الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ورقة عمل حول أسباب الإرهاب

ورقة عمل حول أسباب الإرهاب

ما زال النقاش يطرح حول قضية الإرهاب وحول أسبابها وأضحت الشغل الشاغل للحكومات  للتصدي لها ومحاولة القضاء على جذورها والتي اختلف المحللون في حصرها ،وتحديد مسبباتها التي تتداخل فيها عدة عوامل متشابكة فيما بينها من سياسي واقتصادي وثقافي ،وقد ارتأيت المساهمة في هذا النقاش الدائر من خلل تحليل احد الأسباب الذي اعتبره أساسي ويشكل احد ابرز العناصر المغذية للظاهرة الإرهابية من خلال اعتمادنا على منهج الاستقراء.

وكان من أهم أسباب كتابة هذه السطور هو النقاش الدائر على منتديات الانترنت ومحاولة البعض إغراق العالم الافتراضي بأفكار إرهابية ومحاولة مصادرة الآراء الأخرى بإتباع أساليب شتى وقد حفزني هذا وزادني عزما على المساهمة في إجلاء بعض الحقائق في هذا المجال.

أولا :مظاهر الظاهرة الإرهابية :

قد لا نحتاج إلى تعار يف كثيرة وشرح للمصطلحات فالظاهرة هي (كل النظم الاجتماعية والقواعد والاتجاهات العامة التي يشترك بإتباعها جماعة من المجتمع ويتخذون منها أساسا لتنظيم حياتهم العامة، وتنسيق العلاقات التي تربطهم بعضهم ببعض وبغيرهم)، وأما تعريف الإرهاب (فهو الاستعمال العمدي والمنظم لوسائل من طبيعتها إثارة الرعب والخوف في المجتمع بقصد تحقيق أهداف معينة،وهذه الوسائل يمكن أن تكون مادية أو معنوية ).
من خلال هذين التعريفين يمكن رسم خريطة التجليات الأساسية لهذه الظاهرة وأسبابها ،وأولها :

1 )عموميتها:

لا شك انه لا يوجد بلد سلم من هذه الظاهرة فقد أصبحت عامة ليس فقط في البلدان الإسلامية بل تعدتها إلى الدول الغربية التي توجد بها جاليات إسلامية.

2)ارتباطها بالإسلام:

لاشك أن الإرهاب ليس ظاهرة إسلامية فكل الدول توجد بها جماعات إرهابية  من أمريكا إلى اسبانيا حتى اليابان  إلا أن السمة الغالبة للأعمال الإرهابية في السنوات الأخيرة هي ارتباطها بالجماعات الإسلامية.
وليس هذا تجنيا على الإسلام بقدر ما هو إقرار بان انتساب منفذي الأعمال الإرهابية اسميا للإسلام، بغض النظر عن مبررات هذه الأعمال خاصة في بؤر التوترات .
وهكذا نشأ خطاب ديني ينطلق من الإسلام ويتبنى فكرا يرمي إلى تغيير المنكر بالقوة المادية وتصفية كل أعداء هذا المشروع بغض النظر عن عقيدتهم وفكرهم فالمسلمون بدورهم يدخلون في قائمة الكفر، بعد أن كان الغرب فقط من يعتبر بلاد الكفر، وهكذا فالمبرر الأساسي للظاهرة يأخذ طابعا تكفيريا.

3)استعمالها للعنف المادي :

اتسمت هذه الظاهرة باللجوء إلى أنواع العنف المادي  واللجوء إلى أسلوب القتل والتدمير بعد أن كانت في البداية مجرد إرهاب فكري من خلال بعض الخطابات والأشرطة والكتب التي تعتمد أسلوب التخويف والترهيب من العذاب وجهنم وتكفير الأنظمة والمفكرين، وكان استعمال العنف المادي محدودا، فشهد العمل نقلة نوعية بمحاولة الاقتصاص من أعداء الله بعد أن كان الأمر في السابق متروك لإرادة الله .

(4 التهويل الإعلامي:

وقد ساعد الإعلام بكل أنواعه بانتشار سريع للأفكار التكفيرية خاصة مع تتطور الانترنت ،والذي لعب دورا كبيرا في استقطاب الشباب لصف هذا المشروع من جميع دول العالم خاصة بعد استغلال حربي العراق وأفغانستان للترويج لانتصارات هذا المذهب على الأعداء من خلال بث بعض العمليات الجهادية ونشر كبير لرسائل زعماء هذا التوجه التهديدية للغرب .

5) اتخاذها طابعا التنظيم العالمي :

بفضل الزخم الإعلامي الكبير لفت التوجه التكفيري الأنظار وجلب إليه كل اليائسين والتائهين ،وكون له إتباع على مستوى العالم وتشكلت تنظيمات وخلايا عنقودية في كل البلدان لتشكل عناقيد متفرقة ،ما يجمعها هو الإطار العام الذي تحرك فيه ،سواء كان الدولة أو المدينة أو حتى القارة، و الاتصال بينها محدود في رؤوس هذه العناقيد والتي تشكل نواة تدور حولها مجموعة من الأفراد على شكل ذراه أو حبات ، فيصعب فك هذا التنظيمات واكتشافها وحتى وان اكتشفت تكون هناك تنظيمات أخرى تعمل في نفس الإطار.

ثانيا :أسباب الظاهرة

من خلال هذه التجليات العامة يمكن أن نفهم بعض الأسباب التي تكمن وراء هذه الظاهرة في ما يلي:
رغم كثرة أسباب الظاهرة الإرهابية في العالم الإسلامي يمكن حصر بعض هذه الأسباب بشكل عام في أسباب ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية:

الأسباب الثقافية والفكرية :

يعتبر العنصر الثقافي أو الفكري من بين أهم العناصر المسببة للإرهاب وذلك لكونه يشكل اصل التأصيل الشرعي لكل السلوكيات المؤطرة للتنظيمات الإرهابية من خلال نشر فهم خاص للدين ومنهج للتعامل مع باقي أفراد المجتمع ،ومن بين العناصر المساعدة والتي هيأت أرضية خصبة للإرهاب هي تنامي ظاهرة التدين المتشدد  وإقبال فئات عريضة من المجتمع على الدين دون وعي .
ولذكر بعض سمات هذه التكونات والأفكار :

– المواقف من المخالفين :فهم إما كفار أو ضالون أو فاسقون وفي أحسن الأحوال يتم تصنيفهم ضمن الفرق الضالة حسب التقسيم القديم لعلماء عصور الانحطاط ( من معتزلة و أشاعرة وصوفية أو رافضة إلى آخره من أسماء وصفات) ،كلها حقت عليها صفة الكفر أو الضلال.

-الانعزال عن المجتمع :لاشك أن الاتجاه المتشدد في اغلب الدول يتخذ طابعا انعزاليا داخل المجتمع وذلك من خلال القطيعة مع الكثير من عادات وتقاليد المجمتع على جميع المستويات ، على مستوى الأسماء مثلا (أبو فلان و أم فلان)، وعلى مستوى الخطاب واللغة حيث تستعمل لغة عربية فصحى في مجتمع تعود اللهجات ،وكذلك على مستوى اللباس ، فهو لباس غريب عن الواقع المحلي بدعوى اللباس السني والذي في الحقيقة ليس سوى لباس أفغاني أو باكستاني وفي أحسن الأحوال خليجي .

كما انه تم اختيار الانعزال عن المجتمع حتى في ممارسة الشعائر الدينية كالصلوات الخمس والجمعة والتراويح في رمضان ،فيمكنك التمييز بين المساجد المتشددة أو المصليات في الأحياء والتجزئات السكنية  حتى انك تجد من يضطر إلى قطع مسافات طويلة لحضور صلاة في مسجد غير مسجد الحي الذي يسكن فيه مما يوحي بقطيعة مبطنة للإمام الذي ليس من نفس التوجه ،بالإضافة إلى نمط العيش الذي يتميز باحتراف المهن الحرة كتجارة الأعشاب والكتب والحرف البسيطة.

– استغلال حاجة الناس إلى الدين: لا شك أن إقبال الناس على التدين من خلال نشر المذهب وذلك عبر شبكة كبيرة من الوسائل وتقريب التدين من المواطنين عبر الأشرطة السمعية والفتاوى المتعددة من خلال الكتب المنتشرة بشكل كبير والمتاحة بأثمان مادية على صعيد كبير. وليس غريبا أن تجد الظاهرة منتشرة في أقاصي الجبال والقرى النائية لنفس السبب.

– استغلال اليأس والإحباط لدى فئات عريضة من المجتمع: في هذا الإطار يتم التركيز غالبا على المحبطين أو العاطلين عن العمل أو المنغمسين في المخدرات ومحاولة استقطابهم وتقمص دور المنقذ لهم وبذلك يكون المعني بالأمر خاضعا لتوجهات التنظيم ومنصاعا لأوامره مما يجعله قابلا لتنفيذ كل ما يطلب منه حتى ولو اقتضى الأمر الانتحار، هذه الفكرة أصلا شغلت تفكير هذه الطبقة وكانوا مستعدين للانتحار في قوارب الموت أو بواسطة المخدرات فتغير مفهوم الانتحار لديهم ليتخذ لبوسا دينيا ينتهي بالسعادة الأبدية المفقودة على الأرض .

– الدعم المالي: لا يخفى أن الجانب المادي يلعب دورا كبيرا في انتشار هذا التوجه وذلك من خلال التكفل بمتطلبات الأعضاء وحل مشاكلهم المادية وذلك من خلال توفير راس مال لبدء المشاريع  التي يستفيد منها التنظيم بشكل مباشر أو غير مباشر ،فبيع الأشرطة والكتب والمصاحف يوفر دخلا كبيرا للجماعة خاصة أن اغلب هذه المواد  ليست للبيع أو تأتي على شكل هبات لهذه الجمعيات ومنها ما يحمل (يهدى ولا يباع) وهو معروض للبيع .فبعملية حسابية يمكن توقع ما تذره هذه التجارة من أموال فإذا كان كتاب فقه السنة  مثلا لا يقل  ثمنه عن 80درهم أو مصحف مترجم للفرنسية ب 200 درهم فكم ستوفره هذه التجارة المشروعة يا ترى؟ .

– تبني منهج جاف ومجرد من العواطف :
ويتجلى في غياب الرفق مع المخالفين وذلك من خلال استعمال أساليب بعيدة عن نموذج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يمثل الأسوة الحسنة في السلوك الإنساني الرفيع في التعامل مع الكفار ومع الأصنام و مع اليهود ،والذي يجسد الإسلام الذي احتاجه زمانه ونزله عليه على قدر فهم أصحابه وكان يعلمهم المنهج السليم في التنزيل كما في قصة الرجل الذي بال في المسجد والذي قام البعض يريد قتله لكن نبي الرحمة تفهم جهل الرجل و بين أن الأمر بسيط ليس فيه مس لقدسية المسجد وحرمته وليس فيه إهانة لهم فتم بذلك وضع السلوك في موضعه من خلال تصحيح فهم الرجل.

وهذا الجانب في هذا التوجه ستنتج عنه صراعات حول هذه المنافع وطرق استغلالها تتحول من صراع مادي إلى صراع فكري لابد من حسمه عقديا، فيتم اللجوء إلى النصوص الدينية وتأويلها من اجل ضرب الطرف الأخر فتنشا بذلك عدة توجهات تصل إلى حد التناقض يتيه بينها الأعضاء ويفقدون الثقة في مشايخهم .

وغياب آداب الحوار مع المخالفين والتعصب الأعمى  للمذهب ولمشايخه يجعل الانجراف إلى استعمال العنف سهلا .

-الاشتراك في المشيخة: لقد لعب شيوخ التشدد دورا كبيرا في نشر هذا التوجه وذلك من خلال التربية على احترام المشايخ،وفي نفس الوقت تعميم خطاب صارم في التعامل مع الفرق الضالة الأخرى وعدم التساهل معها ومع كل من يخالف نصوص السنة والقرآن فكان هذا المنهج هو نفسه ما سيطبقه الخارجون عن هذا التوجه نحو التكفير بإعمال منهج تكفير معطلة نصوص الحكم بما أنزل الله ومخالفة الأحاديث الصحيحة في مجال الجهاد وموالاة الأجنبي.

الأسباب السياسية :

لا شك أن السياسة لعبت دورا كبير في تغذية الظاهرة الإرهابية بشكل أو بأخر سواء كانت السياسة المحلية أو الدولية،فاختلال ميزان القوى على مستوى العالم ضد القضايا الإسلامية خلق نوعا من فقدان الثقة في المجتمع الدولي ومؤسساته .
أما على المستويات المحلية فان تجليات هذا الأمر متعددة وكثيرة يمكن حصرها فيما يلي:

* تعمد الدولة دعم هذه التيارات في بدايتها والسكوت عن أنشطتها في إطار سياسة محاصرة الحركات الإسلامية المعتدلة  .
وليس غريبا أن تكتوي الدولة بنار هذا التوجه خاصة في السعودية والتي اضطرت إلى تغيير الخطاب الديني بدرجة مائة وثمانين درجة بحيث يتم الحديث حاليا عن الإسلام المعتدل و الوسطي في السعودية والخليج .

* فشل الدولة في ترويج اسلام وسطي معتدل بعبارة اخرى العجز على تسويق منتوج جيد ومرغوب من خلال الاعتماد على مسوقين فاشلين مما فسح المجال لهذا التوجه لاكتساح المجال الديني لتلبية هذه الحاجة.

* تنامي ظاهرة التيارات العلمانية والمنادية بتطبيق العلمانية أو الحداثة في مجتمعات إسلامية مما خلق رغبة في التصدي لهؤلاء من خلال الإحساس بالمسؤولية عن  الدفاع عن الإسلام .

الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

ويمكن حصر هذه الأسباب فيما يأتي:

–الفقر والحرمان يشكلان عنصران أساسيان في تغذية هذه الظاهرة وليست بالضرورة سببا مباشرا لها بحيث ليس بالضرورة كل المحرومين يشكلون مشاريع إرهابيين وأن يشكلون حطبا يمكن استعماله في التدفئة أو في نفس الوقت في إحراق الآخرين
 – ضعف الثقافة الدينية في المناهج التعليمية.

* فما يدرس في هذه المناهج وطرق تدريسه أيضا لا يؤهل الطلاب في الحصول على الحد الأدنى من الإجابات الضرورية حول الدين وقد أدى ضعف المقررات الدينية، وعدم تلبيتها لحاجات الطلاب الى اللجوء الى تلبية هذه الحاجة من خلال وسائل أخرى تكون غالبا خارجية

-الجهل الأسري بالدين : داخل الأسرة أيضا لا توجد ثقافة دينية يمكن أن تلبي حاجات الأبناء، كما أن الأسرة ليست لها القدرة على ممارسة الرقابة على الأبناء في مجال تلقي الأمور الدينية .

– غياب دور العلماء :

* لاشك إن دور العلماء في المجتمعات الإسلامية مهم وهم المستأمنون على دين الأمة ،إلا أن غيابهم أو تغييبهم ترك الساحة أمام الجهال للتفرغ للفتوى وتلبية حاجيات الناس اليومية للرأي الديني في الأمور الحياتية المستجدة ،ومما يحاول البعض تجاهله هو دور الدين في المجتمعات الإسلامية بحيث مازال الدين المحدد الأساس في حركية الكثير من الناس وغياب دور المسجد حيث اقتصر على الصلاة فقط.

ثالثا :خلاصات :

من خلال ما سبق توضيحه اتضحت مستويات المسؤولية ودرجة توزيعها على مختلف الجهات سواء كانت الدولة أو العلماء أو المجتمع من اجل محاصرة هذه الظاهرة التي أساءت للإسلام والمسلمين وأضرت بالإسلام ومصالح المسلمين وغذت الكراهية والعداوة لكل ما يمت للإسلام بصلة .

-إن تدخل الدولة في المجال الديني يجب أن يوكل للعلماء ومؤسساتهم دون تغليب هذه الطائفة أو تلك وذلك من خلال ضمان استقلالية مؤسسة العلماء عن السلطة  لان انحيازها لجانبها يرى فيه البعض استغلالا سياسيا للدين يفقد المؤسسة هيبتها وهذا ليس بالضرورة انفصالا بين الدولة و العلماء وإنما أن لا تصاغ أراء العلماء حسب ما تريده الدولة .

-الاستجابة لحاجة الناس للدين وتلبية رغباتهم في مجال الفتوى والتعليم الديني  بحيث يجب أن تكون المدرسة عنصرا أساسيا في تثقيف الفرد وتحصينه من الفكر التكفيري منذ الصغر  .

-الحاجة إلى فتح حوار فكري شامل حول المفاهيم الإسلامية ومقاصد الإسلام من خلال إعادة الاعتبار للرسالة المحمدية وإعادة قراءة السيرة النبوية والتأسي بها في جميع مناحي الحياة.

-إعادة الاعتبار للدين في مناحي حياة الناس في الاقتصاد في السياسة وفي الفن وفي الثقافة  وغيره من خلال إنتاج بدائل محلية تجيب عن الإشكالات المعاصرة وتلبي حاجات الناس  من خلال الانفتاح على التراث الحضاري الإنساني والنهل منه .

-- علي أسندال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*