الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » في ضوء التوجيه الملكي: أثمة تعنت بعده؟

في ضوء التوجيه الملكي: أثمة تعنت بعده؟

توجيه ملكي يصدر من ولي الأمر، خادم الحرمين الشريفين – يحفظه الله – موجه إلى المفتي العام للمملكة في الأسبوع الأول من شهر رمضان، تتضمن ديباجته آيات من الذكر الحكيم:

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا}، {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ}، {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

سبع آيات عظيمة تتصدر الأمر السامي الكريم، باسطا ما يتعلق بالتوجيه من خطورة تجاوز الأسس الدينية القويمة ومن ثم الوقوع في المحذورات، ولقد ترسخت مفاهيم أساسية فيما يتعلق بالفتوى الشرعية وما يتعلق بحدود الشرع الواجب الوقوف عندها، وتلكم الخطورة تحديدا، كما نص عليه التوجيه المذكور، المجادلة في دين الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، بل التطفل على مائدة الشرع.

فإذا كان هذا موقف أهل العلم، وفي ضوء ذلك تم رصد التجاوزات ومن ثم التعامل معها بكل قوة وحزم من لدن ولي الأمر حفظا للدين، أعز ما تملك الأمة، فما بالنا لا نزال نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام من يتجاهل ما ورد في التوجيه؟ ومن يتجاوزه فئتان أساسيتان: فئة لديها بعض العلم ولكنها غير مؤهلة للفتوى، لا علماً ولا نظاماً، وأخرى ليس لديها من «العلم الشرعي» شيء يذكر، لربما لديها ثقافة مادية لا تؤهلها للخوض في غمار الشرع والتشريعات الربانية «كتاباً وسنة». وفي سياق التوجيه السامي رد حازم على ما تتفوه أو ما تكتبه أي من الفئتين المذكورتين.

أما وسائل الإعلام الناشرة والمروجة للآراء فلربما تنفذ من بوابة «حرية الرأي». وكما ورد في التوجيه، الذي نحن بصدده، أن أمثال هذه الفئات عادت بالمزيد من التعنت غير مدركة لأضرار ما تطرح على البلاد والعباد وتجرأت على الكتاب والسنة، منتحلة صفة أهل العلم، وتصدرت للفتوى، غير مدركة كذلك أن لا مجال للتباهي بدين الله واتخاذ الدين مركباً سهلاً، لربما طامعة في الدنيا مشرئبة للمناصب.

فهناك التقول على شرع الله والتجاوز على أهل الذكر والتطاول عليهم وترك ترجيح المصالح الكبرى، ناطقين أحياناً وصامتين أحياناً أخرى. وهنالك الخروج عن الجادة وعن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الصحابة رضوان الله عنهم وعلماء الأمة منذ صدر الإسلام، إضافة إلى عدم الثقة بكبار العلماء وجهابذة الفتوى، المتبعين لهدي السلف الصالح ونهجهم السوي.

ومن المعلوم كما أكد التوجيه الفرق بين سعة الشريعة من ناحية واختلاف أهل العلم فيما بينهم، ضمن هدي الشريعة وما يتميزون به من سمت العلماء وتواضعهم، والفوضى الفكرية ومنازعة سواهم من غير المختصين، أو قل المتخصصين، ومن ثم التجاوز على حرمة الشرع، من ناحية أخرى.

والخشية مما ذكر الاختلاف والفرقة التي حذرت منها الشريعة وأوصت باجتماع الكلمة وتوحيد الصف والقضاء على أسباب الفرقة المسببة للفتنة. ومن تجرأ على مؤسسات الدولة المنوط بها أمور عدة للصالح العام فلا بد من التعامل معه بالحزم ورده لجادة الصواب وإفهامه بدور تلكم المؤسسات ومسؤولياتها المجتمعية التي تزاولها ضمن الأطر النظامية الممنوحة لها.

وينص بعد ذلك الأمر السامي على أن من يخالف ما ورد فيه «يعرض نفسه للمحاسبة والجزاء الشرعي الرادع كائناً من كان».

بقي أن نرى تحديد المسؤولية وتنفيذ توجيه الأمر من قِبل الجهات المختصة، أما ما نلمسه فلكَمْ كتب من كتب وكم خالف من خالف روح التوجيه وما تضمنه من مفاهيم وأسس.

بقي إذن إصدار أنظمة ولوائح تنفيذية لإجراءات تطبيق ما تضمنه التوجيه الكريم على أرض الواقع، هنالك حاجة الآن لآليات المتابعة، وإلا ستبقى مضامين التوجيه بمثابة النصيحة العامة.

-- د. عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*