النوع من الكوارث‏,‏ فقد كشفت هذه الكارثة أيضا‏، وخبرة العامين الأخيرين عن حدود اعتماد الولايات المتحدة علي زرداري وحكومته في مواجهة صعود طالبان والقاعدة في أفغانستان وباكستان‏.‏

فقد فشلت حكومة حزب الشعب في إدارة كارثة الفيضان كما فشلت من قبل في إدارة حربها مع طالبان باكستان التي بدأت التمدد خارج باكستان، وصارت تتبعها عناصر في الولايات المتحدة والغرب تسعى لتنفيذ عمليات عسكرية باسمها، مثل عملية تايمز سكوير بنيويورك وبعض العمليات المزمعة في أوربا في الوقت الحالي، وهذان السببان كافيان بدرجة كبيرة لطرح شرعية البديل العسكري المتمثل في مشرف أو غيره.

ورغم أن فترة حكم مشرف لم تخل من خلاف مع الولايات المتحدة فإن عودته مرة أخري للسلطة ـ في حالة تحقق ذلك‏-‏ سوف يسبقها بالتأكيد صفقة كبيرة مع الولايات المتحدة تستند إلي تعهدات واضحة من جانب مشرف والجيش بعدم المساس بالتعديل الدستوري الثامن عشر‏,‏ أو الالتزامات الباكستانية تجاه الحرب ضد طالبان والقاعدة‏.‏ لعل ما يؤكد إدراك مشرف لشروط هذه الصفقة المتوقعة ارتباط تصريحاته بخصوص تأسيس حزبه الجديد بتأكيده علي ضرورة استمرار الحرب الأمريكية ضد طالبان والقاعدة‏,‏ واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان‏,‏ جنبا إلي جنب مع تأكيده حاجة باكستان إلي الديمقراطية‏.‏ خلاصة القول إذن أن مشرف قد يمثل بديلا عمليا تتوافق حوله مصالح جميع الأطراف‏.‏

-- هاني نسيره

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*