السبت , 22 يوليو 2017
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » متى كان الدين الحق أحد الخاسرين من حرية الاختيار والتفكير؟

متى كان الدين الحق أحد الخاسرين من حرية الاختيار والتفكير؟

ليس شيء في التأريخ الإسلامي أظهر من الخلاف، الخلاف العقدي والخلاف الفقهي، الخلاف شيء يعرفه العالم والمتعلم، شيء يتداول نتائجه وآثاره أغلب الناس، إنه ركيزة صارت جزءا لا يُستهان به من العقل الجمعي، كان الاختلاف قبل عقود شيئا منقولا شيئا محكيا، كان المجتمع يستغربه، ويستريب منه، وكانت الثقافة تتجهّم في وجهه، وتزوّر عنه، كنا نسمع بالخلاف ونُقصيه، كان الخلاف ووجوده معرفةً وعدمه واقعا نعيشه، والثقافة تبذل جهدها عبر الناس في تنحية الفكرة وتأييد الواقع، لقد كانت الثقافة وهي ما عليه أغلب الناس تسعى فيما فيه الصالح العام وتدرأ كلَّ ما يشوش على هذا الواقع الذي يبدو متماسكا، أمّا اليوم وقبله بسنيات فقد جرى الخلاف واتسعت رقعته، غزا كل عقل، وولج كل بيت، فلم يعد الخلاف شيئا يُمكن ستره وإخفاؤه، كيف يخفى وذيوله ما زالت تجرجر في كل مجلس ومنتدى ومجمع؟ كيف يتوارى وأشباحه تتراقص على صفحات الكتب الإسلامية فقهية أم عقدية؟ كيف يختبئ وظلاله ترتسم على الصفحات والشاشات؟

لم أكن وربما غيري أستطيع المناداة بالحرية مستدلا بتاريخ ماض مع أننا تعوّدنا على استحضار ما ضينا في الجليل والحقير كل ذلك لأنني مقتنع تماما أنّ الإنسان لا يُقَدّر الشيء، ولا يتعرف إلى ثمنه إلا إذا عاش الدواعي إليه، هكذا الإنسان مذ خلقه الله تعالى لا يستشعر حاجته إلا بوجود أسبابها، وقد قيل قديما: الحاجة أم الاختراع، وهي مقالة صادقة تماما في هذا السياق، فالمجتمع لم يكن حتى قادرا على الإقرار بالحرية الفكرية قبلُ؛ لكنه اليوم يراها ضرورةً؛ لأنه بدأ يعيش الدواعي إلى إقرارها والذهاب إليها، فتحوّلت حرية التفكير من ترف كان بعضنا يدعو إليه قبل أوانه إلى ضرورة لا غنى لنا عنها، لقد غزت كلمة الحرية الجميلة كل لسان، الطفل وهو الطفل رمت الثقافة مصطلح الحرية على لسانه، فوجدناه كثيرا ما يلجأ إلى هذا المصطلح وإن كان مخطئا في تسويغ ما يأتيه، وفي الفكاك من مسؤولية ما يرتكبه، ويقدم عليه.

وحينما ازدادت حاجتنا إلى الحرية بدأ بعضنا يستعين بالحرية ويتخذها مركبا إلى فشوّ رأيه وانتشاره، ويأبى على غيره أن يجري هذا المجرى، ويسلك هذا السبيل، والعلة هو أننا في مرحلة انتقالية من كون الحرية فكرة إلى كونها ممارسة، فمن الطبيعي في نظري أن يكون الانتقال مرحليا، فمن مرحلة الفكرة إلى مرحلة الاستبداد في الاستنجاد بها والعمل في ضوئها، فالإنسان في هذه المرحلة يُذكّر من حوله بحقه منطلقا من مفهوم الحرية؛ لكنه حين تتعلق الحرية بغيره يحتال عليها وعلى متخذها، ويبذل في سبيل الإقناع بتفرده بها ما شاءت قريحته، وجادت به فطنته، وبعدُ تأتي مرحلة أخرى، يكون لحرية التفكير مطلق السلطة، فتنتقل من حيز الاستخدام والتوظيف العشوائي إلى منصة العمل الفكري لكل الناس، فتغدو من بدهيات النظر والتفكير، وتصير سلطةً يُحاكم بها الناس بعد أن كانت دعوةً تقبلها طائفة وترفضها أخرى.

إنّنا اليوم نعيش مرحلة الانتقال من كون فكرة الحرية ذات تطبيق فردي واستخدام ضيق إلى كونها فكرة ذات أفق واسع وفعالية كبيرة، نحن اليوم نمر بمخاض كبير، تتقدمنا فيه حرية التفكير، فهي التي ستعيد من جديد رسم الخارطة الذهنية لنا؛ لأن الحال قبل الحرية سيختلف كثيرا عن الحال بعدها، بعد أن تستقر الحرية مبدأ فكريا يبدأ كل شيء من حولنا بالتحول، إنه تحول في كل شيء، ستتغير نظرتنا إلى واقعنا ومستقبلنا، ستتغيرنا آمالنا وأهدافنا، ويتبع ذلك كله تبدل في التعامل مع الماضي، فتبرز منه أمور كنا لا نراها، أو نراها ونسعى لإخفائها، ولعل هذا التحوّل الكبير بفعل إمساك حرية التفكير بزمامنا هو الذي يقود كثيرا منا إلى التخوّف منها والارتياب بمآلاتها وعقابيلها.

إنّ أولئك الذي يتذرعون بالخوف على الحق الذي في أيدينا لا أجد في نفسي لهم شيئا إلا أن أقول لهم: متى كان الدين الحق والخير والصلاح أحد الخاسرين من حرية الاختيار والتفكير؟ ألسنا نقول دوما وأبدا: إن الإسلام بمبادئه ومثله دين الفطرة النقية، فمن ذا يستطيع أن يقف في طريق دين كهذا، من بيده أيها الإخوة أن يصدّ مدّ دين تعينُ الداعيَ إليه نفسُ المدعو؟ بل أليس بعضنا يقول: الإسلام فقط في حاجة إلى أن يُفتح له السبيل إلى قلوب الناس، وسيقبلون إليه، ويتوافدون نحوه، ويقرّون به، ويعترفون بنبوة ناقله؟ بل كيف يخاف من الحرية من كان انتشاره بالدعوة إليها ومحاربة أضدادها؟ خلاصة القول إن الحرية فرضت نفسها اليوم عبر المجتمع نفسه وحاجاته، ولم تعد مطلبا لفلان أوعلان، لقد بدأ المجتمع يستشعر أن هذه الحرية مطلب لا مناص منه ولا مهرب، وبذا تكون حرية التفكير في طريقها لتحتلّ المكان الذي يليق بها في توجيه العقل الجمعي في هذا المجتمع الذي يعز على الكثيرين من أمثالي أن يظل رهن النزاعات الفردية، تأخذ به حينا هنا، وحينا هناك، بعيدا عن مصالحه القريبة، وأهدافه الكبرى البعيدة، لقد آن للحرية أن تنتصر للجماعة على الفردية، وللعامة على النخبة.

إنّ تحول حرية التفكير إلى قاسم مشترك بين الناس جميعا يؤذن بصيرورتها من شيء نُقلّب فيه النظر، نقبله أونرده على وجهه، إلى شيء نتخذه في رؤية الأشياء والأشخاص والأفكار، ومتى أصبحت حالها معنا هكذا فستصبح هناك حدود أخرى للخارطة لم نعتد عليها، وتغدو هناك معالم في الدرب لم نعهدها.

إنّ هذا التحول في فكرة الحرية ربما اجتذب معه شيئا من التحديات، تحديات فكرية وتحديات وجدانية؛ لكن العبرة كما هي العادة بما ستحققها لنا حرية التفكير من خير وسلام واطمئنان، العبرة بما ستخلصنا منه الحرية، وتأخذ بأيدينا من أحضانه، وقد قيل قديما: ولا بد دون الشهد من إبر النحل.

صفوة القول إنّ مجتمعنا مرّ بمراحل يمكن تفصيلها حسب الحرية وعدمها، فالمرحلة الأولى كانت الحرية فيها منزوية منعزلة، ويمكنني أن أطلق على هذه الفترة “ما قبل الحرية”، إنها المرحلة التي كانت قريبة العهد بحياة الزراعة والبداوة، إنها الفترة التي لم تكن تسمح للفرد والجماعة أن يعيشوا في استقلال تام عن المحيط، وليس من شك! أنّ هذه الحالة من عدم الحرية كانت هي السبيل الأنسب والأصلح لأهل تلك الفترة، وتلتها مرحلة أخرى نعيش فيما أحسب نهاياتها، وهي مرحلة “ما بعد الحرية”، وفيها بدأ المجتمع وأهله يكونون أكثر تقديرا واحتراما لحرية الإنسان وخصوصيته، ونحن الآن ننتظر المرحلة التي تصبح فيها الحرية شعارا لكل إنسان ودثارا؛ لأنّ الظروف التي نعيشها الآن لا يصلح لها إلا هذا النوع من الناس؛ لأننا نعيش في زمن تكاثرت علينا فيه التحديات، ولم يعد مُجديا لنا إلا أن نقدح زناد عقول الجميع في استشراف مستقبل زاهر، والبحث عن موطئ قدم في هذا العالم المتسارع.

-- الرياض - د.ابراهيم المطرودي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*