الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هكذا يرى السعوديون مواجهة الإرهاب

هكذا يرى السعوديون مواجهة الإرهاب

تعليق السكينة : ( الغلو والتطرف موجود داخل المجتمع ، لكنه ليس بالصورة التي يُحاول البعض تضخيمها بحيث نتخيل مجتمعنا كُتلة إرهابية جاهزة للانفجار في أي وقت ! فكما أننا مع الشفافية في الطرح كذلك نحن مع التوازن والمصداقية وعدم المبالغة ، فنحن نعيش داخل هذا المجتمع ونعرف أنه مجتمع على الفطرة السوية – ولله الحمد – وعلى الوسطية والاعتدال لذلك وقف المجتمع بكل طبقاته وفئاته ضد الغلو والتطرف ورحبوا بالدعوة إلى الوسطية والاعتدال ، ويندر أن نجد من يُجاهر بالدعوة إلى أفكار إرهابية ).

المقال :

تخوض المملكة العربية السعودية تجربة رائدة وفريدة في محاربة العقائد التكفيرية التي يعتنقها “الجهاديون” أعضاء الجماعات الضالة وينفذون بسببها أعمال القتل والتفجير في حق الأبرياء والممتلكات العامة .

وتأتي هذه الخطوة ثمرة لنقاش مفتوح وصريح بين مختلف شرائح المجتمع ــ سياسيين ، أمنيين ، مثقفين ، إعلاميين الخ ــ بعدما جعل تنظيم القاعدة زعزعة استقرار السعودية وضرب اقتصادها أولى الأهداف التي يركز عليها التنظيم  بعد أن يتعسف في تأويل النصوص الدينية وتوظيف فتاوى فقهية خارج سياقها .

إن وعي القيادة السعودية وعموم المواطنين بمخاطر الإرهاب شجع على البحث عن السبل الناجعة لمواجهة مخاطره الأمر الذي فسح المجال للبحث عن أسباب ظاهرة الإرهاب وتتبع طرق اشتغاله وانتشاره بين الشباب خاصة ليجعل منهم قنابل متفجرة يستهدف بهم تدمير مقومات الأمن والاستقرار .

ولعل أهم ما يمكن التنويه به هو التمييز بين الفكر التكفيري والفكر التخديري وكيفية اشتغالهما داخل المجتمع السعودي وكان من أبرز الذين خاضوا في هذا التمييز الأمير تركي الفيصل حين تطرق بتفصيل لعمل كل منهما في حوار له على قناة “العربية” ليلة 14/07/2004 كان تحليله موضوعيا وعميقا استحضر خطر التفكير التخديري منذ أحداث الحرم المكي سنة 1979 حين اقتحم أحد الإرهابيين وعصابته الإجرامية هذا الحرم ، معلنا نفسه ”  المهدي المنتظر” ولم يكن ذاك الشخص الخارج على السلطة و”الثائر” ضدها غير  محمد بن عبد الله القحطاني الذي نصبه أتباعه بقيادة جهيمان العتيبي ، “المهدي المنتظر” طبعا دام الاقتتال أسبوعين كاملين انتهى بالقضاء على التمرد .

لكن الحادث لم يحرض على  البحث في الأسباب المباشرة والحقيقية التي أثرت على عقول الشباب واستحوذت على تفكيرهم حتى انتهت بهم إلى دائرة الإرهاب إذ لم تنهج السلطات السعودية إستراتيجية حازمة لمحاصر الفكر الإرهابي واجتثاث جذوره وعوامل انتشاره ، بل اكتفت بقتل واعتقال الإرهابيين وكان هذا أكبر خطأ ارتكبته الحكومة ، كما جاء على لسان الأمير خالد الفيصل ( ارتكبنا خطأ أننا قضينا على الأشخاص الذين ارتكبوا تلك الجريمة ـ جريمة جهيمان ـ ولكن تغاضينا عن الفكر الذي كان وراء تلك الجريمة وتركناه ينتشر في هذه البلاد وكأنه لم يكن موجودا . وهذا خطأ كبير ) .

وحدد الأمير خطورة الفكر التخديري الذي كان من نتائجه انتشار التطرف والعنف داخل بعض فئات المجتمع السعودي ، حدد الخطورة في قوله : ( أنا أقول هناك تفجيريون وهناك تخديريون هناك مخدرون ، ناس يكفرون وناس يخدرون ، الذين يخدرون هم الذين يسعون في هذا المجتمع ويقولون لنا جميعا هذه حاجة بسيطة ، هذا موضوع طارئ ، عارض وسوف ينتهي بانتهاء هذه الشرذمة ، وهذه المجموعة ، وهذه الأقلية التي سوف يُقضى عليها ، والأمر منتشر ، والفكر منتشر ) .

وبالفعل سيتولى أصحاب المنهج الخفي مهمة نشر التطرف وزرع بذوره في كل مؤسسات الدولة ومناحي الحياة بينما الفكر التخديري تولى مهمة تعمية الأبصار وصرف الاهتمام عن التطرف وهو يكتسح المجتمع بمسميات عدة ومبررات شتى ، ويعطي الأمير مثالا على هذا الانفلات الخطير بقوله ( هذا الفكر منتشر في جميع مناطق المملكة .. حتى دور الأيتام .. فيه شريط يُتداول الآن في المملكة ، شريط فيديو مصوَّر لأحد الأطفال عمره حوالي 10 سنوات يُسأل عن مثله الأعلى فيقول : ” أسامة بن لادن ” . يُسأل عن هويته ، يقول : ” الإسلام” . يُسأل عن وطنه ، يقول : ” العالم” . لا يعلم الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية ، ولا يدرس أن هناك عاصمة أو بلد اسمه السعودية ! فإذا كان هذا الطفل يفكر بهذا التفكير في دار الأيتام ، وهذه الدار تشرف عليها إدارة حكومية ، والموظفون في هذه الدار موظفون حكوميون .. تصور هذا الذي يستغل هذا الطفل اليتيم ليشكل منه قنبلة بشرية تنفجر في يوم من الأيام في شوارعنا وبيوتنا ) .

إن خطورة التساهل مع هذا النوع من الفكر  المتطرف هي التي زجت بالدولة السعودية في أتون الإرهاب الذي بات يتهدد المجتمع والدولة على حد سواء .

من هنا جاء الأمير السعودي محذرا حكومته من مخاطر التساهل والتغاضي عن أصحاب المنهج الخفي أو التفكير التخديري ويبرر تحذيره هذا كالتالي : ( فأنا أحذر لو مرت هذه الفترة بنفس الأسلوب ، بنفس الطريقة التي مرت بها فترة جهيمان ، وأزمة جهيمان ، سوف تكون العاقبة في المستقبل القريب أكبر بكثير مما هي الآن ؛ لأنه لو قارنت اليوم ، ما يحدث اليوم وما حدث أيام جهيمان ترى الفرق شاسعا .

هناك كانت مجموعة تجمعت في الحرم وأعلنت التمرد ، الآن لا ، تغير الوضع ، هناك برنامج وهناك تخطيط وهناك أسلحة متطورة ، لم تعد رشاشات ، أصبحت هناك متفجرات ، سيارات مفخخة ، قنابل الآر بي جي ، تصور الفرق الذي حدث من أيام جهيمان إلى هذه الفترة ، تصور الفرق الذي سوف يحدث ، لا سمح الله ، لو جاءت هذه المشكلة مستقبلا بعد 5 سنوات أو 10 سنوات ماذا سوف يُستخدم من أسلحة ؟! كيف سيكون مخططهم وتنفيذاتهم ؟! كيف ستكون إدارتهم السياسية وإدارتهم العسكرية ؟!  سوف تكون متطورة أكثر بكثير مما هي عليه اليوم .. أكثر التأثير أتى من كتب سيد قطب والمودودي وبعض الذين انتهجوا هذا النهج مثل المقدسي والتي يُروج لها كثيرا في المجتمعات السعودية وخصوصا في المجتمعات الثقافية والشبابية ) .

إن هذا التحليل وضع كل الأطراف المعنية بمحاربة الإرهاب أمام مسئولياتها الدينية والوطنية وكادت تخوفات الأمير فيصل أن تتحقق لولا لطف الله تعالى ثم يقظة الأجهزة الأمنية التي تمكنت من تفكيك خلية على درجة كبيرة من الخطورة سنة 2007 لما تتوفر عليه من خطط تدميرية وأسلحة فتاكة .

وهذا الإنجاز الأمني أعاد إلى الواجهة أهمية المواجهة الفكرية ضد الإرهاب وضرورة إعطائها الأولوية القصوى ، ففي حديث له أمام أساتذة وطلبة الملك سعود بالرياض ،شدد الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية عقب تفكيك الخلية الإرهابية إياها على “إن الجهد الفكري للأسف لم يصل إلى الآن إلى المستوى الذي نتمناه لأنه لا يكفي الجهد الأمني فالجهد الفكري هو أولا يمنع وصول هذه الأفكار الشاذة إلى أذهان الشباب وأنه ينقي هذه الأفكار من هذه الأفكار الدخيلة على الإسلام والمدعين بأنها نهج إسلامي والإسلام براء منه وكلها إساءة للإسلام .. ويجب أن يكون هذا الجهد جهدا متميزا وبارزا وأن نرى نتائجه على أرض الواقع وهذا ما بدأت به الآن جامعة الملك سعود ونرجو أن جامعاتنا جميعا تقوم بهذا ونأمل من الإعلام السعودي أن يسهم إسهاما فاعلا في هذا الأمر حتى ينور الأفكار ويدرأ الأخطار عن أبناء هذا الوطن.

لقد انخرط في عملية تشريح الوضع الفكري في السعودية ، إلى جانب القيادة السعودية ، فقهاء وكتاب وإعلاميون ، إنه واقع لا يمكن إغفاله أو تجاهله عند وضع إستراتيجية فعالة لتجفيف منابع التطرف والإرهاب ، بل لا بد من استحضاره وأخذ تضاريسه في الاعتبار سيما وأن معظم المهتمين بالشأن السعودي ركزوا على دور البرامج التعليمية في نشر وتغذية التطرف .

ومما كتبه في هذا الشأن روبير بايير في كتابه ” ذهب أسود وبيت أبيض ” :( إن الشباب السعودي يُكَوَّن من أجل إدماجه في عالم لن يوجد إلا إذا نجح الجهاديون الوهابيون وحلفاؤهم الإخوان المسلمون في العودة بالبلاد إلى بعض القرون الخوالي ، فبينما العالم يسير نحو الانفتاح أكثر فأكثر ، لا يتمكن السعوديون من حل شفرات الأحداث إلا من خلال كوة ضوء ضيقة ، في حال لم تقفل هذه الكوة كليا ) .

إن التشريح الموضوعي لظاهرة الإرهاب ومسبباتها هو المدخل الرئيسي للتصدي لها ومحاربتها ، وقد أبان السعوديون عن حس نقدي ورؤية موضوعية لمجتمعهم وطبيعة الأفكار والبرامج الدينية والتعليمية التي يتغذى عليها التطرف ، فقد كتب  الأستاذ عبد الرحمن الراشد مقالا بجريدة الشرق الأوسط 16 يولويز 2007 يقارب فيه السؤال المتعلق بالسبب الذي يجعل السعوديين هم الأكثر طلبا للموت باسم “الجهاد” كالتالي : (لماذا السعوديون؟ لأنهم مهيأون عقلياً وسياسياً كقنابل موقوتة صالحة كألعوبة في يد أنظمة ذات مشاريع سياسية بالغة الخطورة، وبالتالي علينا أن نفتش لماذا يصبح السعودي مستعدا للموت في سبيل قضية لا يدري كنهها؟ ابحثوا في مصادر الإعداد والتهيئة التي تجعلهم جاهزين للموت. في نظري لم تعالج بعد لأنه أولا لا بد من الاعتراف بالمشكلة ثم البحث عن حلول حاسمة. وهنا أذكركم بأن مثل هذه الأمراض لا تشفى بالوقت ولا تداوى بالتجاهل. ) .

وكان للبيان الذي أصدره مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ عقب تفكيك أخطر خلية إرهابية سنة 2007 ،أثر مباشر على الجهد الفكري لأنه أزال الغطاء الشرعي الذي يتستر به الإرهابيون ويبررون به جرائمهم ؛ إذ اعتبر كل ما يقومون به من تقتيل وتفجير وترويع للآمنين وخروج على ولي الأمر ومبايعة رؤوس الفتنة ، هو خروج عن الدين وعن الجماعة يستوجب محاربتهم .

وكان مما ختم به بيانه النصيحة التالية التي تنبه الغافلين وتشرك عموم المواطنين في عملية ضمان الأمن كضرورة شرعية : (أوجه النصيحة إلى من تأثر بهذا الفكر الدخيل الخبيث، فأقول لهم اتقوا الله في أنفسكم، وفي أمتكم، وفي بلاد المسلمين، اتقوا الله، فلا تقحموا أنفسكم في أنواع من كبائر الذنوب، واتقوا الله، فلا تفتحوا على بلاد الإسلام وأهل الإسلام أبواباً من الشر تسلط الأعداء المتربصين، علينا، وتمكنهم من بلادنا ، وأنصح الجميع بالحرص على أمن البلاد، والجد في هذا الأمر، والتعاون مع الجهات المختصة، في الإبلاغ عن كل ما من شأنه زعزعة الأمن، فإن هذا من أوجب الواجبات، يقول الله تعالى.. “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ).

إلا أن أهم مبادرة أطلقت لمحاربة التطرف هي “حملة السكينة” التي لا يقتصر دورها على مخاطبة المواطن السعودي داخل الوطن ، بل اتخذت على عاتقها التصدي ، عبر الحوار والجدال بالتي هي أحسن ، للأفكار  والعقائد التي يغذي بها المتطرفون عقول الناشئة ويخلقون داخلهم استعدادا متزايدا لتقديم أرواحهم فداء لقضايا لا علاقة لها بالدين والوطن .

إن هذه المبادرة اتخذت لها إستراتيجية محددة الأهداف ترمي إلى تصحيح العقائد المنحرفة على مستوى العالم العربي والإسلامي تحصينا للشباب من الوقوع في شراك التطرف والإرهاب ، وبالقدر الذي ظلت السعودية متهمة بأنها مصدر التطرف الفكري والعقدي اعتبارا لكون غالبية انتحاريي 11 سبتمبر هم سعوديين ، فضلا عن إقرار المسئولين والمثقفين بكون المؤسسات الدينية والتعليمية في السعودية تشكل مصدرا للأفكار المتطرفة ،الأمر الذي جعل وزارة التعليم مثلا توقف أعدادا هامة من المدرسين حملة الأفكار المتطرفة ، بالقدر الذي يزيد حرصها على تجفيف المنابع الفكرية للتطرف والإرهاب . 

لهذا اتخذت “حملة السكينة” على عاتقها تصحيح الأفكار والعقائد على نطاق واسع حتى تصبح البيئة السعودية حاضنة ومصدّرة لفقه الاعتدال .

وباعتبار الشبكة العنكبوتية المجال الخصب الذي يستغله المتطرفون لنشر عقائدهم الضالة والمنحرفة واستقطاب الضحايا من رواد الانترنيت ، فإن “السكينة” دخلت هذا المجال قصد المواجهة الفكرية وتوفير الغذاء الفكري والفقهي القمين بتزويد رواد هذا المجال بما هم في حاجة إليه من أدلة شرعية وعقائد سليمة تحصنهم ضد الانحراف والتطرف وتمكنهم من امتلاك السلاح الفكري القادر على مواجهة أباطيل الفئة الضالة  ودحر منظريها وقياداتها وبيان خوائهم الفكري مثلما حدث حين انسحبت هذه القيادة رافضة الحوار مع “حملة السكينة”.

وبفضل المجهودات المبذولة توفر للسكينة قاعدةُ بيانات وبنك من الأفكار تهم طريقة عمل المتطرفين وأساليب الاستقطاب المتبعة ، بالإضافة إلى الرصيد الهام من الآراء والمناقشات التي تؤطر الفتاوى الشرعية التي يستند إليها المتطرفون في الهيمنة على عقول الشباب وذلك بوضع تلك الفتاوى في سياقها الحقيقي  وبيان وجه التحريف الذي تعرضت له ، كما هو حال فتاوى ابن تيمية .
كما تمكن “السكينة” ثلة من العلماء والفقهاء من التواصل عبر الإنترنيت مع عموم المسلمين الذين يريدون التعرف على دينهم من مصادر موثوقة حذرا من الوقوع في أحضان التطرف .

لقد أدركت السعودية أن الحرب على الإرهاب ليست أمنية عسكرية فقط ،بل هي فكرية أساسا ، فالأشخاص يمكن اعتقالهم لكن الأفكار يستحيل اعتقالها ، ولا منجاة من الأفكار الهدامة إلا بنشر الأفكار السليمة التي تصحح العقائد وتسفه المتاجرين بالدين وتفضح مخططاتهم التخريبية ، وكلما اتسع مجال الحرب الفكرية التصحيحية وانخرط فيه عموم الدعاة والمثقفين إلا وكان أمد الحسم مع التطرف والإرهاب قصيرا .   

-- سعيد الكحل – خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*