الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » معابد أهل الذمة .. ودعاوى الإرهاب !

معابد أهل الذمة .. ودعاوى الإرهاب !

تحريم الاعتداء على دور عبادة غير المسلمين , هو محل اعتبار بين أهل العلم . بل ذهب القرآن الكريم إلى تقديم رعاية تلك الدور على المساجد , وعدم ترويع الآمنين فيها , أو تهديدهم : ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ” .

وفي السنن الكبرى , يوصي أبو بكر أمراءه , فيقول : ” ولا تغرقن نخلا , ولا تحرقنها ، ولا تعقروا بهيمة , ولا شجرة تثمر ، ولا تهدموا بيعة ، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء ، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع , فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ” .

ومن يستعرض أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة , سيرى كيف أن الإسلام أقر حقوق أهل الذمة , وأحاطها بضمانات متعددة , ومن ذلك :

ما ذهب إليه الحنفية : من أن البيع والكنائس القديمة في السواد والقرى , لا يتعرض لها , ولا يهدم شيء منها . قال الكمال بن الهمام : ” إن البيع والكنائس في السواد , لا تهدم على الروايات – كلها – ” .

وذهب المالكية : إن الكنائس القديمة تترك لأهل الذمة , فيما اختطه المسلمون , فسكنوه معهم . قال شهاب الدين القرافي : ” إن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا ؛ لأنهم في جوارنا , وفي خفارتنا , وذمتنا , وذمة الله – تعالى – ، وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم – , ودين الإسلام . فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء ، أو غيبة في عرض أحدهم ، أو أي نوع من أنواع الأذية , أو أعان على ذلك ، فقد ضيع ذمة الله , وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم – , وذمة دين الإسلام ” .

وذهب الشافعية , إلى : أن الذي يوجد في البلاد , التي أحدثها المسلمون من البيع , والكنائس , وبيوت النار , وجهل أصله لا ينقض ؛ لاحتمال أنها كانت قرية , أو برية , فاتصل بها عمران ما أُحدِث منا ” .

وذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة , إلى : أنه لا يمنع أهل الذمة من رم ما تشعث من الكنائس , والبيع , ونحوها , التي أقر عليها , وإصلاحها ؛ لأن المنع من ذلك , يفضي إلى خرابها , وذهابها فجرى مجرى هدمها ” .

وقال ابن حزم – الفقيه الظاهري – : ” إن من كان في الذمة , وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه ، وجب علينا أن نخرج ؛ لقتالهم بالكراع , والسلاح , ونموت دون ذلك ؛ صونا لمن هو في ذمة الله – تعالى – , وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم – , فإن تسليمه دون ذلك , إهمال لعقد الذمة “.

– وما عدا ذلك – , فقد قرر الفقهاء : أن أهل الذمة في البيوع , والتجارات , وسائر العقود , والمعاملات المالية كالمسلمين ، ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا ، فإنه محرم عليهم كالمسلمين , وقد رُوِي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – , كتب إلى مجوس هجر : ” إما أن تذروا الربا , أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله ” .

كما يمنع أهل الذمة من بيع الخمور , والخنازير في أمصار المسلمين ، وفتح الحانات فيها ؛ لشرب الخمر , وتسهيل تداولها , أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الشهرة والظهور ، ولو كان ذلك ؛ لاستمتاعهم الخاص ، سدًا لذريعة الفساد , وإغلاقًا لباب الفتنة .

بعد استعراضنا لهذا العدد الكبير من أقوال علماء الإسلام , المتفقة في هذه المسألة , لا يجب أن نخضع الواقع للقاعدة , بل علينا أن نخضع القاعدة للواقع . ويتضح هذا جليا من خلال النظر إلى فداحة الاعتداء الذي وقع – قبل أيام – في بغداد , على كنيسة ” سيدة النجاح ” , وراح ضحيته أكثر من ستين شخصا , – بالإضافة – إلى عدد من الجرحى . وما أتبعه من تهديد صدر من تنظيم القاعدة , باستهداف الكنيسة القبطية في مصر , هو – بلا شك – جرائم لا يقرها الإسلام . ولا تتوافق بأي شكل من الأشكال , مع مبادئه جملة وتفصيلا . فالجرائم لا تبرر بجرائم , مع التأكيد على صعوبة الخوض في مثل هذه الأحكام من قبل الأفراد , فهو من أصعب الأبواب من جهة الفهم , أو من جهة التطبيق . مع اعتقادي : أن ملابسات تلك الأحداث والأعمال اللاإنسانية , وإن اختلفت منطلقاتها السياسية , وظروفها المصلحية من وقت لآخر , إلا أن مؤداها واحد , هو : الإرهاب والتطرف .

– قبل أيام – أشار مدير حملة السكينة لمكافحة الفكر الضال إلكترونيا , – الأستاذ – عبد المنعم المشوح , إلى. بحث مفصل نشره الموقع  – للباحث المصري – هاني نسيرة , بعنوان : ” حرمة الاعتداء على دور العبادة في الإسلام بين الإجماع الإسلامي وشذوذ القاعدة وتناقضها ” .

خلص – الباحث – من خلاله , إلى أن هناك أخطاء منهجية , وأصولية عميقة في الموقف من أهل الذمة , وحقوقهم , ومعابدهم , وواجباتهم ، يقع فيه المتشددون – قديما وحديثا – ، من أبرزها :

أولا : تنتج عن الخلط بين حالة الذمة , وحالة الأمن , والحرب , والخروج ، التي اشتد فيها الإسلام , حتى على الخارجين من المسلمين , باعتبارها هرجا , ومرجا , وفتنة مكروهة .

الثاني : تصور ومظنة , أن الشدة وسوء المعاملة , ستضطر هؤلاء ؛ للتحول للإسلام ، أو تضطرهم ؛ لترك دينهم ، وهو مدخل لا أخلاقي , ولا إسلامي , يترفع الإسلام عنه , كما ترفع عنه السلف الصالح – رضي الله عنهم – ، فقد أكرم النبي – صلى الله عليه وسلم – أسرى طيء , وأكرمهم ؛ لكرامة حاتم الطائي ، الذي كان على نحلة من نحل المسيحية ، وقال فيما صح عنه – صلي الله علي وسلم – : ” إنما بعثت لأتمم  مكارم الأخلاق ” ..

الثالث: خنق الأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية , بالصراع مع الغرب والولايات المتحدة ، واتهامها بأنها : تابعة لهم . وهو ما يعني , تعميم صورة العدو الخارجي على الداخل ، وإن كانت هناك حوادث عارضة لبعض المسيحيين , أو اليهود في دعم قوات الاحتلال ، فإن الغالب والسائد تاريخيا , هو تجرد وانتماء هؤلاء للدولة الإسلامية منذ قديم ، ودفاعهم عن الأرض كوطن لهم ، فضلا عن أن إحساس الأمان , والعدل الذي عرفه هؤلاء في ظل الإسلام ، ولم يعرفوه من الأديان الأخرى ، فضلا عما بينهم من خلاف ، جعلهم أقرب للمسلمين من المحتل – دائما – ، هكذا هاجر وخرج اليهود مع المسلمين من الأندلس ؛ خوفا من بطش القوط والكاثوليك ، بقيادة ” فرديناندو وإيزابيلا ” الكاثوليكيين ، وخرج فيهم – الحبر اليهودي – ابن ميمون , الذي هاجر إلى مصر , وكان في حماية – السلطان – صلاح الدين الأيوبي , وجوار – القاضي – الفاضل ابن نباتة ، وهكذا كان كثيرون , وكثيرون من المسيحيين العرب في معركتهم ضد الاستعمار , والاحتلال لمن يقرأ التاريخ ! ..

الرابع , والأخطر : يعد المصدر الرابع أخطر مصادر اضطهاد المسيحيين – عامة – , وهو ما تستند إليه الجماعات الإسلامية المتطرفة , والتي تنسب للجهاد تشويها ، وهو جعلها استهداف الأقليات الدينية , ومعابدهم , ومصالحهم جزءا من أوراق ضغطها على الأنظمة , من جهة . وجزءا من سعيها ؛ لجر الشعوب للحرب الدينية الشاملة ، فالقاعدة ترى الحرب مع الغرب , حربا صليبية صهيونية ، فيحاولون استهداف هؤلاء تخوينا لهم , وتفجيرا للمجتمعات ..

أرجو أن أكون وفقت في نقل فكرتي , ووجهة نظري دون لبس , أو سوء فهم . فالابتعاد عن كل الأسباب المؤدية إلى الفتن الطائفية , خاصة في المجتمعات متعددة الأقطار , كمصر , والسودان , ولبنان . مع ضمان الإسلام لحرية التدين كاملة غير منقوصة , في حق من يتمتع بحماية دولة إسلامية , وفي ظل التعدد والتنوع , هو سنة إلهية حاكمة لكل شيء . فلا يجبر أحد على تركه إلى غيره , ومن هنا تبرز أهمية التعايش الديني , وفق قول الله تعالى : ” لا إكراه في الدين ” . وتأمل قول ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره , حين قال : ” أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام ، فإنه بَيِّن واضح ، جلي دلائله وبراهينه ، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ” . 

-- د . سعد بن عبد القادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*