السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التعليم .. محور الأمن الفكري

التعليم .. محور الأمن الفكري

ما رشح حتى الآن عن ندوة التوعية الأمنية في مناهج التعليم العام، التي انعقدت في الرياض بحضور عدد كبير من القيادات التربوية والأمنية والأكاديمية، وعدد من المهتمين، يؤكد لنا أننا ما زلنا في أول الطريق فيما يتصل ببناء منظومة الأمن الفكري في المناهج التعليمية، ليس كمنهج أو آلية تعليم وحسب، وإنما حتى كمفهوم يجب أن يتكرس في أذهان الناشئة في وقت مبكر.. مستندا إلى ما تمليه الثوابت الدينية.. ثم ما يترتب على استحقاقات المواطنة الحقيقية.

الإحصائيات التي استعرضتها بعض أوراق العمل المقدمة في الندوة.. كشفت عن أن 72 في المائة من المديرين والمعلمين لم يتلقوا دورات في الأمن الفكري، وإذا ما صحت هذه الإحصائية فكيف سيتسنى لنا الذهاب بمشروع وطني بالغ الأهمية والحساسية بقيادات تربوية غير مدربة، ولا تحسن التعامل مع السياقات المطلوبة لترسيخ هذا المفهوم، فضلا عن انتظار نتائجه، والأمر قد يبدو أشد تعقيدا حينما ندرك أن قضية التربية برمتها قضية جيلية قد لا تتأتى ثمارها إلا على مدى سنوات طويلة.. مما يفقدنا القدرة على قياس فاعلية تلك البرامج، ما لم تكن هناك مبادرة متكاملة تؤسس المدير والمعلم أولا للاضطلاع بهذه المهمة. قبل الدخول في مرحلة التطبيق.

وحينما تشير الدراسات إلى أن 99 في المائة من إجمالي مديري المدارس التي نفذت أساليب التوعية الأمنية والأمن الفكري للطالب دون إجراء قياس الأثر الرجعي.. نستطيع أن نزعم أن البرنامج لم يوضع بعد على محمل الجد على أهميته في قاعات التطبيق.. أو أنه يعمل بأذرع منقوصة مما يقلل من فاعليته المنتظرة.

في الجانب الآخر.. كشفت إحدى الدراسات التي قدمت في الندوة عن أن 78 في المائة ممن لهم أفكار إرهابية وقضايا أمنية كانوا في الأساس ممن تسربوا من مقاعد التعليم في وقت مبكر، والمعلوم أن هنالك دراسات كانت تجريها وزارة التربية عن دوافع وأسباب التسرب منذ أعوام طويلة، وكان من المفترض أن تصل تلك الدراسات إلى نتائج دقيقة وإلى برنامج عمل يحيد تلك الأسباب، ويعيد الطلبة إلى مقاعدهم.

من هنا نريد أن نقول: إن قضية التوعية الأمنية في مناهج التعليم، يجب أن تصعد في الاهتمام من الأجهزة التربوية إلى مستوى الجهد الذي تبذله وزارة الداخلية لمعالجة اختلالات الأمن الفكري ومخاطره على المجتمع والدولة والسلم الأهلي، خاصة أن قطاعات التربية هي الحاضن الأول لبذور الفكر.. والحصاد يكون عادة امتدادا لتلك الجذور التي نضعها في التربة، وإذا كنا لم نصل بعد إلى بلورة رؤية متكاملة لكيفية تنفيذ هذا البرنامج الوطني الطموح بدليل الحديث الذي دار في الندوة عن إعادة صياغة مادة التربية الوطنية لتسهم في تعزيز الانتماء الوطني، إلى جانب الحديث عن تأهيل المعلمين والمعلمات وتدريبهم على طرق تفعيل البرامج الأمنية بالشكل الصحيح الذي يتلاءم وعقليات التلاميذ وفق مراحلهم السنية.. فإن ما ستحققه مثل هذه الندوات سيكون ـــ بإذن الله ـــ فاتحة خير للانطلاق من النقطة الصحيحة بعد كشف الأخطاء والثغرات ومعالجتها، وقياس أثر هذه البرامج في أذهان الطلبة، ومدى تفاعلهم معها.

وحتى إن كنا ندرك أننا أمام قضية شائكة.. لكونها تتحرك على مدى أفق عريض وواسع جدا قد يكون من الصعب الإلمام بكامل تفاصيله.. إلا أن استمرار انعقاد مثل هذه الندوات، وإشراك العاملين في الميدان التربوي مباشرة في طروحاتها سيؤسسان بالنتيجة لبرنامج عمل تربوي ومهني متخصص، يستطيع أن يرقى بالفهم الأمني داخل الأجهزة التربوية إلى المكانة التي يستحقها بوصفه ركنا أساسيا في تجنيب أبناء الوطن وبناته منزلقات الفكر الضال والمنحرف، وتأكيد صيانة أمن المجتمع، وقفل الطريق في وجه كل من يريد استغلال هذه العقول الغضة لمآرب دنيئة، ولعل هذه الشفافية التي عكستها الندوة عن مخرجات هذا البرنامج، التي تحسب للقيمين على وزارة التربية بالتأكيد.. وكشف العثرات التي اعترت التطبيق يجعلانا نعيد ترتيب خطواتنا مجددا، للتصدي للأمن الفكري في قاعات التعليم العام بما يستدعيه كبرنامج وطني كبير يمس حياة كل مواطن ومواطنة على أرض هذا الوطن الكريم.

-- الاقتصادية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*