الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مجازفات المنطق الثوري

مجازفات المنطق الثوري

من أشق الأمور أن يحكم الإنسان العقل في وقت ثورة العواطف ، حينها ينقلب العقل الذي هو كرامة الإنسان إلى عبثية ، بينما يكون الهياج عقلا جمعيا يسيطر على التفكير ..الأمر الذي يغيب عن الكثير أن ثقافة ” الموت ” هي آخر إنتاجات الفكر الغربي العدمي الذي يرى في العدم وجها آخر للوجود ، فهايدجر الوجودي الذي يرى أن الإنسان هو الكائن الذي يمتاز بالوعي والوحيد الذي يمتاز بالحرية والوحيد الذي يعرف وجوده وموته المحتوم ، وعنده فلا يمكن للإنسان أن يحقق حريته وأصالته إلا إذا عاش متحديا موته وفناءه ، وهذا يفسر لنا البعد الوجودي العدمي في التفكير الليبرالي الذي يتكيء على الفردانية الغرائزية التي تجعل الفناء وجها آخر للوجود ، وحينها يكون الموت غاية في ذاته ، لانه في النظرة الملحدة نهاية الانسان .

هذه الأفكار هي التي شرعت لفكرة المستبد الكوني الذي لابد أن يقوم على جثث وجماجم البشر الذين هم في عرف التفكير الإلحادي الوجودي حيوانات أشقاها العقل ، وأخرجها من حيوانيتها ، ولذا ينظر المتطرفون إلى ما تفعله أمريكا في العراق وافغانستان على أنه قمة تحقيق الإنسانية ويتمتعون بصور سحل البشر في الطرقات ، ويقصدون بذلك ارجاع البشرية إلى القيمة الحيوانية الهائمة ، ولذا فهم يقصدون بالحرية الحرية المنفلتة التي تشبه تصرفات الحيوان السائب الذي لا تحكمه قيمة أخلاقية أو دينيه بناء على نظرية أفول المتعالي أو موت الإله .

هذا المنطق هو الذي يؤسس لنظرية الاستهانة بأرواح البشر في عبثية لا مقصد من ورائها إلا شعارات جوفاء تهين البشر في الوقت الذي يدعون فيه حمايته وتعزيز كرامته .وفي إزاء ذلك نجد الثوار في التراث الإسلامي سواء الخوارج الذين ينطلقون من رؤية عقدية تكفيرية ، أو البغاة الذين يثورون لأجل مطالب قد تكون مشروعة هم يجتمعون على مبدأ ” التخوض في الدماء ” ، وكان اصلحهم حالاً هو من يندم بعد أن يعود إليه رشده بعد الحدث ، لأن ما يتحصل عليه في النهاية لا يساوي هدر دماء مبرورة مقدسة ، ( ولا يزال الرجل في فسحة من دينه مالم يصب دما حراما ) ، ولذا قال ابن عمر كما جاء في البخاري : ( إن من ورطات النفوس التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله ) ، وفي الثورات لابد من أن يكون المسلم قاتلاً أو مقتولا ، وفي الفتن ( كن عبدالله المقتول ، ولا تكن عبدالله القاتل ) .

في أحداث يونس ، وللمرة الأولى يقف الإسلاميون والليبراليون في موقف سياسي واحد ، كلهم هتف بالثورة ، بسقوط ابن علي ، كلهم رأى في الحدث خلاصا من الواقع الذي يعيشون فيه ، إنما الفرق أن الليبراليين يقولون : فعلها دعاة الحرية والليبرالية والديمقراطية والتعددية ، والإسلاميون يقولون : فعلها من يخرج على الطاغوت الذي حرق الحجاب وأهان الشريعة وحكم بغير ما أنزل الله ، واليساريون يقولون : فعلها الجائعون من طلبة الرغيف والعيش .. وفي النهاية سوف تثبت الأيام أن الذي فعلها هي قوى خفية تريد أن تمرر اجنداتها الخفية في العالم الإسلامي .

في فضائح ويكليكس تبين بالوثائق أن الزعماء الغربيين ممتعضون من ابن علي لأنه لا يقبل النصائح والتوجيهات ، وعليه فهو عندهم حمار نفق ولم يعد صالحاً لأي دور ، وهذا سبب الاستجابة السريعة من امريكا وفرنسا إلى تأييد حركة الشعب التونسي ، لأن الغرب يدرس الارهاصات ، ثم يوجهها إلى الوجهة التي يريد ، وقد كانت الثورة في إيران في بدايتها تدار بيد ” الشيوعيين ” ، وأمريكا ترى في ” الشاه ” رجلا ضعيفا لا يمكن أن يستمر ، وكان أمامه خياران : الأول : التفرج على ان يقطف الاشتراكيون الثورة ، وهذا يعني انفتاح الشرق الإسلامي كله على الاتحاد السوفيني ، وتوسع نفوذها في منطقة النفط والثورات . والثانية : تعزيز الثورة الإسلامية الخمينينة ، فهي وإن كانت تحمل شعار ” امريكا الشيطان الأكبر ” إلا أنها أخف ضررا من الاشتراكية لتمايزها الايدلوجي عن منظومة الشرق الإسلامي السنية ، ولذلك سلمت الخميني الثورة ، وقطف ثمارها الإسلاميون .

الآن ، سوف تتوجه أمريكا إلى اسقاط الثورة الإسلامية عبر الاصلاحيين التنويريين ، وقد دعمت المظاهرات في السنة الماضية بمائتين وخمسين مليون دولار .

لا شي يقزز في الرؤية الحديثة لحركة التعبير والطرح السياسي من الحديث عن ” إرادة الأمة ” التي تشكل عندهم ” الأغلبية ” ، فهي مغالطة لا تصمد أمام المنطق الرياضي البسيط ، فالأغلبية التي دائما يتكلمون فيها سواء في ” الثورات ” ، أو في الانتخابات ماهي في حقيقتها إلا حكما للأقلية التي تتحكم في نهاية الأمر بالأغلبية .

أي بلد الآن مهما كانت نسبة البطالة فيه ، أو الفساد من الحكومة نجد الغالب من الشعب يعيش حياة يحقق فيها الحد الأدنى من الضرورات المعيشية ، وخاصة في البلاد التي لا تملك ثروات طائلة ، وغالب هؤلاء المواطنون لو خيرتهم بين الانتقال من وضعهم الذي يعيشونه إلى وضع ليس مضمون النتائج لاصروا على البقاء في وضعهم ، فالأمر الذي في اليد خير من أمر أعظم ولكنه في الأحلام ، وكما قيل في المثل العامي الدارج ” عصفور في يدك خير من عشرة على الشجرة ” .

أي حركة جماهيرية تريد أن تقلب الأوضاع لتحقيق مطامحها السياسية لا يمكن أن تكون منصفة في قراءة الواقع ، ولا التركيز على مكامن الخير فيه ، لانها لو فعلت ذلك قطعت على نفسها فكرة ” التغيير السياسي ” ، ولذلك تسعى جاهدة لتشويه الواقع بصورة بشعة ، حتى يستجيب الناس لا شعورياً لاطروحاتهم الثورية ، ثم بعد ذلك يضل الفقير فقيرا ، ويعتلي بدل الظالم الذي يعيش في كنفه الناس ظالماً آخر يمارس نفس الدور الذي يمارسه الأول ، وهذا لا يتأتى إلا بعد أن يذوق الناس الويلات .

هؤلاء الذين خرجوا في تونس في الشوارع من المحتاجين يتصورون أن الأمر سوف يحل في اليوم التالي ، وأن جيوبهم سوف تعمرها الأموال الطائلة ، ولا يدرون أنهم صاروا وقودا لمسرحية سياسية جديدة تنهنه عواطفهم بالوعود الكاذبة ، ثم يكتشفون أنهم ضحوا بأمر لا يستحق التضحية ، فالأوضاع هي الأوضاع ، والقضية في بساطتها تعتبر معادلة اقتصادية ، وأن الوضع الأقتصادي لا علاقة له بكون الناس يعيشون حياة حزبية متعددة ، او يعيشون حياة الحزب الواحد ، فكم من الدول هي تعددية وفقيرة فقراً مدقعا ، وكم من الدول تحكمها اسرة أو حاكم فرد شمولي ويعيشون في رغد من العيش ، والذي يحكم هذا عوامل الوضع الاقتصادي الذي يختلف من بلد إلى بلد آخر .

إن اصحاب الحركات الجماهيرية يلعبون على عواطف الجماهير العريضة بأمور لا ارتباط بينها إلا اعتباطا في التفكير ، فالحرية ، والتعددية ، والمشاركة السياسية لا علاقة لها بمستوى المعيشة ، وكم رأينا في امريكا راعية الحرية الكونية طوابير العاطلين ، ورأينا الهوملس في الشوارع ، ورأينا الذين ينتحرون فلم تغن عنهم الحرية والتعددية شيئا حين يحبطون من واقعهم ، وحكمة الله تقتضي أن كل مجتمع لابد أن يكون فيه فقراء وأعنياء ، متعلمون وجهلة ، خداما وسادة : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) ، ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) ، ولا يصلح طبيعة الاجتماع البشري إلا أن يكون بعضهم لبعض سخريا ( وجعلنا بعضكم لبعض سخريا ) ، ولو تساوت الناس في كل شي لفسدت الأرض ، وهي من سنن التدافع وطبيعة الخلق وحركة التاريخ التي لا يمكن أن تغيرها ترهات الحالمين ، ومع ذلك فالمجال مفتوح للانتقال من مركز اجتماعي متدن إلى مرموق بناء على العمل والإنتاج ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) .

إن أخطر أمر يعترض مسيرة الإنسان هو ( العجلة ) في تحقيق الأماني ، ومن استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ، وكل نكسة تصيب الناس في حركتهم التاريخية هي بسبب الاستعجال والزج بهم لحرق مراحل التاريخ ، وحينها يخسرون كل شي ، وها هو الذي لا يجد إلا لقمة يسد بها رمقه في تونس يضحي بنفسه فيخسر كل شي ، فتكون المعادلة النهائية : روحة = قطعة خبز ، وعليه فهذه إهانة لانسانية الانسان واهدار لكرامتها .

هؤلاء الذين يثورون هم يريدون بمبدأ المساواة القفز على الحقائق ، فيسوون بين المنتج والعاطل ، المفكر والمتكلس ، الجاد والهازل ، الغني والفقير من دون جهد أو عمل ، وهذه دعاوى قامت مع الاشتراكية والرؤى الشيوعية ثم بان كسادها ، وتعرت فكريا ، ولفظتها الشعوب ، لأنها مصادمة لطبيعة التكوين البشري ، وفطرتها التي فطرها الله عليها ، فيحققون الظلم الاجتماعي في الوقت الذي يريدون المساواة .

إن الذين يمنعون طريقة التغيير من خلال الهياج الجماهيري يدركون أن المصائب لا تأتي دائما من قتال بين الحاكم والمحكوم ، ولكنهم يدركون أن هذا الجو الثوري يهيئ لكل من يريد تصفية حساباته ، فتدخل اصحاب الاغراض السيئة للانتقام من أوضاع معينة ، ويكون ذلك على حساب دماء الأبرياء الحالمين ، فيكون أكثر الخاسرين هم الناس البسطاء المغلوبين على أمرهم ، بينما يفكر الدكتاتور ليسكن في قصوره التي هيئها لمثل هذه الأيام .

حمى الله بلادنا من كل سوء ، ومن كل صاحب شر ..

-- موقع السكينة - بدر العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*