السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » البراك وجلبي .. بين أحكام الفتوى وأحضان القبلة !

البراك وجلبي .. بين أحكام الفتوى وأحضان القبلة !

لست مبالغا إن قلت : إن انتهاكات متكررة لعلماء كبار , أطلقت في – الآونة الأخيرة –  عبر وسائل الإعلام , باسم حرية الكلمة , حتى وصل الهجوم لمن يختلف معهم في الرأي , إلى اتهامهم بالتكفير , والسذاجة بالتفكير . إضافة إلى تصيد زلاتهم , ونشر هفواتهم بسوء نية . مع أن العالم عند الله أسمى منزلة , وأثقل تبعة , وأوثق عهدا ؛ لأنهم الأعلام الموقعون عن الله . يؤكد ذلك قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  في الخبر الصحيح : ” إن العلماء ورثة الأنبياء , إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما , إنما ورثوا العلم , فمن أخذه أخذ بحظ وافر ” . فهم لم ينالوا تلك المنزلة الرفيعة بمنصب إداري , أو مركز اجتماعي , أو رتبة وظيفية , بل بما وهبهم الله من علم وفضل وقبول .

إن أقلاما نالت من علماء كبار , أوضحت مخابئ دسائسهم , حين كانت مؤطرة بحرية التعبير –  تارة – , وبسجال الفكر –  تارة أخرى – , فترقب أخطائهم , وتفشي زلاتهم وتضخمها , وتستر حسناتهم وتخفيها ؛ من أجل أن يستجلبوا عداوة العالم , وعداوة المتبعين له .  – وعندئذ –  فإن الناس إذا فقدوا ثقتهم في العالم , وزهدوا فيه , استخفوا به , وسقطت كلمته , ولم يقبلوا منه كلاما , ولا رأيا .

صدقا , فرحت كثيرا وأنا أقرأ تصريحا –  للدكتور –  خالص جلبي – قبل أيام –  , وهو يعقب على فتوى –  الشيخ –  عبد الرحمن البراك في حقه , حين وصف آراءه بمناقضتها للعقل والشرع , إلى آخر ما ورد في الفتوى . ومع هذا , فقد كان – الدكتور –  خالص حريصا على أن يظهرا مشاعر الاحترام والتقدير للشيخ , ووصل إعجابي له حين قال : ” لو رأيت الشيخ البراك لقبلته على رأسه , لعمق شعوري أن ما قاله هو من باب الحرص على الإسلام , فهو لنيته يزكى , ولرأيه يخالف . وهذا ليس تملقا للشيخ , بل حرصا عليه من الزلل ” . فتذكرت –  حينئذ –  منهجا سلفيا , قرأناه  في ما مضي في بطون الكتب , يبرهن على مكانة العلماء الرفيعة في قلوب الخلق , واحترام العلماء بعضهم لبعض , وتقديرهم , والثناء عليهم , وإنزالهم منزلتهم , ونصيحتهم إذا أخطئوا بالطرق الشرعية , وحملهم على حسن النية والاجتهاد .

إن من مصلحة الأمة حفظ قدر علماءها , ومعرفة مكانتهم . ولذا فإن رد – الدكتور –  جلبي , يؤكد الحقيقة كاملة غير منقوصة , دون أن يقدح في مكانة الشيخ , أو النيل منه , وهذا ما يمليه الواجب الإنساني والأخلاقي والأدبي من احترام العلماء وتقديرهم  . كما يؤكد أن أمتنا لا تزال بخير , ما دمنا نسلك هذا المنهج الرشيد عند الاختلاف مع العلماء , والملتزم بضبط النفس , والتحلي بالحكمة و والصبر والهدوء في موقف كهذا .

إن الخلاف السائغ في الجملة , لا يوجب هجرا , ولا عداء , ولا تبديعا , ولا تضليلا  بافتعال أسباب الخلاف . بل غاية ما ينتج عنه التخطئة . ثم إن الاختلاف لا يدل على القطيعة , وتصدير الأحكام , وإنما يدل على مدى حاجتنا إلى الحوار بأدب ؛ للتفاهم والتواصل والتكامل , وليكون مصدرا من مصادر الإثراء الفكري , ووسيلة للوصول إلى الرأي الصائب .                                         

-- د. سعد بن عبد القادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*