الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » محاولة فهم سيكولوجية الإرهابي

محاولة فهم سيكولوجية الإرهابي

المقالة التي بين أيدينا عن كتاب جديد لسكوت آتران، يعرض لنظرية في فهم نفسية ووافع الإرهابي، تقول إن الإرهابيين هم كائنات اجتماعية ويتأثرون بالصلات والقيم الاجتماعية التي تبدو مألوفة لنا جميعا. إنهم أعضاء في نواد مدرسية، أو فرق رياضة أو منظمات اجتماعية؛ وقد يكونون آباء متباهين أو مراهقين صعبي المراس. وهم لا يموتون، كما يحاجج سكوت آتران، من أجل قضية ولكنهم يموتون من أجل بعضهم البعض.

يوم 12 كانون الثاني / ديسمبر، غادر مهندس سويدي من أصل عراقي مكان إقامته في لوتون، شمال لندن، حيث درس الطب الرياضي في جامعة بيدفوردشير، تاركا زوجته وولده، وقصد بلدة أبويه وأختيه الذين يعيشون في السويد، حيث حاول أن يفجر نفسه في سوق شعبية، مما كان سيؤدي إلى مقتل مئات الأبرياء، ولكن خللا جعل سيارته المفخخة وحزامه الناسف ينفجران قبل المكان المحدد فأودى بحياته دون أن يسبب أي أذى لأحد. وقال موقع إسلامي مرتبط بالقاعدة ان تيمور عبد الوهاب كتب وصية قال فيها انه تحرك بدفع من “دولة العراق الاسلامية” الفرع العراقي للقاعدة.

ما الذي يدفع طبيبا محترما متزوجا لأن يترك زوجته وطفليه ويسافر إلى دولة لا تعادي المسلمين عموما وليس لها تاريخ استعماري ليفجر نفسه ويقتل مئات لا يعرف منهم أحدا؟ المقالة التي بين أيدينا تلقي ضوءا على ذلك.
(المترجم)

لقد رُوِيت أحداث 7/7/ 2005 في لندن مرارا عديدة. فنحن مثلا نعرف أنّ شهزاد تنوير، الفتى البالغ ثمانية عشر عاما من مدينة ليدز، لم يستطع أن يفجّر جهازه وأنّه اتصل بشركائه الثلاثة في المؤامرة رغم علمه أنهم في حكم الموتى. فمضى بعد ذلك وقتل نفسه إضافة إلى ثلاثة عشر آخرين على متن إحدى الحافلات. (1)

كما أنّنا نعرف أنّ الرجال الذين قاموا بعمليات التفجير كانوا في مزاج احتفاليّ وحالة مرح، وقد تعانقوا بحرارة قبل أن يتفرّقوا ليقوموا برحلاتهم الأخيرة، وفق ما ذكره مؤخّرا جوزيف مرتوشا – وهو رجل أعمال من كمبردج التقى الرجال الذين كانوا بين جمهرة من الناس في ممرّ بمحطة كينغز كروس – في إفادته إلى المحققين في هذه القضية. على أنّ التفاصيل ما زالت تأسر الألباب، ومن ذلك مثلا حقيقة أنّ محمد صِدِّيق خان، زعيم المتآمرين، أجَّل عملية التفجير بأسرها ليوم واحد لكي يتمكن من أخذ زوجه الحامل إلى المستشفى. إنّ تأمّل حالة كهذه لا بدَّ أن يثير سؤالا واضحا : ما الذي يدفع رجالا (وأحيانا نساء) يبدون عاديين تماما للقيام بأفعال مريعة مثل هذه؟

يعتقد عالم الإناسة الأمريكي سكوت آتران (2) أنّ لديه بعض الإجابات عن هذا السؤال. وهو يقول إنّ الإرهابيين هم كائنات اجتماعية ويتأثّرون بالصلات والقيم الاجتماعية التي تبدو مألوفة لنا جميعا. إنهم أعضاء في نواد مدرسية، أو فرق رياضة أو منظمات اجتماعية؛ وقد يكونون آباء متباهين أو مراهقين صعاب المراس. وهم لا يموتون، كما يحاجج سكوت آتران، من أجل قضية ولكنهم يموتون من أجل بعضهم البعض.

لو أنّ ذلك قيل في عام 2002 أو 2003 لاعتبر هرطقة. لقد كان آتران ولسنوات عديدة واحدا من أهمّ المدافعين عن “الكفاحية” من منطلق العلوم الاجتماعية، وكانت مقاربته تعتبر من قبل الكثيرين مقاربة يسارية. وكانت محاربة الإرهاب تعني العمل الذي تقوم به “جماعات مكافحة الإرهاب” وآخر من كان يُحتاج إليهم هم الأكاديميون ذوو الشعور المجعدة والتفكير المشوّش والملابس الصوفية يهرفون حول نواميس الجماعات وعادية القتلة.

في تلك السنوات المبكّرة، كان الجهد يتركَّز حول قادة القاعدة وألئك الذين يجنّدون الإرهابيين القادمين من وراء البحار، أو الخلايا النائمة التي تزرعها القاعدة والتي يمكن تفعيلها عند الحاجة بأوامر من أسامة بن لادن. ولم يكن يخطر على بال أحد وقتها أن يكون الشباب البريطاني نفسه مصدر تهديد. ووفق ما تقوله ستيلا ريمنغتون، الرئيسة السابقة للمخابرات العسكرية البريطانية (MI5) فإنّ الخطر كان يأتي من “شبكات من الأفراد… الذين يختلطون مع المجتمع… ويعيشون حياة طبيعية روتينية حتى يتم استدعائهم لأداء مهمّة محدّدة من قبل أعضاء آخرين في الشبكة.” ولعلّ هذا الوصف كان آنئذ ينطبق أكثر على كائنات فضائية وليس على بشر عاديين.

ولكن ما أن مرّت سنة حتى انكشفت – في عملية كريفس (3) – شبكة من المسلمين البريطانيين، معظمهم من أصل باكستاني، كانوا قد زاروا بالفعل معسكرات تدريب في باكستان ولكن فقط بعد أن تحولوا إلى راديكاليين في المملكة المتحدة. وعلى ذلك فإن المسار الذي أدى بهم إلى التفكير في عمليات العنف ضد “الماجنات” اللواتي كن يرقصن في النوادي الليلية لم يكن نتيجة غسيل دماغ تعرضوا له من قِبَل مجنِّدي المقاتلين، وإنما نتيجة آليات أخرى جديدة. لقد “اختلطوا بالمجتمع” و”عاشوا حياة طبيعية روتينية،” كما كانت ريمنغتون قد قالت، لسبب بسيط، وهو أنهم أعضاء طبيعيون في المجتمع. ويبقى السؤال حول ما الذي حوّلهم إلى قتلة محتملين من دون إجابة.

بحلول عامي 2005 و2006 باتت أعمال أشخاص من مثل آتران أكثر تأثيرا. وكان من بين أحد النصوص التي اقتبسها محللون في المخابرات العسكرية البريطانية MI5 في حوار لي (4) معهم بعيد تفجيرات لندن عمل لعالم الاجتماع كوينتن فيكتروفيسك، الذي، مثله مثل آتران، كان يحبذ تفسيرا للعنف المتطرف يعتمد بشكل أقل على سؤال “من؟” هم الإرهابيون أو حتى “لماذا؟” يغدو الأفراد راديكاليين، وإنما يركز بشكل أكبر على السؤال: “كيف؟”

وبدوره جاء مارك سيجمان وهو معالج نفسي وضابط سابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA ليحاجج بشكل أثار استفزاز البعض بأن الجهاد لا قادة له. وبالنسبة له، ولكافة المحللين الذين يشاركونه أفكاره، فإن عملية الردكلة (التحول الراديكالي) نفسها هي التي كانت مهمة. فالإرهابيون ليسوا مجانين، ولا يوجد دليل على وجود درجة عالية من المرض النفسي بينهم؛ وهم ليسوا فقراء، والرابط بينهم وبين الفقر – إن وجد – هو على الأقل رابط غير مباشر؛ ولا هم يشعرون بالضرورة بالإذلال.

على العكس، فإن آتران يثبت من خلال بحثه أن الإذلال الشخصي، كمثل ذلك الذي يعانيه الفلسطينيون عند نقاط التفتيش الإسرائيلية، إنما يخفض في الحقيقة احتمال أن يقوم أيّ فرد بعمل عنفيّ. وبالمقابل فإن الشعور بإذلال الآخرين الذي يشعر المرء بارتباط كبير معهم يمكن أن يكون دافعا جبارا للفعل، حسب ما يرى آتران. و برأيه فإن جذور العنف تعود إلى عوامل التفاعل في المجموعة البشرية، سواء أكانت شلّة من الأصدقاء، أو الأمة الإسلامية برمتها.

ويموضع آتران معرفته المرعبة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ليحلل الآليات المختلفة التي ساعدت عبر آلاف السنين في تحويل الأفراد الآدميين إلى مجموعات، عصابات حرب، فرق صيد، أو جيوش. وعلى الرغم من أن معرفته بالتاريخ مبهرة، فإن ما هو أكثر إبهارا هو بحثه الميداني في أماكن تتدرج من فلسطين إلى إسبانيا وتطوان في شمال المغرب إلى الجزر الإندونيسية النائية. ولعلَّ هذا البحث بالتحديد هو الذي يعزّز نظرته إلى العنف الإسلامي الراديكالي باعتباره حركة اجتماعية قابلة للتكيف.

وفي ذلك يقول آتران مثلا إن تفجيرات بالي (إندونيسيا) عام 2002 “كانت قد خُطِّط لها ونُفِّذت بواسطة شبكة من الأصدقاء، من أفراد العشيرة، من الجيران ورفاق المدرسة الذين ساعد واحدهم الآخر على التحول الراديكالي إلى أن غدا الجميع يتوقون لقتل أناس غرباء عنهم تماما من أجل قضية مجردة”. ويضيف آتران أن شبكات الإرهاب “لا تختلف في عمومها عن الشبكات الاجتماعية العادية الأخرى التي تقود الناس في بحثهم عن وظائفهم المستقبلية. إن مهنة الإرهاب بحد ذاتها هي التي يجدر اعتبارها استثنائية، وليس الأفراد العاديين الذين يصبحون إرهابيين”.

ولنأخذ على سبيل المثال الجماعة الإسلامية وهي المنظمة التي كانت وراء تفجيرات بالي. إن آتران يبين كيف أن القلة القليلة في المنظمة الواسعة التي كان لها اتصال بأشخاص من أمثال بن لادن لم يكن لها تقريبا أي دور في التخطيط للتفجيرات، ويتوصَّل من خلال الجهد الدؤوب في إعادة تركيب المخطط الزمني للهجمات إلى أن القرارات الرئيسية المتعلقة بتوقيت التفجيرات وتحديد الأهداف تمَّ اتخاذها على مستوى منخفض وغالبا بطريقة فوضوية وغير منظمة.

ولعل هذه الصورة للكفاحية الإسلامية المؤلفة من نقاط التقاء لروابط فردية تلتحم معا لتشكل جماعات تقوم بردكلةٍ ذاتية لنفسها، وتدعم نفسها دعما ذاتيا، وتدفع نفسها دفعا ذاتيا قد أخذت دفعة أكبر من خلال العمل التدقيقي الذي قام به آتران في فحص وتمحيص تفجيرات مدريد عام 2004.

لقد عرض لنا الدور ذاته والعلاقات عينها للمجموعة الصغيرة من المتآمرين الأساسيين والحلقة الأوسع للمرتبطين معهم، كما بيَّن من ثم الفشل المريع للشرطة الإسبانية في منعهم من القيام بعمليتهم. ولعل إصرار السلطات الإسبانية على أن المتآمرين كانوا على درجة عالية من التنظيم وأنهم كانوا موَّجَّهين من قبل “منظمة إرهابية مركزية” لم يكن إلا من أجل التغطية على عدم كفاءتها. أما الحقيقة فهي أن الخطة لم يتم كشفها مسبقا فقط لأنها كانت فوضوية ومائعة وغير محتملة الوقوع.

ويعدد آتران أربعة عناصر لما يسميه “الفوضوية المنظمة” والتي يرى أنها تمثل الفعالية الكفاحية الإسلامية المعاصرة. وهذه العناصر هي : أولا، الأهداف هي دائما غامضة ومتضاربة؛ ثانيا، أساليب العمل يتم تقريرها بشكل براغماتي واعتمادا على سياسة المحاولة والخطأ أو اعتمادا على فَضْلَة ما خبروه من تجارب سابقة؛ ثالثا، غالبا ما تتغير تخوم المجموعة بشكل مستمر؛ ورابعا، تتغير درجة التزام الأعضاء بالجماعة عبر الزمن. والنتيجة أنه لا وجود لمنظمة إرهابية مركزية وتراتبية، ولكن لشبكة غير مركزية ومتطورة بشكل دائم وتعتمد على تكيف ظرفي لأحداث لا يمكن التنبؤ بها.

ولا شك أن هذا الطرح هو في عالم دراسات القاعدة طرح قصووي نسبيا، ولكن النظرية التي يقترحها آتران عن الجهادية هي بدون شك أيضا إضافة مهمة ومفيدة للدراسات الأخرى الكلاسيكية حول ما يمكن للقاعدة أن تكونه.

وكنت قد كتبت (5) في عام 2001 أن هنالك ثلاث قاعدات، وليس قاعدة واحدة : قيادة نووية صلبة، وشبكة من الشبكات المرتبطة بها، وإيديولوجيا. ولقد أظهرت أحداث 7 تموز (يوليو) في لندن عناصر من القاعدات الثلاث، إضافة إلى رابعة هي في الحقيقة أقرب إلى فهم آتران، وهي “الحركة الاجتماعية” للراديكالية الإسلامية، وهي نتاج مباشر للدعاية التي تنتجها إيديولوجيا القاعدة والثقافة الفرعية التي كانت تنسجم معها على مدى العقد الفائت منذ هجمات 11 سبتمبر.

وهي، كما يوضح آتران، فوضوية، متكيفة، غير بنيوية، ولا يمكن التنبؤ بها. وبالنتيجة، فإن مكافحتها هي في الحقيقة أصعب بما لا يقاس مما لو كانت غير ذلك.

-- سكوت آتران

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*