الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مجابهة الإرهاب بتفكيك مظاهرهـ

مجابهة الإرهاب بتفكيك مظاهرهـ

في مؤتمر صحافي عقد في العاصمة الرياض، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية في المملكة، اللواء منصور التركي الجمعة الماضي، تفكيك 19 خلية إرهابية، تخطط لاستهداف منشآت حكومية وعمليات اغتيال لرجال أمن ومسؤولين وإعلاميين. وذكر أن المتورطين فيها هم 149 فردا، قبض عليهم في الأشهر الثمانية الماضية. إن هذا الإعلان يعني أن الإرهابيين لا يزالون يعملون على تحقيق اختراقات من شأنها تهديد الأمن والاستقرار في بلادنا العزيزة.

وبالقدر الذي يشعر فيه المرء بالامتنان والتقدير للسواعد التي تعمل على حماية أرواح الناس، فإن استمرار محاولات الاختراق يستدعي تواصل اليقظة، ووضع اليد على الزناد.

ويقينا أن أي مواطن غيور على مصلحة البلاد ومستقبلها سينظر بعين الامتنان والتقدير للجهود التي تبذل من قبل القيادة السياسية للقضاء على الإرهاب، وتوفير الاستقرار وحماية الأعراض والأموال، وكسر حاجز الخوف لدى الناس، إلا أن مواجهة الإرهاب ينبغي ألا تقتصر على خندق واحد، وتدع بقية الخنادق مكشوفة دون حراسة. بمعنى آخر، فإنه مع التسليم بأن الحل الأمني هو أمر لا مفر منه، إلا أن الاكتفاء به لن يكون كافيا، رغم أنه تمكن من شل قدرة الإرهابيين على مواصلة التخريب.

فالمطلوب إضافة إلى ذلك مواجهة ثقافة بثقافة، وأن يكون هناك مشروع استراتيجي وطني شامل لمواجهة الإرهاب، يتخطى التشرنق في أوساط النخب المثقفة، ليصبح مشروعا وطنيا، يزج بطاقات الشعب كله في هذه المواجهة الوطنية.

في هذا السياق، ينبغي أن تتسع المجابهة مع الإرهاب، لتشمل تفكيك مظاهره، ومعرفة القواعد الفكرية التي يستند عليها، والعناصر المجتمعية التي يزج بها في هذه المحرقة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي مكنت من تحقيق الاختراق، ومواجهة ذلك بمشروع وطني، يأخذ في الحسبان مجمل المعطيات التي يؤدي إليها التحليل الموضوعي الرصين والشجاع.

مواجهة الإرهاب تقتضي ضرب مرتكزاته الفكرية والثقافية. وضمن تلك المرتكزات، ضروب النشاط الاجتماعي السلبي والمؤذي الذي تمارسه الجماعات الإرهابية في مختلف الميادين. نؤكد ذلك، لسبب بديهي هو أن المرتكزات الفكرية والثقافية لأي مجتمع هي الحاضن لكل ما يصنعه ويبدعه ذلك المجتمع من الأفكار والأشياء وطرائق العمل. ومع أن أفكار الأمم تتكون وتتراكم عبر حقب تاريخية ممتدة، يظل بعضها ظاهرا على السطح، أما بعضها الآخر فيبقى كامنا، منتظرا فرصته للظهور عند بروز ظروف موضوعية جديدة متعدية، ربما تكون من صنع المجتمع ذاته أو ناتجة عن تدخل عوامل خارجية ومحيطة يصعب التحكم فيها وتوجيه حركتها.

ولا شك أن منطقتنا العربية حافلة بعوامل الاحتقان واليأس، فهناك ارتباط وجداني عميق وعلاقة لا تنفصل مع الجوار العربي، في فلسطين والعراق. وليس من جدل في أن كثيرا من الظلم والجور الذي لحق بالقضايا العربية، والتحيز غير العادل من قبل الغرب لمصلحة إسرائيل، واحتلال العراق، والأوضاع في السودان والصومال واليمن، قد ألقت بظلالها الثقيلة على أوضاعنا.

ومن جهة أخرى، فإن القواعد الفكرية للإرهاب، بقيت كامنة في أعماقنا وموجودة في سلوكنا ومناهج تفكيرنا، معبرة عن نفسها في ممارسات عنفية.

إن الإرهاب هو عمل تآمري، صفته السرية، وينطلق من التسليم بسيادة التوجيه من الأعلى إلى الأسفل. والأوامر أو التوجيهات التي تصل من القمة إلى القاعدة غير خاضعة للسؤال أو للمناقشة والحوار. وما يجعل الالتزام بها سهلا هو وجودها في مجتمع منغلق، يجرم فكرة التنوع وتنتفي فيه مفاهيم من نوع احترام الرأي الآخر. إن الإرهاب يتطلب خضوعا كاملا للأعلى، وتغييبا للعقل، وتقديسا للأصنام، وجمودا في تفسير النص، واتهاما لمن لا يسلم بثقافة الإرهاب، بالجهل والهرطقة. إنه يقتات في الغالب على صراع الإيديولوجيات وتصنيفات الخير والشر، يحشد كل طرف من المتصارعين أسلحته البائسة، مازجا بين الحقائق والأوهام.

وحين تدعوهم إلى المجادلة بالتي هي أحسن، ويقبلون بذلك من باب التكتيك، فإنهم يتناسون أن الحوار يتم أساسا بين قوى وأطراف وتيارات مختلفة في توجهاتها، وأن دلالته المعرفية هي إمكانية الاستفادة المتبادلة من خبرات وآراء المتحاورين. إن ذلك يعني منهجيا، استحالة استحواذ فرد أو فئة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية على مجمل القول، دون إتاحة الفرصة للإسهامات الفكرية الأخرى. إن الحوار في أساسه تسليم بنسبية الحقائق وإمكانية تغيرها، بما يسهم في إثراء المعرفة بحاجات المجتمع وطرق نموه وتطوره.

هذه المقدمة، تقودنا إلى أن ثقافة الحوار هي بالنقيض من ثقافة الإرهاب، إنها تقف بحسم وشجاعة في مواجهة قواعده الفكرية، وتهدف إلى التحرر والانعتاق والتعبير الإيجابي عن مختلف الرؤى والأفكار في المجتمع، وصولا إلى صهرها وتفاعلها في بوتقة واحدة، واستخدامها كدليل ومرشد في مشروع التقدم والبناء. في حين تضيق ثقافة الإرهاب بتعدد الآراء، وتسود الخزعبلات والخرافة، وتفتقد النظرة الموضوعية من الأشياء، والآراء لا تحتمل الاختلاف، ويجري تكفير المجتمع وتقسيمه بشكل حاد إلى مؤمن وكافر؛ حيث لا تحتمل الحياة تعدد الألوان.

والنتيجة أننا إزاء مشروعين، يمكن اختزالهما إما بتغليب السيف على القلم، وسد أبواب الاجتهاد وحرية الفكر، أو أن نغلب القلم على السيف ونفتح النوافذ والأبواب للهواء النقي. وليس من شك أن المواجهة الوطنية للإرهاب ينبغي لكي تكون حاسمة أن تهزم السيف، لمصلحة القلم، حيث يُهزم فكر الانغلاق، وتُفتح آفاق للعطاء والإبداع، تجعل من بلادنا واحة جميلة.لا بد من الدخول في مواجهة مع مرتكزات الإرهاب الثقافية، تشارك فيها القوى الواعية والمبدعة في مجتمعنا، كلٌّ من موقعه. فيمارس الأديب والكاتب والمسرحي والفنان التشكيلي، والأستاذ في جامعته ومدرسته، في عملية التغيير والكشف عن مواطن الضعف في ثقافتنا.

وينبغي ألا تتحول مواجهتنا لتلك المرتكزات، إلى ترف فكري، يمارس السجال من أجل السجال. إن الهدف النهائي هو خلق حاضنات فكرية وثقافية لا تقل في أهميتها، عن المتاريس التي ينصبها رجال الأمن لمواجهة الإرهاب. فكما يستند الإرهابيون إلى قاعدة فكرية وعناصر موضوعية، لا بد أن تستند مقاومة الإرهاب أيضا إلى قواعد فكرية، وحاضنات حقيقية، متجهة بخطى راسخة وواعية نحو المستقبل، ملتحمة بالعصر، بدلا من التصادم والصراع معه.

من هنا، فإن هذه اللحظة ربما تكون هي الوقت المناسب، لكي يأخذ شكل المواجهة مع الإرهاب طابعا حضاريا، فيتداعى الكتاب والفنانون والأدباء والشعراء والخطباء، يكتبون أنشودة وأغنية جديدة في الوطن الغالي. وعندها نصل إلى موسم الحصاد؛ حيث نبدل ثقافة بثقافة، ونهجا بنهج، ولتحل ثقافة التسامح والحوار بدلا عن ثقافة التكفير والضيق بالرأي الآخر.

-- د. يوسف مكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*