الخميس , 8 ديسمبر 2016

الوهم المسيحي

لا أظن عاقلاً واحداً يجيز استهداف وقتل الأبرياء مسيحيين ومسلمين وغيرهما، ولكننا في عالم مجنون يصرح بالقتل، بعيداً عن هوية المستهدف.. عامة الجمهور العربي يحاول تفهم القتل البارد في العراق والصومال وباكستان، والأصوات العاقلة لا تجد من ينصت إليها، لأن القاتل يختفي وراء شعارات دينية، يبرر خلالها بشاعة فعله.

والأكثر وجعاً أن عالمنا المجنون لا يدين شعبياً سفك الدماء في المساجد، وهدمها على رؤوس المصلين، في العراق وباكستان لا يمكن أن تحصى حوادث دور العبادة، باكستان على موعد أسبوعي، ففي كل صلاة جمعة هناك انتحاري ينتظر دوره بين الركع السجود، والحال مثله في العراق، وفي تجربتنا المحلية، ما فعله جهيمان في المسجد الحرام وفي ملفات الأمن نجاحات لم تعلن عن إحباط عمليات اغتيال رجال دين في مساجدنا.

واليوم صوت غريب يعلو في المشهد العربي، فبعد حادثة الكنيسة في بغداد، ومن ثم في الاسكندرية، ردد كثير من رجال الدين المسيحيين وبعدهم إعلاميون عرب، من ديانات مختلفة، إسطوانة قديمة عن مشروع إسلامي متطرف لتهجير المسيحيين.

في مصر أكثر من عشرة ملايين مسيحي، وفي العراق عدد محدود أمام الرقم المصري، والقول بالتهجير ضعيف، لا يستند إلى وقائع الأحداث.

فالعراق يشهد تهجيراً مستمراً شاملاً السنة والشيعة من المسلمين، واتبعهم بقية المذاهب والديانات، وبأرقام كبيرة، لذا يمكن رصد ملايين العراقيين، السنة، والشيعة، الذين فروا من بلادهم إلى دول الشام والخليج وأوروبا. وبعد هذا الكم، جاءت الحوادث المسيحية، وبرقم محدود، لا يجعلها في خانة التهجير، رغم الإقرار بمشاعر الكراهية التي يكنها المتطرفون من المسلمين للمسيحيين، ولكنها مشاعر تصيب المعتدلين من المسلمين أيضاً!

مصر أصيبت بثلاثة تفجيرات كبرى في قلب سياحتها (شرم الشيخ)، ومع ذلك استمر المورد الاقتصادي يتدفق بنشاط وبلا أي تأثير، والملايين العشرة من المواطنين المسيحيين لن يروعهم تفجير واحد، أو ثلاثة، لا سمح الله، فهم أبناء بلد، أبناء الصعيد والقاهرة وغيرهما، ولن يدفع الإرهاب، ولا مجرد مئة نفر منهم، إلى الهجرة، لمجرد الخوف من «القاعدة».

في السعودية دشنت القاعدة عملياتها باستهداف المقيمين الغربيين، ولم تنجح في إبعادهم عن البلاد سقط التنظيم أمام الحكومة والمجتمع، فزاد عدد الرعايا الغربيين.

والحال المسيحي أفضل، والمسيحيون أبناء وطن، والمجتمع والدولة يعترفان بمواطنيتهم، والتاريخ يثبت أن حالات عدة أقسى وأمر لم تؤل إلى تهجيرهم.

التطرف يعاني منه الجميع، ونيرانه تصيب المسلمين قبل غيرهم، والتهجير الذي أصاب مسيحيي لبنان أصاب مسلميه على حد سواء، وأصبح عدد المهاجرين اللبنانيين يفوق المقيمين على أرضه ضعفاً.

-- الرياض - فارس بن حزام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*