الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بعد تفجير الكنيسة … دعوة لجبهة اعتدال ضد الإرهاب

بعد تفجير الكنيسة … دعوة لجبهة اعتدال ضد الإرهاب

وجـّه الإرهاب ضربة جديدة مؤلمة عبر استهدا ف كنيسة القديسين في مدينة الاسكندرية المصرية، على بعد أمتار قليلة من مسجد شرق المدينة، ليل الجمعة السبت في الليلة الأخيرة من السنة الميلادية المنصرمة وعلى أعتاب عام جديد، ليُدخل مصر مرحلة خطر مستجد مضاف إلى ما تواجهه الدولة في واحد من أعرق المجتمعات إغراقاً في العيش المشترك والشراكة الإسلامية المسيحية.

هذه الجريمة المنكرة والمرفوضة بإجماع المسلمين، حكاماً وحكومات، وشعوباً وحركات إسلامية، ومؤسسات دينية ومرجعيات وعلماء.. أعادت طرح النقاش حول أمور كثيرة منها: كيفية مواجهة التطرف والإرهاب، كيفية تنمية العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، سبل الاستجابة لهواجس المسيحيين في الشرق، كيفية الموازنة بين ضرورة الحفاظ على الوجود المسيحي والتركيز على حقوق المسيحيين، وبين الإضاءة القوية والفاعلة على الانتهاكات الصهيونية لحقوق أهل فلسطين، وعلى رأسهم مسيحيو بيت المقدس وبيت لحم والناصرة.. مما يقودنا إلى السؤال عن طريقة الفصل بين سياسات الحكومات الغربية وبين إمكانية استغلالها لقضايا الأقليات من أجل التدخل السلبي في بلاد العرب.

إن التحدي الذي يفرضه تفجير كنيسة الاسكندرية، خاصة إذا ثبتت مسؤولية تنظيم “القاعدة” عنه، يوجب صياغة جبهة اعتدال كبرى، لا تشمل فقط الأنظمة والحكومات، بل يجب أن تكون الحركات والجماعات الإسلامية المعتدلة مكوناً أساسياً في هذه الجبهة، لأن الحالة الإسلامية الحركية، لديها المسؤولية والقدرة على المواجهة الفكرية والسياسية لموجات التطرف والعنف، بقدر موازٍ على الأقل للمواجهة التقليدية الجارية حالياً بين الأنظمة والفئات الضالة.

وما يعزّز هذا المنطق، أن تجربة الصراع مع “القاعدة” في المملكة العربية السعودية، جرى رفدها بحراك دعوي علمائي وشبابي، كان من أبرز تجلياته، حملة السكينة، فضلاً عن المواكبة الاجتماعية والنفسية للشبان المعرضين لآفة الغلو، والعمل لحل مشكلاتهم العملية.

كما أن تقهقر تنظيم “القاعدة” في العراق شهد تحوّلاً أساسياً مع ظهور “الصحوات” من داخل البيئة السنية، رغم ما شاب هذه التجربة من تقاطع مع مصالح جهات كثيرة، منها الاحتلال الأميركي، لكن تخريب “القاعدة” كان قد طاول الشرائح السنية المخالفة لهذا التنظيم، مما أدى إلى تحويله إلى عدو أو خصم لمعظم شرائح العراق الدينية والسياسية على حدٍ سواء، وإن كان التخلي عن تجربة “الصحوات” بالشكل المشبوه الذي حصل، من شأنه أن يعيد إحياء وجود التطرف في الكثير من المناطق التي أُخرج منها.

وفي عودة إلى الواقع المصري، فإننا نرى ضرورة خرق الحلقة المفرغة التي تدور فيها الحياة السياسية المصرية، وتحديداً الصراع المفتوح بين الحكم وجماعة “الإخوان المسلمين”، لأنها الشريك الضروري في مواجهة ظاهرة التكفير بين المسلمين ونشر الاعتدال بين المسلمين لجهة العلاقة مع إخوانهم المسيحيين.

قد يكون لـ”الإخوان المسلمين” أخطاء يرتكبونها في سلوكهم السياسي، لكنهم بالتأكيد باتوا يحملون تجربة مثقلة بضوابط الانتظام العام والبعد عن استخدام العنف لأغراض سياسية، بل نراهم يتوسلون المشاركة في أي انتخابات، لإثبات تبنيهم فكرة التداول السلمي للسلطة وانخراطهم في الدولة المصرية.

صحيح أن الرئيس حسني مبارك ذكّر بالانتصار على الإرهاب في مرحلة التسعينات، لكن الصحيح أيضاً أن السلطة المصرية كانت تواجه فئات معزولة عن المحيط الحركي، وكان “الإخوان” في تلك المواجهة “متواطئين” مع السلطة في رفض ما فعلته جماعات العنف في مصر، وبالتأكيد فإن موازين الصراع لن تبقى على حالها إذا ما قرّر “الإخوان” ارتكاب خطيئة اللجوء إلى العنف لمواجهة حالة الحظر والاعتقالات والحصار الواقع عليهم منذ عقود، وهذا الاختلال لن يكون لمصلحة أحد في مصر.

في المقابل، نرى أن على “الإخوان المسلمين” في مصر والعالم العربي مسؤولية كبرى في حمل راية الاعتدال وإعطاء الأولوية للانتصار على الغلو والتطرف، ولو جاء ذلك على حساب الإصلاح السياسي، لأن انتصار الإرهاب، لن يبقي وطنا نختلف على إدارته أو حكمه!! خاصة مع استشراء بلاء الانقسام في السودان والتشظي في اليمن، وتحليق اشباح الفتنة فوق لبنان، بعد سقوط العراق وفلسطين في داء الشرذمة والانشطار..

ومن القضايا التي لم يعد جائزاً تجاهلها في سياق متابعة ظاهرة الإرهاب، ذلك السعي الصهيوني الدائم لاختراق الحركات الإسلامية الناشطة في مجال الجهاد في حال منازلة الاحتلال، أو العنف والإرهاب عند التورّط في المواجهة الداخلية، وهو أمر لم ينل حقه من البحث والتمحيص، حول وسائل هذا الاختراق وكيفية استغلاله لتوريط هؤلاء “الجهاديين” في أعمال ومواقف تخدم الأهداف الإسرائيلية الكامنة في إثارة الفتن الداخلية وإشاعة الانقسام والصراع الطائفي والمذهبي، للوصول إلى هدفين كبيرين من جملة أهداف كثيرة:

– تشويه صورة الإسلام وتصويره بصورة الدين العاجز عن القبول بالآخر، وهدم قيمته الحضارية والإنسانية على المستوى الدولي.
– التقدم نحو التجزئة والتفتيت في العالم العربي على الأساس الطائفي والمذهبي، لتبرير قيام “إسرائيل” كدولة يهودية، والقيام بمزيد من الخطوات العنصرية نحو أهل فلسطين مسيحيين ومسلمين.

فمع افتضاح المزيد من شبكات التجسس التي زرعها العدو الإسرائيلي في عالمنا العربي، تنكشف فصول إضافية من الاختراق الصهيوني لدولنا ومجتمعاتنا وحركاتنا، الوطنية والإسلامية.

فقد أفادت التحقيقات مع المتهم المصري بالتجسس لصالح المخابرات الاسرائيلية طارق عبد الرازق بوجود عميل آخر يلقبه “الموساد” بـ”الأستاذ” قام خلال 20 عاماً من العمالة بتجنيد مئات الشباب المصريين للعمل مع الصهاينة في أفغانستان.
وكشفت أوراق التحقيق، إضافة إلى سعي العميل عبد الرازق الى اختراق شبكات الاتصالات في مصر وسوريا ولبنان.. وأن “الموساد” طلب منه اختراق الجماعات الاسلامية، وألحّ في ذلك لدرجة أنهم طلبوا منه إطلاق لحيته، غير أن عبد الرازق رفض الطلب لسببين على حدّ قوله في التحقيقات: الأول “أن أجهزة الأمن المصرية تسيطر على الجماعات الاسلامية في وقتنا الحالي”، إضافة إلى أنه “لا يريد العودة إلى مصر من الأساس”.

هذه الحقائق الخطرة، إذا دلّت على شيء، فإنما تدلّ على وصول العمل المسلح لجماعات العنف إلى مفترق حساس، نتيجة حاجتها الدائمة إلى التمويل والدعم اللوجستي والمرور الآمن عبر الحدود، مع ما يعنيه ذلك من ثغرات تستغلها الأجهزة المخابراتية للدخول إلى هذا العالم المجهول، الذي لا يضبطه قانون ولا تسوده إلا المخاوف من التآمر والاغتيال..

وإذا كان طبيعياً سعي العدو للتجسس واختراق حركات المقاومة مثل (حماس) و”حزب الله” وغيرهما، كون هذه الحركات تخوض صراعاً مباشراً مع الاحتلال الصهيوني والحرب بينهم سجال، وهي تشهد فصولاً متتابعة، طالما يستمر الاحتلال لفلسطين، ودفع الأثمان في مثل هذا الصراع أمر مشرّف ويستحق التضحية، ويستوجب الدعم في سبيل تحصين حالة المقاومة.. عبر تحصين الوحدة الوطنية، لأن الثابت الدائم في هذا المجال أن الانزلاق إلى الصراع الداخلي بكل أشكاله، هو خدمة كبرى للعدو الاسرائيلي، وأحد أشكال السعي الصهيوني لاختراق الساحة العربية والإسلامية.

أما أن يسعى هذا العدو إلى اختراق الجماعات الإسلامية المصرية، والمقصود هنا على الأرجح جماعات العنف المسلح، مع عدم استبعاد استهداف “الإخوان المسلمين”، وصولاً إلى أفغانستان، فالواضح أن العدو يسعى إلى كشف خط حركة التنظيمات “الجهادية” ومحاولة التحكم بمنحنياته، وتوظيف ما يمكن توظيفه في سبيل تحقيق سلسلة أهداف، أبرزها:

– نشر الفوضى وضرب الاستقرار في البلدان العربية والإسلامية، بتوريط الجماعات المسلحة، عبر عناصر الاختراق، في صراعات داخلية.

– التخلص من العناصر الجهادية الفاعلة، التي يمكن أن تتجه بوصلتها نحو فلسطين المحتلة، عبر توريطها في معارك داخلية، أو فتن مذهبية، أو صراعات تنظيمية.

– استخدام بعض العناصر الإسلامية في تشويه صورة الإسلام، والإضرار بمصالح المسلمين في العالم، سواء عبر المواقف الإعلامية الشاذة والمنحرفة، أو عن طريق إشعال الصراع بين المسلمين والغرب بعمليات إرهابية، مثل ما حصل في لندن ومدريد، وما يحصل أخيراً في السويد، حيث يعمل اللوبي الصهيوني على تحريض المجتمع السويدي ضد الإسلام، وتسعى صحافته لافتعال الإشكالات، في حين نجد بعض المتطرفين المسلمين يقدّمون هذه الخدمة المجانية، عبر نشر شبكات التخريب، التي كان من نتائجها وقوع عملية انتحارية في بلد يُعرف بتسامحه وتفهم شعبه وحكومته لأهمية إرساء علاقة طيبة مع المسلمين في السويد.
إن هذه الوقائع والقراءة لمدى خطورة الموقف يستوجب رفع مستوى الوعي لدى الجميع؛ فالمسلمون يجب أن يتفهموا مخاوف إخوانهم المسيحيين وأن يجدوا السبل الفعالة للتضامن معهم، والمسيحيون يجب أن يدركوا أن الذين فجروا كنيسة الاسكندرية ليسوا المصلين الذين يرتادون مسجد شرق المدينة، وليسوا شركاءهم في الوطن والمصير، والاعتداء على المسجد أو على شيخ الأزهر لن يحلّ مشكلة يريد مفتعلوها أن يروا الأقباط والمسلمين يسيحون في شوارع مصر يريقون دماءهم ويخربون أمنهم ويسقطون بلدهم في دائرة الفوضى..

-- أحمد الأيوبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*