الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المصرية والطائفية.. صراع الوطن والخوارج عليه!

المصرية والطائفية.. صراع الوطن والخوارج عليه!

من المهم الإيمان أنه ليس لحادث إرهابي – مهما كانت فداحته – أن يشق نسيج الوحدة الوطنية في مصر، أو أن يتصدع بسببه جدارها، فقد عرفت هذه اللحمة والوحدة تحديات كبرى، على مدار تاريخها، خرجت منها أقوى وأكثر ثباتا ويقظة لما يحاك بها!

فقبل مأساة كنيسة القديسين الأخيرة التي تحمل بصمات القاعدة التي تفجر الطوائف في العراق وباكستان، وتسعى لتفجيرها في لبنان، وتحاول الآن في مصر، حاولت جماعات العنف الديني في أواسط التسعينيات اللعب على الوتر الطائفي، إحراجا للحكومة في صراعها معها، أو اجتذابا للجموع المسلمة ولكنها فشلت وتراجعت وثبت أن مصر أقوى وأن المصرية أكبر من أهداف الخارجين عليها.

وحين حاول الاحتلال الإنجليزي ضرب الجماعة الوطنية المصرية، واللعب على توترات الطائفة كذلك وتنوعاته، واجهته الجماعة الوطنية في أخريات القرن التاسع عشر بشعارها ” مصر للمصريين” ضده وضد التبعية للخلافة العثمانية كذلك.

وحين كرر الاحتلال الإنجليزي نفس السيناريو عام 1919 واجهته الجماعة الوطنية بحقيقة إيمانها” أن الدين لله والوطن للجميع” وخطب الشيوخ في الكنائس وخطب الآباء في المساجد، وكان خطيب الثورة أبونا بطرس يعتلى منبر الأزهر خطييبا معلنا دينا لا يعارض الأديان” اسمه الوطن” وإخوة قد تعلو ولا تقل عن إخوة الدين اسمها ” إخوة الوطن” كما كان يكتب رفاعة الطهطاوي في أشعاره التعليمية وأناشيده قبل ذلك بنصف قرن..

وكما خطب أبونا بطرس بالأزهر درس به بعض مشاهير الأقباط به مثل الشاعر تادرس وهبي والشاعر الأستاذ ميخائيل عبد السيد صاحب جريدة مصر، وحفظ مكرم عبيد القرآن كما عرب ابن العسال الإنجيل قبل ذلك بقرون!

أما الموتورون أمثال أيمن الظواهري وأتباعه الذين يكفرون بالوطن ويرون الوحدة الوطنية صنما يعبد من دون الله، وأمثال أخنوخ فارس وأخلافه، ممن يريدون أن يحتكروا الوطن لهم ولأفكارهم الأممية أو الانفصالية، فظلوا هامشا خارجا على متنه، وفرعا منشقا عن أصله! ولفظهم التاريخ كما لفظ أمثال الجنرال يعقوب حين تحالف مع الحملة الفرنسية ضد بني وطنه ووقفوا شيوخ الأزهر ضد بعض مستبدي الحكم التركي والعلوي حين أرادوا فرض الشرتونات والغرامات والجزءات على القبط.

المصرية هوية للتعايشإن المصرية هوية تشكلت منذ أن كان التاريخ، منذ كان ماء النيل يجري في عبقرية المكان فتنصهر فيه الاختلافات والتمايزات ويرتوى الجميع تسامحا وبناء، فكانت ملتقى الديانات والإثنيات، ومن يتأمل تمثال الكاتب المصري- شعار الهيئة المصرية العامة للكتاب- سيجدها ملامح جنوب شرق آسيوية( يابانية) يفسرها علماء الإثنولوجيا بهجرات من هذه البلاد إلى مصر، قبل ثمانية آلاف سنة إلى مصر، ليتعايشوا فيها ويكونوا جزءا منها ومن نسيجها! وهكذا كانت القبائل العربية دائما على تخومها وحكمها الليبيون والنوبيون فترات من تاريخها القديم، ولكن كانت قادرة دائما على تمصير من جاءها ولو كان الإسكندر الأكبر ابن آمون!

هذه المصرية هوية مرئية ولا مرئية تتأبى على الانشقاق النشاز، الذي يطرب له من يريد اللعب والاستغلال لطائفته بمعاداة غيرها، فقد حفظت للتاريخ رفض اليهود المصريين أمثال قطاوي وصيدناوي باشا لعرض هرتزل بتخصيص وطن قومي لليهود في سيناء، بل أنشأ بعضهم الجمعيات والاتحادات لمكافحة الصهيونية قبل أن ينتبه لخطرها الأيديولوجيون من غيرهم، بل أبدى إعجابه بها الشيخ محمد رشيد رضا في مجلته المنار سنة 1901 داعيا المسلمين للتوحد شأنهم ومباركا لههم دعوتهم لتوحيد اليهود وإيجاد وطن قومي لهم!

هذه المصرية هي التي دفعت عام 1919 طالب الطب المسيحي عريان يوسف سعد لمحاولة قتل رئيس الوزراء( المسيحي أيضا) يوسف باشا وهبة( توفي سنة 1934) وحتى لا يتهم مسلم بقتله، فتكون فتنة طائفية بسبب من يراه خائنا لوطنه!

هذه المصرية هي التي جمعت المصريين عقب اغتيال بطرس باشا غالي في20 فبراير سنة 1910، وهو النبيل القطبي الكبير وصاحب الايادي البيضاء على الطائفة، وظل الأدباء الأقباط يرثونة سنوات بعد وفاته، في المؤتمر المصري سنة 1911 بعد أن نزع الأقباط وثاروا في المؤتمر القطبي سنة 1910، ولكن المصرية كانت أقوى من هذا الزلزال السريع ونجحت في استيعابه وتجاوزه!

هذه المصرية ليست أغنية نشدو بها، ولكنها عقيدة نحياها ونمارسها، وإن لم يبصرها العميان، لم ينجح في خلعها أو خلخلتها خارج ولا داخل، وإن نجح في تشويهها كثير ممن ليسوا على مستواها ولا يليقون بها!

ومن المهم أن نتعاطى معها جميعا- حكومة ومجتمعا- بما يليق بها من حماية ومن تصفية مستمرة مما يعكر صفوها وجريان مائها، بدءا من قانون دور العبادة العتيق، مرورا بقضية الحرية الدينية وتغيير الديانة، وليس انتهاء بتجريم الدعاية الطائفية وما يهدد السلم الاجتماعي، والأهم استعادة الحكومة المصرية ثقة الجميع عبر الشفافية والإصلاح السياسي والشفافية التي تمثل شرط الصدقية الوحيد حتى لا تكون المتهم دائما في كل تقصير!

ومن المهم لكي يقطع الطريق وتضبط نزوعات الغضب، بعد حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية الذي أصاب الجميع ونصر أعداء الوطن في إنفاذ تهديداتهم، أن يتعالى عنصرا الأمة- أقباطا ومسلمين- على منطق الظن أو التساهل أو التمهيد.. فالمرجح أنها القاعدة وهي ليست من الوطن! أما الاشتباكات النظرية والكلامية السابقة بين بعض الأطراف، على خلفية أهم امرأتين في تاريخ مصر المعاصرة، فليست إلا كلاما من المهم تجفيف آثاره والحيطة من تكراره عبر تشريعات مدنية ترفع الوصاية عن إيمانات الناس في مسائل التحول الديني، مسلمين كانوا أو مسيحيين، ليكون بحق الدين لله والوطن للجميع شرط هذه الهوية التالد الخالد، وعلامة أولى أننا- أبناء هذا الزمن- على قدرها ومستواها.

-- هاني نسيرة - العربية نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*