الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القاعدة تنقسم داخليا بعد سلسلة العمليات الوحشية

القاعدة تنقسم داخليا بعد سلسلة العمليات الوحشية

 يلاحَظ منذ شهور تزايد الجدل الدائر في أوساط الجهاديين في شأن الهجمات التي يشنّها تنظيم القاعدة.

ويتساءل الجهاديون عما إذا كانت هذه الهجمات تخدم الدين الإسلامي فعلاً وتدافع عنه -كما يقول قادة هذا التنظيم الذي يقوده أسامة بن لادن- أم إنها في الحقيقة تضرّ به وتسيء إلى صورته بين كثيرين في العالمين العربي الإسلامي والغربي.

وإذا كان هذا الجدل لم يعد بالأمر الجديد اليوم، فإن جديده، بلا شك، هو الظهور المفاجئ في نهاية العام المنصرم لأسماء شخصيات بارزة في القاعدة، كانت قد اختفت تماماً عن الأنظار بعد الإطاحة بنظام حكم حركة طالبان.

هذه الشخصيات شملت: محفوظ ولد الوالد (أبو حفص الموريتاني) -عضو مجلس شورى القاعدة، مسئول اللجنة الشرعية سابقاً- وسليمان أبو غيث (أبو يوسف) -الناطق السابق باسم التنظيم- وأخيراً الرسالة الطويلة لـ”عابر سبيل” الذي اكتُفي بتعريفه على أنه واحد من “أهم شخصيات الصفّ الميداني الأول في تنظيم القاعدة”.

الصحفي جمال إسماعيل كتب في “الحياة” أن “عابر السبيل” هذا ليس سوى سيف العدل -رئيس اللجنة العسكرية سابقاً في القاعدة- وأن جهوداً بُذلت لثنيه عن إعلان موقفه، الذي اعتبره يشير إلى بوادر انشقاق في القاعدة. إسماعيل -الكاتب المخضرم الفلسطيني الأصل المقيم في إسلام آباد- عاصر “الجهاد الأفغاني” منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ونقل إسماعيل عن مصادر باكستانية مطّلعة قولها إن انخراط القادة السابقين في القاعدة في مراجعات “يعكس تبايناً متزايداً في وجهات النظر بين بن لادن وأعضاء في مجلس شورى التنظيم”.

والمواقف التي أعلنتها القيادات تكتسب أهمية؛ بسبب اللجوء إلى نشرها حصرياً لدى جهادي مصري قديم في أفغانستان يُدعى أبا الوليد المصري (مصطفى حامد)، ويدعو علناً إلى حلّ القاعدة، ويتّهم بن لادن بعصيان أوامر الملا عمر.

قيادات وأفراد تكسر صمتها

وكان كسر أبي حفص الموريتاني صمته المتواصل منذ أواخر عام 2001، ونشر في ديسمبر الماضي قصيدة بعنوان “أنقذينا يا غزة العزة!”، لكن الموريتاني لم يُشر بأي طريقة من الطرق مباشرة أو مواربة إلى موقفه الحالي من قيادة القاعدة.

ومعلوم أن تقرير لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر كان قد أشار إلى أن أبا حفص اصطدم مع زعماء في القاعدة، في شأن شرعية تنفيذ هجمات 11 سبتمبر. وليس واضحاً اليوم هل ما زال أبو حفص الموريتاني على موقفه السابق المعارض لهجمات 11 سبتمبر، أم إنه صار يتبنى موقفاً مختلفاً.

غير أن أبا حفص كتب مقدمة كتاب قيادي سابق في القاعدة، والذي كان يُعتقد أيضا أنه من المعارضين لهجمات 11 سبتمبر وهو سليمان أبو غيث.

وسليمان أبو غيث (أبو يوسف) الناطق السابق باسم تنظيم القاعدة عام 2001 والذي اختفي في نفس العام الذي اختفى فيه أبو حفص، اختار أن يكسر صمته بكتابة 20 وصية على طريق الجهاد، ضمّنها نصائحه للمجاهدين”؛ كي يقوموا بما ينص عليه واجبهم الديني من دون الوقوع في مخالفات شرعية.

وكان غريباً في هذا الإطار أن سليمان أبو غيث كما أبو حفص اختار الخروج عن صمته، وكتب كتاب “الوصايا” من دون أن يشير بكلمة واحدة بالاسم إلى تنظيمه القاعدة، وهل ما زال عضواً فيه أم خرج منه.

لكن كثيراً من وصاياه هذه بدت وكأنها تتضمن نقداً مبطّناً لأعمال تُنسب أحياناً إلى قادة القاعدة أنفسهم. وقد فسّر جمال إسماعيل بعض كلام أبي غيث في الوصايا بأنه انتقاد موجّه إلى الدكتور الظواهري شخصياً.

موقف لقيادي كبير في القاعدة

والموقف الأخير الذي صدر قبل أيام عن القيادي الكبير في القاعدة “عابر سبيل” لا شك أنه يُعتبر الأكثر أهمية سياسياً، بالمقارنة مع كلام رفيقيه؛ إذ إنه تناول كثيراً من الأمور التي لها علاقة بسياسات القاعدة والانتقادات التي توجّه إليها.

تضمّنت رسالة “عابر سبيل” (سيف العدل) خمسة أجزاء ركّز الأول والثاني والثالث فيها على أفغانستان، وخصال شعبها المسلم، وطبيعتها الجغرافية على مر التاريخ، وكيف هزمت الإمبراطوريات المتعاقبة. وشرح الكاتب في هذه الأجزاء تفاصيل دقيقة عن عادات الشعب الأفغاني وتوزيعه الديني والقبلي والجغرافي.

أما الجزء الرابع من الرسالة فحمل عنوان “إلى أبناء الأمة من الدعاة.. أو من ظنّوا أننا ننافسهم”، ودافع فيه الكاتب عن بعض سياسات القاعدة مُقراً بأخطاء تم ارتكابها، ومحاولاً في الوقت ذاته التقرّب من العلماء الذين يختلفون مع القاعدة وينتقدون ممارساتها.

وقال: “يا دعاة المسلمين علماء ووعاظا وطلبة علم.. ويا كل من ينتسب إلى تيار إسلامي.. لستم أعداءنا، بل أنتم شركاؤنا في التغيير وفي الأرض”.

وهذا الموقف الذي يسعى إلى التقرّب من الدعاة المسلمين لافت للنظر بلا شك؛ إذ إنه يختلف عن موقف بعض قادة القاعدة البارزين الذين لا ينفكّون ينتقدون بعنفٍ العلماء الذين يصفونهم بعلماء السلطان؛ نظراً لدفاعهم عن الحكّام العرب.

و”عابر سبيل” نشر رسالته الطويلة على موقع أبي الوليد المصري، الذي اكتفى التعريف عنه بالقول إنه عضو قديم في تنظيم القاعدة، وأضاف أنه “قام بدور بارز في الصومال عام 1995 حيث أشرف على تدريب مجموعات صومالية، وعمل على تفعيلها ميدانياً”.

واختتم التعريف بأن “عابر سبيل” بات “أقدم وأهم شخصيات الصف الميداني الأول” في القاعدة، بعد وفاة أبي عبيدة البنشيري عام 1996 ثم أبي حفص المصري عام 2001، وكلاهما من مؤسسي القاعدة مع بن لادن.

حلّ القاعدة

وعلى الرغم من دفاع “عابر سبيل” عن الجهاديين، إلا أنه كان لافتاً للانتباه أن رسالته جاءت رداً على موقف أعلنه الجهادي أبو الوليد المصري، ودعا فيه إلى حلّ القاعدة.

وقال أبو الوليد على موقعه على شبكة الإنترنت إن أسامة بن لادن قام في هجمات 11 سبتمبر بعصيان أوامر واضحة وصريحة من زعيم طالبان الملا محمد عمر، ورأى أن تصرفه هذا يمثّل “في ظني خطأ يستدعي تقديمه إلى القضاء الإسلامي في الإمارة إذا أتيحت الفرصة لذلك مستقبلاً”.

وتابع: “ما يدهشني في موقف الإخوة في القاعدة كان ازدواجية الولاء، بمعنى إعطاء بيعتين لأميرين في نفس الوقت، الأول هو بن لادن زعيم التنظيم، والثاني هو “أمير المؤمنين”. وعندما وقعت الواقعة ظهر أن الولاء الأصلي والمتابعة العملية كانت لأمير التنظيم”.

وعلّق أبو الوليد المصري على كلام “عابر سبيل” قائلا: “يفتقر المسلمون بشدة إلى حوار داخلي صحي وصحيح، كما يفتقد الجهاديون بشكل أكبر إلى القدرة على مخاطبة بعضهم بعضا”.

وأضاف: “أعتقد أنها بداية تستحق التقدير من جانب قيادات مهمة في تنظيم القاعدة؛ لفتح نوافذ القلوب والعقول. وربما تصبح تلك الخطوة الأولية مدخلاً إلى حوار إسلامي إسلامي، وحوار إسلامي إنساني هادف ومثمر”.

وإذا ما أخذت كل هذه المواقف في عين الاعتبار، فإن كل ذلك يشير بلا شك إلى أن شيئاً ما يحصل داخل القاعدة.. قد يكون مجرد اختلاف في الآراء، لكنه يبقى أمراً لافتاً للنظر يستحق المتابعة بالتأكيد.

-- السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*