الخميس , 8 ديسمبر 2016

ثورة المعلومات

في عصر الشفافيّة ومصادر المعلومات الإلكترونيّة الجماهيريّة لم يعد هناك مجال لحفظ الأسرار في دوائر الخاصّة المغلقة. وفي عالمنا العربي المفتوح على كل اتجاه لا سرّ يدوم ولا أسرار مدفونة للأبد. وقد كانت شرارة وثائق “ويكيليكس” “صفارة إنذار” لأولي الألباب حين دلّلت بكل وضوح على أن السرّ الوحيد الذي لا يمكن إخفاؤه في عصر المعلومات هو ذلك السر الذي لم يحدّث به المسؤول العربي نفسه بعد!!. و قد شهدنا وشاهدنا عبر ملابسات نشر وثائق ” ويكيليكس” وما بعدها في موجة التسريبات كيف انكشف الغطاء عن أدوار ومواقف إما مزدوجة أو سوداء لمنتفعين انتهازيين محسوبين على طبقة النخب العربيّة.

وفي وسط “هوجة” التسريبات واختلال العلاقة مع النخب يجد الشباب العربي نفسه تائها متسائلا عمّن سرق حلمه وتاجر بمستقبله فاقدا الأمل والثقة في كل رموز وطنه. والنتيجة الواضحة حينما يضيع الحلم هي ما نشاهده في بعض ساحات العواصم العربيّة من تدافع الجموع الشابة الى لا مكان بحثا عن مرجع وأمل. وليت الأمر توقف عند هذا حتى يستريح الانسان العربي من عناء الأسئلة ولكن عدوى تسريب الوثائق وما جلبت من ارتياب طاول كل شيء حتى بتنا نتابع ما يشبه “دوري” مباريات التسريبات عبر الفضائيات العربيّة ومنها انتقلت حمى الغضب الى الشارع العربي دون رأي أو راية فحقنت الأرواح بالمزيد من التشويش في مجتمعات شابّة تغلب عليها الهموم والانفعاليّة ويحركها الغضب وغموض كل شيء من حولها.

حتى الأمريكيين الذين يديرون أسرار العالم ويوظّفونها في كل أزمة لم يسلموا من ضربات عصر المعلومات. ومن طرائف ذلك أن وثيقة حكوميّة أمريكيّة مصنّفة تحت بند “سرّي جدا” وضعها خبراء أمنيون (للحد من تسريب المعلومات الحساسة للإنترنت) اوائل شهر يناير هذا العام (تسرّبت) بنصها كاملا الى شبكة الإنترنت حتى قبل ان يطّلع عليها المستشارون المعنيون. والعجيب المثير هنا ان أهم محاور هذه الوثيقة المزيّنة بوشم المكتب التنفيذي للرئيس الأمريكي هو تحديدها لمصادر التسريب والاجراءات الصارمة التي توصي الوثيقة باتخاذها من قبل الوكالات الأمنيّة الحارسة للمعلومات المؤثرة في صلب الأمن القومي الأمريكي.

والمُستفاد من قراءة التاريخ ولعبة صراع القوى أن نشر الوثائق السريّة وتسريب الحوارات الخاصة لا يمكن أن يكون دائما مصادفة كما لا يمكن أن يكون كل ما نشاهده على الشاشات العربيّة من تراشقات النخب العربيّة تبعا لذلك هو عملاً إعلاميا احترافيا في ظل أوضاع سياسيّة وحضاريّة عربيّة مأزومة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وقد رأينا الأثر حين تبودلت النصوص عن اللصوص والمتآمرين كيف تنادى الشباب العربي الكترونيّاً ثم أشعلوا الشارع العربي وما زلنا نلاحظ حال هذه الجموع الشابة الساخطة التي خرجت الى الشوارع دون خارطة طريق للعودة الى الحياة الطبيعيّة.

** مسارات:

قال ومضى: لا يكبر مع الوقت الا (الندم) على خيارات لم نحسن (حسمها) حين كنّا قادرين..

-- الرياض-د. فايز الشهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*