السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أدب الحوار .. مع علمائنا !

أدب الحوار .. مع علمائنا !

تعلمت أيام الطلب – ولا زلت – , أن من آداب الخلاف : حسن الظن , وعدم التنابز بالألقاب . وأنه كما يتباين الناس في ألوانهم , وأشكالهم , وألسنتهم , وأخلاقهم تبايناً عظيماً . فهم – كذلك – يتباينون في أفهامهم , وعقولهم , ومداركهم . وأن بقاءنا أخوة في الدين , مع اختلافنا في المسائل الاجتهادية , خير من تفرقنا , وتمزقنا ,  وبقائنا على خلافاتنا .

من أشد ما يظهر من اختلافات سلبية , أدت إلى جدال على مستوى الساحة الداخلية , القدح بعلماء سابقين , والتزهيد بعلماء معاصرين , والتقليل من احترامهم , وتقديرهم في صدور الناس , سيؤدي – بلا شك – إلى تنفير القلوب عنهم , وعدم الاستماع إليهم , أو الصدور عن أقوالهم . كما أنه مجلبة لغضب رب العالمين , كما في الحديث القدسي , عند البخاري : ” من عادى لي وليا , فقد آذنته بالحرب ” .

إن من أعظم صور البلاء على الأمة , أن أناسا كتبوا بأقلام , ظنوا أنهم يكتبون بمداد البحر . ورأوا في أنفسهم أنهم يحسنون صنعا , فناطحوا شمم الجبال ؛ لينالوا ذراها المرفوعة . ولمزوا أكابر العلماء , بعد أن سفهوا أقوالهم بالنقد اللاذع , واستهجنوا آرائهم , وانتهجوا سياسة التضييق بمذاهبهم , والتحقير من شأنهم , وهدر مكانتهم . ورجمهم بالجهل – تارة – , وعدم علمهم بالواقع , وفقههم به – تارة أخرى – .

إذا كان الله قد أمرنا عند مناقشة أهل الكتاب , أن نناقشهم بالتي هي أحسن : ” ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ” . فكيف سيكون الحال في مناقشة أهل العلم الشرعي ؟ . أليس الأدب , هو : الأخذ بمكارم الأخلاق , والوقوف مع المستحسنات , وتعظيم من فوقك , والرفق بمن دونك ! . فلماذا تحول بعض كتابنا في نقاشهم مع كبار العلماء , فيما يذهبون إليه من توزيع الاتهامات , وإطلاق الشتائم , والتشنيع عليهم , والولوج في نواياهم , واعتماد المبالغة , وذلك من خلال تلاسن كلامي , ومهاترات لفظية . اعتمدت التهريج , والسطحية , والجدل العقيم ؛ من أجل الانتصار للنفس , حتى ذكرتنا تلك الكتابات , بحروب داحس والغبراء .

إن علمائنا هم أركان الشريعة , وأمناء الله في خلقه . – ولذا – فإن مد جسور الود معهم , والانفتاح على آرائهم بلا ازدراء , ولا تحقير . وتوسيع مساحة المشترك دون وصاية فكرية , أو بما يتنافى مع آداب الحوار , ويتجاوز حدود اللياقة , بعيدا عن النقاش العلمي المثمر , مطلب مهم – ولا شك – . إذ أن إنصاف المخالف , والعدل معه , ونقده بالحق , مع ذكر محاسنه , ركيزة من ركائز فقه الاختلاف ؛ ليكون اختلافنا اختلاف تكامل , لا اختلاف تضاد . وذلك في المسائل التي تتجاذبها الأدلة , ويكون لها حظ معتبر من النظر .

قال – العلامة – ابن القيم – رحمه الله – : ” فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباس ، والتحري . وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله , لم يضر ذلك الاختلاف ، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ؛ لأنه إذا كان الأصل واحدا , والغاية المطلوبة واحدة , والطريقة المسلوكة واحدة , لم يكد يقع اختلاف . وإن وقع كان اختلافا لا يضر , كما تقدم من اختلاف الصحابة ” .

يستحيل أن يكتمل نسيج الحياة , فالاختلاف البشري إرادة إلهية . والدين إنما توحدت جذوره ؛ ليختلف أعضاءه , فتثمر . ولن يتشكل حراك اجتماعي إيجابي , دون أن تكون هناك مشاركة بمختلف شرائح المجتمع . بعيدا عن الاستعداءات , والخلط في التصورات , وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة .

 

 

-- د . سعد بن عبد القادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*