السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأمن الفكري.. الرؤية والرسالة

الأمن الفكري.. الرؤية والرسالة

الأمن الفكري، من المصطلحات الحديثة التي كُثر تداولها في السنوات الأخيرة، وتمَّ التعاطي معه على مستوى الدولة والمجتمع معاً. وحتى هذه اللحظة لا يوجد تحديد عام جامعٌ لمضمونه ومحتواه ودلالاته. وإن كان التعاطي معه يُربط في الغالب بقضايا الإرهاب والتَّطُرف والغلو، والمناهج الفكرية المنحرفة،

وأدواتها التنفيذية، التي تتربص بالبلاد والعباد، وتسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وعرقلة مشاريع التنمية والعمران.

وتبدو خيوط السياسة السعودية، أو إستراتيجيتها في المزج بين المعالجة الأمنية والمعالجة الفكرية من خلال منظومة متكاملة من العمل المؤسسي المنظّم الذي يستوعب كل الجهات الفاعلة في المجتمع، لتعرية الفكر الضَّال، وتفنيد شبهاته، وكشف خلاياه الإرهابية، ومعالجة أوضاع المُغرَّر بهم. وفي تقديري أن النَّجاحات الأمنية الباهرة التي حققها هذا الوطن العزيز، لم تكن لتتحقق بالصورة والكيفية المطلوبة، لو أنَّ المعالجة اقتصرت على الجانب الأمني فقط، مع أهميته ودوره المحوري.

الأمن الفكري، في رؤيته ورسالته، يستهدف اختراق الخطوط الخلفية لزُمر الإرهاب وقواعدهم الفكرية، التي تُسوِّق للعنف، وتضع له التبريرات الشرعية والسياسية، في استقطابٍ واضح للبنى المجتمعية، على أمل اصطفافها مع هذه التَّوجهات والأفكار المنحرفة. ومن ثمَّ فإن العناية الفائقة بجانب المعالجة الفكرية مما يساعد بدرجة كبيرة على تجفيف مستنقعهم الفكري، وتفريغ محتواه علمياً ومنهجياً.

في هذا الإطار تتوالى الجهود والمبادرات بهدف تأصيل مادة الأمن الفكري، واستقصاء عناصره وأدواته، وبناء أهدافه، وصولاً إلى مخرجات تُعزِّز الوعي المجتمعي بأخطار ومثالب فكر العنف والغلو والتشدد الذي تتغذى عليه التيارات والخلايا الإرهابية.

ربما لا يسع هذا المقال حصر الجهود والمبادرات التنفيذية التي أقيمت داخل المملكة بما يخص الأمن الفكري، عبر منافذ الجامعات والمراكز البحثية، وعموم مناشط المهتمين بدراسة هذا الجانب المهم، والتي اشتملت على إجراء البحوث والدراسات، وإقامة المؤتمرات والندوات، وورش العمل والحلقات التطبيقية، واستهدفت إجمالاً إثراء المعرفة، والتوعية بثمرات الأمن الفكري، على الفرد والمجتمع معاً.

ولعلَّ من أبرز هذه الجهود قيام جامعة الملك سعود بتأسيس برنامج وكرسي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمن الفكري، في تأكيد واضح على أهمية هذا الجانب، وحاجته إلى مزيد من البحوث والدراسات. ويهدف هذا البرنامج، كما جاء في موقعه على الشبكة العنكبوتية: إلى تطوير و إثراء المعرفة في مجال الأمن الفكري كمقوم من مقومات التنمية المستدامة، والرقي والنهوض على صعيد الفرد والمجموع. ويتفرّع من ذلك الأهداف التالية:

1- الإسهام في تنمية ثقافة الأمن الفكري والاهتمام به على الأصعدة كافة.

2- إنجاز دراسات حول الظواهر والممارسات المنافية لمفهوم الأمن الفكري كالأفكار التي تتبنى العنف والإرهاب مذهباً.

3- الإسهام في وضع حلول عملية لمعالجة الأفكار المنحرفة والتيارات المُخِّلة بالأمن الفكري.

4- تقويم الدراسات والمشاريع والبرامج المتصلة بالأمن الفكري.

5- تنمية وتطوير قدرات الباحثين وطلاب الدراسات العليا في هذا المجال.

في الاتجاه نفسه، تعكف هيئة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر على إعداد إستراتجيتها لتعزيز الأمن الفكري، من منطلق كونها من الجهات المهمة المعنية بهذا الموضوع. فالشباب والناشئة – وهم أكثر الفئات المجتمعية تعرضاً لمزالق ومفاسد الفكر المنحرف وإرهاصاته – هم كذلك أكثر الفئات التي يتعامل معها جهاز الهيئة. وبما يجعل موضوع الأمن الفكري في حقيقة الأمر من صميم أعمالها ومهامها. مثل ما هو جزء مهم من الأدوار التكاملية بين أجهزة الدولة والمؤسسات المجتمعية كافة. بلْه هو مقوم من مقومات الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. وللهيئة في ذلك جهود وبرامج وأنشطة، والعديد من الإصدارات العلمية للتأصيل الفكري وأهميته، ومحاربة الإرهاب، وتفنيد شبهاته، وبيان مفاسده وأخطاره، على المجتمع.ومع قناعة الجميع بأنَّ الإرهاب والغلو والتَّطرف ظاهرة عالمية لا يمكن أن تنسب إلى أُمَّة أو شعب أو دين بعينه. وكما يؤكد على ذلك الدكتور راشد المبارك في دراسته القيِّمة (التَّطرف خبز عالمي)، بقوله «لم تعرف دفاتر التاريخ ثقافة واحدة خلت من أفراد زرعوا فيها ما يوقظ الصراع، أو يُشعله بسبب تطرفهم، فقد وُجد التَّطرف في كل الشعوب، ومورس من قبل أفرادٍ وجماعات من أتباع كل الديانات والمذاهب، على اختلاف أطيافها، ولقد بُذلت أموال وأهدرت دماء بسبب الإرهاب – الذي من أقوى أسبابه التَّطرف – أو في مقاومته. وإذا كان هذا التَّطرف وما يثمر أو يفرز من عنف هو خبز عالمي، وُجد ويوجد في كل الشعوب والمجتمعات، فإن البحث والمعالجة يجب أن يكونا ممتدين ومتسعين بقدر امتداده وتعدده، وأن يكونا شاملين له في مواقعه ومنابعه».

قناعتنا هذه لا تمنع من القول بأنَّ معالجة واستئصال هذه الآفة العالمية، قد تختلف أدواتها وأساليبها من بلدٍ إلى بلد، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن بيئة إلى بيئة. ومن ثمَّ تبدو أهمية المبادرات الوطنية الجارية حالياً لتوسيع وعي المجتمع السعودي بأخطار تمدد التيارات الفكرية المنحرفة، ومخاطرها المتزايدة على أبناء المجتمع.

قبل فترة زمنية قصيرة نسبياً أعلنت وزارة الداخلية في بيان لها عن ضبط «19» خلية إرهابية كانت تزمع تنفيذ سلسلة من أعمال القتل والاغتيال والتفجير لنشر الفوضى وزعزعة الأمن، وكانت تمارس أعمال جمع الأموال لتمويل أنشطتها الإرهابية، ونشر أفكارها الضَّالة، والأخطر أنَّها كانت تعمل حثيثاً على التغرير بالناشئة والشباب حديثي السِّن، وتحريضهم وغسل أدمغتهم اليافعة بأفكار وتُرَّهات باطلة سقيمة لدفعهم نحو أتون الفتن ومواطن الاقتتال. وقد بلغ عدد أفراد هذه الخلايا الإرهابية «149» فرداً منهم نحو «124» سعودياً.

هذا البيان الأمني، وإن كان مؤشراً مهماً يعكس يقظة رجال الأمن البواسل، وقدراتهم الفائقة على الإيقاع بهذه الخلايا قبل أن تحقق أهدافها الإجرامية. إلا إنَّه في المقابل يشير إلى استمرار منُظِّري الفكر الضَّال في استدراج المزيد من أبناء الوطن، وتشويش قناعاتهم، واستلاب عقولهم، وتحويلهم إلى أدوات تنفيذية يمكن أن تُوَّجه إلى أي هدف هنا أو هناك.

ومن ثمَّ ينبغي أن نحرص جميعاً على بناء المزيد من قواعد وأُطر التعاون المجتمعي، بكل النوافذ الممكنة، لنشر ثقافة الأمن الفكري، وتنميتها. خاصًّة إذا علمنا، وكما جاء في دراسة حديثة أن نحو «75%» من السعوديين لا يستجيبون للجهد الحالي في نشر هذه النوعية من الثقافة المهمة. وينبغي كذلك مناقشة القضايا والمشكلات الشائكة ذات الصِّلة بجرأة أكبر، وشفافية أكثر، تأخذ في الاعتبار كل العوامل والعناصر والبيئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكل مواطن الخلل، ومكامن العِلل، التي تؤمِّن التربة الخصبة لنمو وتعزيز التيارات الفكرية المنحرفة. ولنخلُص إلى نتائج ذات مصداقية تنعكس إيجاباً على أمنَّنا الفكري والمجتمعي، وتسهم في تحصين شبابنا من الأفكار والنظريات التكفيرية، ومزالق الغلو والتَّطرف، بإرهاصاتها المدمرة على مقومات التعايش، والسلم، والتنمية.

ولعلَّ من العناصر التي ينبغي معالجتها، بموضوعية، وجرأة، وشفافية، العامل أو الأمن الاقتصادي، فهو عنصرٌ أساس في منظومة بناء وتعزيز الأمن الفكري في المجتمع. ومن ثمَّ يقع على عاتق الباحثين والمفكرين ومتخذي القرار العناية الفائقة بسياسات التعليم والتوظيف، ومشكلات الفقر والبطالة، وحقوق الحياة الكريمة والمواطنة، وقضايا العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص. فكلما كانت العناية أكثر شمولية، وأكثر عدالة، كانت النتائج إيجابية، لجهة تدعيم معاني الانتماء الوطني، وتعزيز أُطر الأمن والاستقرار المجتمعي، وردم بؤر التوتر، وبواعث الفتن والتشرذم. وبما ينعكس إيجاباً على قضايا الأمن الفكري على وجه العموم.

الكلمة الأخيرة: من المهم جداً النَّظر إلى أنَّ بناء الإستراتيجيات هو بداية انطلاقة نحو تحقيق رؤية معينة، لا مجر د غاية تنتهي تبعاتها بانتهاء مهام إعدادها. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإنَّ الاستثمار الناجح للوقت والجهد والمال الذي يستغرقه صياغة وإعداد الإستراتيجيات لن يؤتي أُكله، إذا لم يؤخذ في الحسبان آلية التنفيذ والمتابعة، وعامل الزمن، وحتى لا نصل إلى مرحلة تتجاوز فيها الوقائع والتطورات الديموغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ما احتوته وتضمنته بنود هذه الإستراتيجيات.

من مأثور الحِكم «تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ مِنْ ثَمَرِها».

-- الجزيرة - د. عبد المجيد بن محمد الجلاَّل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*