الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بنت نجد.. «غربة وفساد»

بنت نجد.. «غربة وفساد»

 الإرهاب مصطلح دموي فاسد، ونبتة خبيثة غريبة عن أرضنا الطيبة الرائعة، ولون أحمر ليس من بين ألوان طيفنا المعروفة في سمائنا الصافية الساطعة، وسلوك مشين لا نعرفه في قاموس فتى نجد فكيف بالمرأة السعودية التي أمعنت في الخصوصية والانتماء فسمت نفسها «بنت نجد»!!، وهو قبل هذا وبعده نهج ديني شاذ لا يمت لشرعنا بصلة لا من قريب ولا من بعيد، تدبروا النصوص والتفاسير، اسألوا التاريخ والمؤرخين، أقرءوا السير والأخبار، قلبوا صفحات الماضي والآثار، انظروا ذات اليمين وذات اليسار، بصدق قفوا وقفة تأمل صادقة وستعرفون كم هي غربة المصطلح والفهم والسلوك والأرض والجنس، وكم هي المسافة شاسعة بين هويتنا التي هي نسيج ذواتنا التي نفاخر بها والمستنقع الذي سقط به المنتمون إلى طائفة الإرهابيين في بلاد الإسلام والمسلمين.

لقد جاء هذا الدين بمفهوم الأمن الشامل المرتكز على سلامة العقيدة وصحة المنهج وصفاء الفكر وحفظ العقل واتقاء الشبهات فضلاً عن الوقوع في دائرة المحرمات الفكرية الإرهابية، فنص على وجوب التمسك بالكتاب والسنة عصمة من الضلال والانحراف الفكري، وحذّر من البدع والمحدثات في الدين «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، كما حذّر من الغلو في الدين «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، ليس هذا فحسب بل جاء النص صراحة على أن هذا الدين مبني على الوسطية والتيسير {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} (2) سورة طه، «يسِّروا ولا تعسِّروا «، «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه»، وفي ذات الوقت جاء الأمر بطاعة ولي الأمر، وسؤال أهل الذكر ومجالسة العلماء وأخذ الدين عنهم، ولزوم جماعة المسلمين وهذه الأمور الثلاثة – الطاعة والسؤال واللزوم – لهما تأثير كبير في حفظ فكر الإنسان وعدم ركوبه موجة التطرف والانحراف.

وفوق هذا وذاك، ولخطورة الأمر، ولما يفضي إليه الانحراف الفكري من غلو وإرهاب وهدم وتدمير، ولكونه مخالفة صريحة للدين الإسلامي وشريعته السمحة وتعاليمه السامية وأخلاقه الفاضلة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام الليل كما تقول عائشة رضي الله عنها بقوله: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، هذا وهو المسدد من ربه الموحى إليه الذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فكيف بغيره ممن تتقاذفهم الأفكار وتتلاعب بهم الأهواء في كل آن وعلى كل حال!!.

ومن المجزوم به هنا أن اهتزاز الأمن الفكري هو الطريق الممهد للخلل السلوكي والتفكك الاجتماعي، وما سلكت الفئة الضالة مسالك العنف والإرهاب واقترفت أشد أنواع القتل والتدمير والتفجير إلا بعد أن تشبعت أفكارها وغسلت أدمغتها بما يسوغ لها تنفيذ قناعاتها ويزين لها تصرفاتها، وذلك راجع إلى رصيد فكري ومخزون ثقافي أفرز عملاً إجرامياً وسلوكاً عدوانياً. كما أن من نافلة القول هنا إن الانحراف الفكري بجميع صوره وأشكاله يعد الأساس والمنطلق والسبب الأول لانتشار الفتن، وفقدان الأمن، والتفرق والانشقاق وحصول القلاقل بما يحدثه من الاعتداء على الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ومكتسباتهم. ويعد هذا الداء في ذات الوقت إفساد للقيم الاجتماعية والعلاقات الأسرية والاجتماعية على مستوى الأسرة والمجتمع. ويؤثر بشكل مباشر على اقتصاد وتنمية البلاد بما يحدثه من إتلاف للأموال والأنفس، وتهريب للثروات إلى خارج البلاد، وانتشار للبطالة، وإضعاف للتجارة والاستثمار والنشاط السياحي والتنموي. وتدل الوثائق والأحداث أن ما قام به الإرهابيون من أعمال مشينة استهدفت الإنسان والمال شوهت صورة الإسلام خارجياً فضلاً عن الداخل ونفرت الناس منه، وإلصاق هذه الأعمال الإرهابية بهذا الدين العظيم من قبل بعض الكتاب والساسة والمفكرين أعطى الآخرين ذرائع لمحاربته والنيل من أبنائه، ولذا كانت النتيجة الطبيعية هي الوقوف ضد مسار الدعوة الإسلامية الصحيحة وانتشارها في جميع أنحاء العالم، بمحاربتها ووضع القيود والشروط لنشرها في جميع المجتمعات غير الإسلامي، ليس هذا فحسب بل إن الفكر المنحرف علاوة على طعنه مبادئ وأخلاقيات المجتمع الإسلامية وخلخلة الصف الواحد، وإضعاف قدراته، وتشتيت جهوده، يؤدي أيضاً إلى إيجاد الأرضية الخصبة لغرس البدع وتجذرها في بيئتنا الإسلامية، وتسهيل مسارات الغواية والفتن، وهذا في النهاية يصب في خانة تحقيق أهداف واستراتيجيات تخدم العدو بالدرجة الأولى.

ومن هنا جاءت الدراسات والأبحاث ذات الصلة بالإرهاب تؤكد أولاً على ضرورة حماية فكر الإنسان وعقله وسلوكه من الانحراف في إطار الوسطية والاعتدال وما هم عليه علماء الأمة الثقاة. ومتى كان الإنسان معتدلاً في تفكيره متوازناً في تصرفاته متبعاً منهج الوسطية غير مغال أو مجاف استطاع أن يكون منسجماً مع ذاته، متزناً في سلوكه، آمناً مطمئناً في يومه وغده، سالماً من الغربة والفساد والإفساد ولن يكون للإرهاب وللإرهابيين وللإرهابيات إليه من سبيل. وإلى لقاء والسلام.

-- د. عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*