السبت , 10 ديسمبر 2016

حوار الحضارات

تعليق السكينة : ( مبدأ الحوار مع الغرب للتعايش وتبادل المنافع التي تفيد المسلمين ودفع الضرر عنهم وتطوير حياتهم مطلوب ومحمود ، لكن مرجعية الحوار ومرتكزها عندنا قائمة على أصول شرعية ليس كما ذكر الأخ الكاتب أنها لا شرقية ولا غربية ، بل هي عبر هوية إسلامية ولا نخجل من ذلك فالإسلام يقوم على العدل والإنصاف وحفظ الحقوق وعلى قيم راقية ، فمنطلقاتنا الإسلامية المعرفية عالية وتستطيع نقل حضارتنا إلى الغرب ونقل المفيد من حضارتهم إلينا ، وأهم محور في قضية الحوار تصحيح صورة الإسلام وبيان عقيدتنا الوسطية الصافية التي تنبذ الخرافة وتحقق العبودية لله وحده ، فالتحرك في الحوار بلا هوية تيه وضياع ، فكما أن الغربي يجلس على طاولة الحوار بهويته وثقافته نحن نجلس بهويتنا وثقافتنا محافظين بذلك على قيمنا بتوازن دون تطرف أو عدائية ودون تمييع أو تيه ، فلا يوجد في شريعتنا أو عقيدتنا ما نستحي من إظهاره أو بيانه ، كما أننا نحترم الحوار ونسير فيه بمبادئ وأخلاق إسلامية واضحة وراقية  ).

في منطق الحوار مع الغرب مئات – بل ربما آلاف وملايين- العناوين ثارت، ولا زالت تثور، حول موضوع حوار الحضارات أو الحوار بين الشرق والغرب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وينال الموضوع أهميته منذ القدم ،  بل قد لا نبالغ إذا قلنا أنه على مدار التاريخ كان موضوع الحوار والاتصال بين الحضارات والثقافات هو الأكثر حضورا دائما، فالحضارات والهويات، وكذلك الطموحات والتحديات التي تواجهها تتحدد وتتحقق دائما في مرايا الآخرين.

ونؤكد بأن موضوع حوار الحضارات- أو صدامها- ليس موضوعا محددا بحدود مجالات علمية معينة، فإن كان السياسي قد مارس هيمنته عليه، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولفترات طويلة قبله، إلا أنه أوسع من السياسي دائما، نجده في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وسائر المجالات العملية، كما نجده في دراسات تاريخ الأديان والأدب والتاريخ وسائر العلوم الإنسانية.
 
 نجد مسألة الحوار في العادي واليومي، في المصرح به وفي المسكوت عنه، في استخدامات التقنية والأجهزة وكثير مما أنتجه الغرب واستخدمناه، أو يجده الغرب كذلك فيما أنتجناه حضاريا أو فيما يشكله كل منا كنموذج معبر عن هويته الإسلامية.

كما  نجد حقيقة الحوار تلك في حيواتنا كأفراد، معلمين أحيانا وأزواجا وأسرا أحيانا أخرى، وأصدقاء في كثير من الأحيان، وهو ما زادت منه بلا شك الثورة الاتصالية والمعلوماتية الفوارة الآن، فيتم التواصل ونقل الرسائل- السلبية والإيجابية- يوميا في كل اتجاه.

الحوار مع الغرب والعالم ليس استلابا له أو ذوبانا فيه، ولكنه فعل حضاري يتسم بالصحة النفسية والإنسانية، أمامنا مساحات أن نكون فيه، أصحاب رسالة ودعاة رحمة كما كان أسلافنا، وكما هو ديننا لا أن نكون دعاة انقلاب أو صراع فقط، كما اجتزأ البعض من بني جلدتنا كل تراثنا في كلمات كالحرب والفسطاطين والصراع المؤبد وغير ذلك.

بل يرفض بعضهم شأن ناصر الفهد مفهوم أن ” لدينا حضارة إسلامية” في رسالة له حول هذا الموضوع..ومن مخاض هذا النظر العدواني خرجت الممارسات العدوانية التي نؤكد لأنفسنا وللغرب معنا أنها لا تصيب الغرب وحده ولكن كلنا بل إن ضحاياها حروب الإرهاب من المسلمين في الجزائر ومصر والعراق تفوق ما كان من حروب بين المسلمين وغيرهم أضعافا مضاعفة.

لكل أخطاؤه: الإرهابيون نازيون جدد:

إذا كانت ألمانيا ترى في النازية وهتلر عارا أورثها البوار بعد فترة حكمه، وكان تجاوزه وحرق مرحلته المعبر الأهم لاستعادة مكانتها وحداثتها وسلامها، فلا شك أن في أمثال الإرهابيين المعاصرين عارا لا يقل عنه فداحة يشوه في آن واحدة صورة الإسلام كما يضر بحقيقته، ويضر قبلهما ومعهما بواقع المسلمين وخاصة الجاليات المسلمة في الغرب وجهود الدعوة الإسلامية فيه.

مما لا شك فيه أن الحوار عملية اتصالية، وهو في الشأن الثقافي والحضاري، أعمق منه في معناه اللغوي والفردي، بمعنى تبادل الحديث بين طرفين، فهو يحمل في الشأن الحضاري- موضوع هذه الدراسة- عمليات وإجراءات متراكمة، ظاهرة وباطنة، من التأثير والتأثر الإيجابي، من تحسين الصورة الحضارية وتفعيل الشراكة بين الأطراف الحضارية انطلاقا من المشترك الإنساني واللغة الإنسانية المشتركة، فهو حوار بين مختلفين وبين هويات تقوم على التميز عن الأغيار (1) مما يجعل له مرجعية مختلفة ينطلق منها، وشروطا وأدواتا مغايرة لما عهدناه في حواراتنا الخاصة.

أولا: مرجعية الحوار مع الغرب:

نظن أن مرجعية الحوار مع الغرب ابتداء لا يصح أن تكون مرجعية شرقية ولا غربية، ولكن مرجعية إنسانية، تعتمد النزعة الإنسانية واللغة الإنسانية في محاورته، بعيدا عن الصور النمطية أو التراث الصراعي الذي كرسها وولدت منه، كما أنها تقوم على المسئولية الحضارية لأعمق حضارتين في التاريخ وهما الحضارة العربية الإسلامية من جهة والحضارية الغربية في مراحلها المختلفة من جهة أخرى، ونحاول فيما يلي رسم عدد من الخطوط العامة والنقاط المبدئية حول هذه المسألة:

نفي المركزية والمشترك الإنساني:

حق لنا أن نرفض المركزية الغربية، التي سادت مع العصر الإمبريالي، ولكن واجب علينا كذلك أن نكون واعين أن من حق الآخرين نفي مركزيتنا وعدم القبول بمرجعيتنا ورؤيتنا الخاصة، فنفي المركزية لا يعني إقامة مركزية مضادة أو بديلة خاصة بنا، وإن كانت المركزية الثقافية الأوربية أو الغربية، قد سيطرت على مفكري عصر الأنوار والحداثة لحد بعيد، فلم يسلم منها هيجل أو ماركس، كما لم يسلم منها كثيرون غيرهم، إلا أنها قد نالت الكثير من النقد من العديد من المفكرين الغربيين أنفسهم، مثل أرنولد توينبي وهوارد زين حتى هابرماس وجادامر وجيل كيبل وبيتر جران وغيرهم كذلك.

إن لغة الاستعلاء لا تولد الإ الاستعلاء المضاد، ولغة الإقصاء لا تولد إلا الكراهية والعداء، وإن كنا نرفض من بعض الغربيين إنكار أو غبن إسهام ثقافتنا وحضارتنا في التطور الإنساني والحضاري لهم، فواجب علينا كذلك عدم إنكار  فضل الحضارة الغربية على مجتمعاتنا وثقافتنا قديما وحديثا في المجالات الدنيوية ، بل في مجالات بحثية علمية أليس عجيبا أن خمسة كتب كتبت عن الحضارة الإسلامية كانت بأقلام غربية أساسا(2).

ذكرني موقف شارلس كرين السابق بما أورده الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه” العلاقات الدولية في الإسلام” من أنه أثناء سفر عمر بن الخطاب رضي الله عنه للقدس بعد أن اشترط بطريركها قدومه لاستلام مفاتيحها، رأى في طريقه” رأى- رضي الله عنه- هيكلا لليهود قد ستره التراب، ولم يبق منه إلا أعلاه،  فجاء بفضل ثوبه، وأخذ بعض التراب المتراكم عليه فاقتدى به جيش المسلمين، فزال كل ما ستر الهيكل من تراب، وبدا واضحا ليقيم اليهود عند شعائرهم الدينية”(4).

وفي السياق نفسه نؤكد على جهود معاصرة ساهمت لحد كبير في فك الارتباط بين الإسلام والإرهاب، مثل جهود فرد هاليداي وكارين أرمسترونج وجون إسبوزيتو والعديد من دراسات معهد السلام الأمريكي الدوليU.S.I.P وغيرهم كثير ممن قدموا مساهمات مهمة في تعديل الصور النمطية السلبية ضد الإسلام .

لذا نرفض دعاوى الاكتفاء النظري التي تطلقها بعض خطاباتنا العربية المعاصرة، والتي تحمل تناقضا بنيويا كبيرا، حين يعتمدون على كل منتجات الحداثة التقنية والمعلوماتية، ولكن يرفضون كل منتوجاتها الفكرية والمعنوية، شأن الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الأفكار السياسية والاجتماعية ، وهذه المنهجية( الاكتفاء النظري) يطرحها البعض في الحوار والصراع مع الغرب، فيكلمه بلغته ومرجعيته الخاصة لا بلغة مشتركة بيننا وبينه، هدما لمركزيته وإقامة لمركزيتنا، وهو ما نراه- بلا شك- حوارا عديم النتيجة والفائدة ابتداء.

من هنا نؤكد على استواء المركزية الغربية مع استواء المركزية المضادة، في احتكار الشرعية ونفي الآخر، وندعو أن تكون مرجعية الحوار اعترافا متبادلا بتعدد المراكز، ومرجعية إنسانية منفتحة على التنوعات والوعي بالخصوصيات في الآن نفسه.

الفضاء الحضاري ومناطق الالتقاء الحضاري:

إن من المداخل المعرفية المهمة كمرجعية للحوار مع الغرب الحديث عن الفضاء الحضاري ومناطق الالتقاء الحضاري، فهي سياق معرفي، وأحيانا كثيرة جغرافي يجمع بين الجانبين، من قبيل التأثيرات الثقافية والمجموعات الثقافية والدينية والرموز الفكرية والعلمية وكذلك محطات التواصل التاريخية، تأثيرا وتأثرا، في الجانبين، وقد يبدأ هذا البحث من تأثير الحضارة المصرية في الحضارة اليونانية، فيكون الحديث عن أثينة السوداء(5)، وعن زينون ومنطقة العبور من الأولى إلى الثانية عبر جزيرة كريت، وكذلك مرحلة الحضارة الهيلينية التي حملتها غزوات الإسكندر المقدوني، إلى غير ذلك مما نفصله فيما يلي:

أ‌- ضواحي الإسلام والإسلام الأوربي:

تعبير ضواحي الإسلام هو من نحت المستشرق الفرنسي جيل كيبل، ويقصد به المجموعات المسلمة في فرنسا، ونحن نعممه هنا على الوجود الإسلامي في الغرب عموما، وهو وجود متصاعد منذ أوائل السبعينيات بدرجة كبيرة.
فالمسلمون في أوربا يعتبرون ثاني أكبر مجموعة سكانية هناك، وهم  يبلغون ثلاثين مليونا في أوربا الآن .

====================
(1) راجع حول مفهوم الهوية دراستنا هاني نسيره، مفهوم الهوية بين الثبات والتحول، منشورة على موقع إسلام أون لاين في 22 ينايرسنة 2007.
(2) راجع في ذلك د. رضوان السيد، الصراع على الإسلام، دار الكتاب العربي سنة 2004. 
(3) أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ ص 115.
(4) محمد أبوزهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، ط دار الفكر العربي سنة 1995 ص 32.
(5) يمكن مراجعة كتاب مارتن برنال، أثينة السوداء، ترجمة لطفي عبد الوهاب وأحمد عثمان وآخرون، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة مصر سنة 2004، وهو طرح يسعى به كاتبه لإثبات التأثيرات غير اليونانية في الحضارة اليونانية.

-- هاني نسيرة – خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*